السبت، 28 نوفمبر 2009

مُباراة كُرة.. وثلاث دول فاشلة.. وخسارة شعبين - د.سعد الدين ابراهيم

28/11/2009

حاولت إحدى السيدات المغربيات أن تُخفف لوعة زوجها المصرى فى أعقاب مُباراة مصر والجزائر، وما صاحبها من مشاهد عُنف قبيحة، بأن هناك «حدة مزاج جزائرية» معروفة لكل جيرانهم، تجعل هؤلاء الجيران يحمدون الله أنه لم تصبهم «القُرعة» للعب مع الجزائر فى أى مُباريات أفريقية، أو عربية، أو متوسطية، أو دولية، وذكرت الزوجة المغربية لزوجها المصرى المُناسبة التى كانت منذ عدة سنوات، حيث شاء حظ المغرب أن تواجه الجزائر فى مُباراة لكُرة القدم.
فما كان من غُلاة الجزائريين إلا تجميع أكبر عدد من الحمير، وألبسوها أعلاماً مغربية، وطافوا بها فى شوارع مُدنهم الرئيسية قُبيل، وأثناء، وبعد المُباراة!
ومع نشر هذا المقال فى عدة صُحف عربية منها (المصرى اليوم القاهرية، والخبر الجزائرية، والمساء المغربية، الراية القطرية) وغيرها من الصُحف اليوم، سيكون قد قيل حول تلك المُباراة وذيولها القبيحة، ما لم يقله مالك فى الخمر، أو نزار قبانى فى هزيمة العرب المُدوية عام ١٩٦٧.
ولعل من أصوب ما قرأت فى الأيام الأولى بعد واقعة أم درمان (حيث كانت مُباراة مصر والجزائر) مقالاً جامعاً للدكتور عبدالمنعم سعيد، بعنوان «لم تكن مُباراة فى كُرة القدم؟!» (الأهرام ٢١/١١/٢٠٠٩)، وآخر للدكتور حسن نافعة، بعنوان «حالة تلبس» (المصرى اليوم ٢٢/١١/٢٠٠٩) قدم فيه تحليلاً أميناً لمسؤولية حكومة البلدين وإعلامهما عن الشحن النفسى، والتحريض السلوكى اللذين كانا لا بد أن يؤديا إلى ما أديا إليه من عواقب وخيمة، ربما ستستمر تداعياتها لسنوات بين الشعبين المصرى والجزائرى، ناهيكم عما لحق بمفهوم «العروبة» من إساءة.
وكان فى المقالين المذكورين أعلاه، ما يكفى، دون حاجة منى لمزيد. ولكن رجل الأعمال المصرى المعروف رامى لكّح، ألح علیّ فى مُكالمة تليفونية، من لندن، فى أن أدلى بدلوى فى الموضوع، وكان مُنفعلاً أشد الانفعال بما تعرض له المصريون من مهانة، ولفت نظرى أن رامى لكّح، فى هذه اللحظات نسى تماماً مُشكلاته مع الحكومة المصرية، واستبدت به الغيرة «للكرامة المصرية»!
وبعيداً عن انفعالات رامى لكّح، وتأملات عبدالمنعم سعيد، وتحليلات حسن نافعة، وحمير المغربية سعيدة سعيد، شغلنى كيف أن دولاً عربية ثلاثًا ظهرت بمظهر تعيس قُبيل، وأثناء وبُعيد المُباراة. فهناك الدولتان اللتان لعب فريقاهما، من أجل التأهل عن القارة الأفريقية لنهائيات كأس العالم (المونديال)، عام ٢٠١٠، بجنوب أفريقيا، وهما الجزائر ومصر، أما الدولة الثالثة، فهى تلك التى لعب الفريقان على أرضها، وهى السودان، والتى كان مفروضاً أن تكون مُحايدة وصارمة فى حفظ الأمن والنظام.
وحسناً فعلت صحيفة «المصرى اليوم»، فى اليوم التالى للمُباراة، حيث أعلنت مع أخبار ونتيجة المُباراة نفسها، التى فازت فيها الجزائر على مصر بهدف واحد، وتعادل البلدان فى درجة «الفساد». نعم «الفساد». فهناك مُنظمة دولية مُتخصصة فى رصد ظاهرة الفساد، طبقاً لمنهجية صارمة، ثم تقوم بترتيب دول العالم، تصاعدياً- من أقلها فساداً إلى أكثرها فساداً.
وتُسمى تلك المؤسسة المُتخصصة «مُنظمة الشفافية الدولية» (Transparency International)، ومقرها ألمانيا. وهى تصدر تقاريرها سنوياً فى مُنتصف نوفمبر من كل عام. وقد تزامن صدور تقريرها هذا العام فى يوم مُباراة مصر والجزائر نفسه، وتشاء الصدفة وحدها أن تأتى مصر والجزائر مُتعادلتين فى درجة الفساد.
فقد تقاسمتا المركز ١١١، بين المائة والثمانين دولة، التى شملها تقرير مُنظمة الشفافية الدولية. كما جاءت الدولة المُضيفة، وهى السودان، فى المركز ١٧٦، أى قبل الأخير بأربعة مراكز فقط. أما الأخير بين الدول (أى الأكثر فساداً) فقد كان دولة عربية أيضاً، وهى الصومال (١٨٠).
ويُسمى عُلماء الاجتماع السياسى مثل هذه الدول «الفاشلة» (Failed state). ويتجلى فشل هذه الدول لا فقط فى فساد كبار مسؤوليها، ولكن أيضاً فيمن دونهم فى المستويات الوسطى والدنيا من الموظفين، حيث تصبح «الرشوة»، و«المحسوبية»، و«الواسطة» هى طريقة حياة، ووسيلة إنجاز مُعظم مُعاملات مواطنيها.
كذلك من أعراض الدولة الفاشلة، عدم قدرتها على حفظ الأمن والنظام لأبناء مُجتمعها، حيث يُختزل أمن المجتمع فى أمن النظام الحاكم- أى سلامة وحماية كبار المسؤولين وذويهم. وقد تجلى ذلك فى تلك الساعة الحرجة التى أعقبت مُباراة مصر والجزائر فى العاصمة السودانية، فقد فشلت أجهزة الأمن السودانية فى حفظ النظام فى استاد أم درمان، والمنطقة المُحيطة به، وهو ما عرّض مئات المُشجعين والمُتفرجين لخطر اعتداءات البلطجية والغُلاة.
ولكن هذه الأجهزة لم تفشل فى تأمين وخروج كبار المسؤولين وأبنائهم من ذلك الاستاد، وهروبهم من الساحة، وإلى مطار الخرطوم، حتى ركبوا طائراتهم الخاصة، عائدين إلى أوطانهم. وكان الاستثناء الوحيد هو لأحد ابنى الرئيس، وهو علاء مُبارك، الذى أصرّ على ألا يُغادر أرض المعركة إلا بعد أو مع أفراد الفريق!!
وهكذا، كانت مُباراة كروية واحدة كاشفة عن عورات ثلاثة أنظمة عربية حاكمة، وبلا شرعية، قام اثنان منها بشحن الرأى العام فى بلديهما لتوقع «الانتصار» فقط، فى مُسابقة رياضية هى بطبيعتها، كأى مُسابقة، لا بد فيها من احتمال الخسارة أو الهزيمة.
واستخدم الإعلام الموجه فى البلدين كل وسائل الشحن المشروعة وغير المشروعة، من ذلك استدعاء أحدهما لأسطورة «المليون شهيد» والتى أصبحت مع يوم المُباراة «مليون ونصف شهيد»، واستدعى الطرف الآخر أسطورة «السبعة آلاف سنة حضارة»، والتى أصبحت مع يوم المُباراة «ثمانية آلاف سنة»، وهكذا تبارى إعلام البلدين فى المُبالغات.. من ذلك أن مصر «الشقيقة الكُبرى» تعرضت لعدوان ثلاثى عام ١٩٥٦- من فرسنا وبريطانيا وإسرائيل- بسبب دعمها لثورة تحرير الجزائر ضد فرنسا، ومنها أن لواء جزائرياً شارك فى دعم مصر وسوريا فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، حيث اختلطت دماء الجزائريين مع أشقائهم المصريين والسوريين.
وهكذا تحولت مظاهر «التضامن» بين الشعبين المصرى والجزائرى فى حياة جيل سابق، هو الذى كان قد أعطى عن طيب خاطر، إلى مظاهر للفرقة على أيدى جيل لاحق لم يُعط، ولا يعرف إلا تفاخر الجاهلية الأولى. إن «الرياضة» مثل «الديمقراطية» هى مُنافسة من أجل الجدارة، طبقاً لقواعد معلومة، يحترمها المُتنافسون. وليس النصر أبدياً فى الديمقراطية، ولا الهزيمة أبدية فى الرياضة.
فكلتهما تخضع، أو من المفروض أن تخضع، لمُنازلات دورية (سنوية أو رباعية أو خماسية). ولذلك فمن لم ينتصر هذه المرة، تكون لديه فرصة أو فرص أخرى فى المُستقبل. فنتيجة أى مُنافسة ليست ولن تكون نهاية المطاف أو إحدى «علامات الساعة» (أى الآخرة، يوم القيامة).
إن الخاسرين فى مُباراة مصر والجزائر (١٨/١١/٢٠٠٩) الشعبان، المصرى والجزائرى، وقضية الوحدة العربية. فمشهد الاعتداءات، والدماء التى سالت فى استاد أم درمان، ربما يتضاءل بالنسبة لما تعرض له أبناء الشعبين على أيدى الاستعمار أو أطراف أجنبية أخرى، ولكنه لم يكن على أيد الأشقاء، ولم يكن مُسجلاً بالصوت والصورة، مثلما فى أم درمان والخرطوم، وفى صُحف القاهرة والجزائر، وعلى شاشات التليفزيون التى رآها الملايين.
لذلك لم يكن غريباً أن كثيراً من الأصوات المصرية، خرجت من معاقلها مُنكرة، بل ساخرة، من «العروبة»، ومُطالبة بإسقاط «عربية» من الاسم الرسمى لبلدهم (وهو جمهورية مصر العربية). وطاف بخاطرى وأنا أقرأ هذه الدعوات، أحلام ونضالات أربعة أجيال عربية، طوال القرن العشرين، من أجل «العروبة» كأمة واحدة، ذات رسالة خالدة!.
نعم طاف بخاطرى أسماء شريف حسين وميشيل عفلق وقسطنطين زريق وجمال عبدالناصر وشكرى القوتلى، كما طاف بخاطرى جهود بقايا آخر هذه الأجيال، من العراقى خير الدين حسيب، إلى المصرى محمد حسنين هيكل، إلى الجزائرى الأخضر الإبراهيمى، ولم أملك إلا أن أزفر مثلما زفر ابن أبى عبدالله، وهو يُغادر آخر القلاع العربية فى الأندلس (١٤٩٢)، ولكن العزاء لحسيب وهيكل والإبراهيمى، هو أن الزفرات ربما تنتهى وتموت مع أصحابها، ولكن الأحلام لا تنتهى ولا تموت...
وكما حدث مع أحلام أجيال أوروبية، تحققت وحدتها، رغم ماضيها من العداوة والاقتتال، فربما ستأتى أجيال لا يصرفها اعتزازها بوطنيتها عن مصيرها القومى المُشترك، الذى صاغته الجغرافيا والتاريخ واللغة.
والله أعلم

الخميس، 26 نوفمبر 2009

مواويل وتناتيش للذكرى .. جمال عبدالناصر



عبد الرحمن الابنودي 9/11/2009



المواويل



أنا باشكر اللى خلق لى الصوت وأوصانى


أقول كلام حُرّ.. مايقبلْش لون تانى


مااسكتش ع الضِّيم واهشّ الغيم بقولة آه


وإن سرقوا صوتى.. بينسوا ياخدوا قولة آه


فى الفرْح فى الجرح إيه حيلتى إلاّ قولِة آه


يحميك يا ولدى وكنت اسكت وتتكلم


يحميك يا ولدى واكون مجروح وتتألم


ياما حرسْت النهار.. آدى النهار.. ضلِّم


وإن شفت جرح الوطن جوّه الفؤاد علم


تقول كلام.. ياسلام.. يحيينى من تانى


■ ■ ■


أنا كان لى ورْدات عجب.. كبّرتها بايدى


أسقيها بالدمع بالدم اللى فى وريدى


جانى غشيم القدم وداس على ورودى


أخدم جناينى فى بستانى يا ناس إزاى؟


وإن نمت ناسى باقوم فاكر يا ناس إزاى؟


مين مرّر الشاى فى شفايفى وبكى الناى؟


ياليل يابو الهمّ.. تحتك دم.. ما تحاسب


وقوللّى إمتى يا ليل.. وفين حنتحاسب؟


إزاى بلادى تبات ليلة مع الغاصب


وإزاى يدوس وردها.. واقولّه: ياسيدى؟


■ ■ ■


مدّ الأمل سِكِّتُه.. وقالِّنا: سيروا


نصيبكو حيصيبكوا تمشوا والاَّ حتطيروا


عيشوا النهارده الزمن.. بكره زمن غيره


آدى أول السكة صوت الضحكة بيلالى


والشمس أمشيلها ألاقيها اللى ما شيالى


ولا حدّ يقدر يعكّر قلبنا الخالى


لكن ومين بكرة يعرف إحنا فين فيها؟


هيه حتدينا والا احنا حندّيها؟


وإيه نصيبنا من الأيام ولياليها؟


غاب الزمن فى الزمن.. واحنا بِلا عزوة


ولا نملك الا نماشى السكة ونسيروا


■ ■


ويا مصْر وان خيّرونى ما اسكن الاَّكى


ولاجْل تتبِّسمى.. يا ما بابات باكى


تسقينى كاس المرار.. وبرضُه باهواكى


بلدى ومالى الّا إنتى ولو ظلمتينى


مقبولة منِّك جراح قلبى وْدموع عينى


الجرح يشْفَى إذا بإيدك لمستينى..


كلّك حلاوَة.. وكلمة «مصر».. أحلاكى


■ ■ ■



التّناتيش



من يمدحُه يطلع خاسر


ويشبَّروله.. أيامه


يعيش جمال عبدالناصر


يعيش بصوته وأحلامه.. فى قلوب شعوب عبدالناصر


■ ■ ■


مش ناصرى ولا كنت ف يوم


بالذات فى زمنه وف حينه


لكن العفن وفساد القوم


نسّانى حتى زنازينه.. فى سجون عبدالناصر


■ ■ ■


إزاى ينسّينا الحاضر


..طعم الأصالة اللى فى صوته؟


يعيش جمال عبدالناصر


يعيش جمال حتى ف موتُه.. ما هو مات وعاش عبدالناصر!


■ ■ ■


إسمه جمال وجميل فعلاً


ياما شفنا شجعان خوّافه


عظيم.. وكان إنسان طبعاً


المجد مش شغل صحافة.. علشان ده عاش عبدالناصر


■ ■ ■


أعداؤه كرهوه ودى نعمة


مِن كرهُه أعداؤه صادق


فى قلبه كان حاضن أمَّه


ضمير وهمَّة.. ومبادئ ساكنين فى صوت عبدالناصر


■ ■ ■


ملامحنا.. رجعت بعد غياب


دلوقت بس اللى فهمناه


لا كان حرامى ولا كداب


ولا نهبها مع اللى معاه.. أنا باحكى عن عبدالناصر


■ ■ ■


عشنا الحياة ويّاه كالحلم


فلا فساد ولا رهن بلاد


يومها انتشينا ثقافة وعلم


وف زمنه ماعشناش آحاد.. كنا جموع فى زمن ناصر


■ ■ ■


كان الأمل فى خُضرِتُه بِكْر


مافيش لصوص للقوت والمال


ومصر أبطال ورجال فكر


ومثقفين ستات ورجِال


جيوش جمال عبدالناصر


■ ■ ■


كان الهلال فى قلبه صليب


ولا شفنا حزازات فى بلادنا


ولا شُفنا ديب بيطارد ديب


ولا جرَس خاصم مادنة.. وَحَّدْنا صُوت عبدالناصر


■ ■ ■


دفعنا تمن الحريّة


بدمّ مش بدينار ودولار


يوم وقفته فى «المنشيّة»


خلّى الرصاص يهرب من عار.. أعداء جمال عبدالناصر


■ ■ ■


رغم الحصار كنا أحرار


وفى الهزيمة الشعب ماجعْش


كان اسمها بلد الثوار


وقرار زعيمها مابيرجعْش.. قرار جمال عبدالناصر


■ ■ ■


خلَّى بلادُه.. أعزّ بلاد


ليها احترام فى الكون مخصوص


لا شفنا وسط رجالُه فساد


ولا خطط سمسرة ولصوص.. كان الجميع عبدالناصر


■ ■ ■


لولاه ماكنتوا اتعلمتوا


ولا بقيتوا دراكولا


ياللى انتو زعما وإنجازكو


دخّلتوا مصر الكوكاكولا.. وبتشتموا ف عبدالناصر


■ ■ ■


عمره ما جاع فى زمانه فقير


أو مالتقاش دوا للعِلّة


دلوقت لعبةْ اخطف طير


والأمة فى خِدْمةْ شِلَّة.. تكره جمال عبدالناصر


■ ■ ■


يتّريقوا على طوابيرُه


علشان فراخ الجمعية


شوفوا غيره دلوقت وخيرُه


حتى الرغيف بقى أمنيّة.. يرحم جمال عبدالناصر


■ ■ ■


فيه ناس بتنهب وتسوِّف


لا يهمّها من عاش أو مات


ورضا العدو عنّا يخِوِّف


معناه أكيد إننا قَفَوات.. من يوم مامات عبدالناصر


■ ■ ■


الأرض رجْعت للإقطاع


وقالوا: رجعت لصْحابها


وصاحبَك الفلاح تانى ضاع


ضاعْت العقود واللى كتبها.. وخط إيد عبدالناصر


■ ■ ■


أنا أذكُرك من غير ذكرى


والناس بتفتكرك بخشوع


الأمس واليوم ده وبكره


يبكوك بعظمة مش بدموع


يكفَى نقول: عبدالناصر


■ ■ ■


دلوقت رجعوا الفقرا خلاص


سكنوا جحورهم من تانى


رحل معاك زمن الإخلاص


وِجِهْ زمن غير إنسانى.. ماهوش زمن عبدالناصر


■ ■ ■


صحينا على زمن الألغاز


يحكمنا فيه أهل الأعمال


وللعدو.. صدّرنا الغاز


بفرحة وبكل استهبال.. نكاية فى عبدالناصر


■ ■ ■


بنمدها بغاز الأجيال


تحويشةِ الزمن القادم


إتوحَّشوا فْ جمع الأموال


ورجعْنا سادة.. وخوادم.. ضد اتجاه عبدالناصر


■ ■ ■


يا جمال.. نجيب زيك من فين


يا نار.. يا ثورة.. يا ندهِةْ ناى..


البوسطجى.. إللى اسمه حسين


أبوك - منين جابك؟ وإزاى.. عمل جمال عبدالناصر؟


■ ■ ■


لو حاكتبك.. ما تساع أقلام


ولا كلام غالى وأوراق


الأمر وما فيه.. أنا مشتاق


فقُلتْ امسِّى عليك وأنام نومةْ جمال عبدالناصر

هل سيهاجم أعداء عروبة مصر فى الحزب الحاكم «مبارك»؟ - حسنين كروم

25/11/2009

لا يعنينا الانحطاط المهنى والأخلاقى والسياسى لعدد من الصحفيين الجزائريين ولا بذاءاتهم ضد المصريين جرياً وراء زيادة توزيع صحفهم، أو تعبيراً عن تيار نعلم بوجوده يعتبر الجزائر حتى الآن امتداداً لفرنسا ويكره عروبتها، ويحمِّل مصر مسؤولية اجتذابها نحو المشرق العربى وقيادة تعريب التعليم ومساندة قادتها الذين آمنوا بعروبتها فى خطة التعريب،
كما لا يعنينا مجموعة البلطجية الذين هاجموا ودمروا ونهبوا شركاتنا ومكتب شركة الطيران وبيوت العاملين المصريين وإدخال الرعب فى قلوبهم، لأنهم لا يعبرون عن حوالى أربعين مليون جزائرى، ولدينا مثلهم فى مصر، على صفحات صحفنا كلما اندلعت أزمة بيننا وبين دولة عربية، ومن يستغلون أى اضطرابات لنهب وسرقة وحرق ممتلكات دولتهم وإخوانهم، وما حدث فى الانتفاضة الشعبية فى ١٩٥٨ ويناير عام ١٩٧٧ لا يزال ماثلاً فى الأذهان،
ولولا السرعة التى تدخل بها الأمن لتحولت المظاهرة التى أرادت الاتجاه لسفارة الجزائر إلى كارثة مروعة إذا شارك فيها عاطلون ولصوص، والتحول لنهب المتاجر والمنازل وتدميرها، ومع ذلك تم تحطيم واجهات محال ومحطة بنزين وإتلاف عدد كبير من سيارات الشرطة وإصابة خمسة وثلاثين ضابطاً وجندياً.
لا يعنينا هذا لأن كل شىء سينتهى وستظل العلاقة بين الشعبين والبلدين كما هى، إن لم تزدد قوة بأن تعطيها الأزمة دفعة للأمام بمناقشة مكشوفة لما داخل صدور البعض، خاصة أن الاعتداءات التى تعرض لها المصريون فى الجزائر والسودان لم يسقط فيها قتيل واحد أو حتى إصابة خطيرة، ونفس الأمر مع الاشتباكات التى حدثت فى حى المهندسين بين مصريين وجزائريين فلا جزائرى قُتل أو أصيب إصابة خطيرة،
وعلينا أن نتذكر أن الاشتباكات الدموية التى حدثت بين مصريين وكويتيين فى منطقة خيطان، وأدت لأعمال تخريب، ومثلها حدث فى ليبيا بين مصريين وليبيين، وكلها تخللتها أعمال قتل وترتبت عليها محاكمات انتهت إلى لا شىء، ومشاكل أخرى تكررت فى حى المهندسين عندنا أدت إلى مقتل أكثر من عشرة لاجئين سودانيين معظمهم من الجنوب، ومعارك فى العاصمة الخرطوم بين سودانيين ومصريين وتدخل الشرطة ضد المصريين، ومشاكل مع السعودية بسبب عقود العمل ومحاكمة مصريين بتهم مختلفة، ومشكلة مع ألمانيا بسبب مقتل مروة الشربينى أعقبتها مظاهرات واحتجاجات، ومع إسرائيل التى قتلت جنوداً وضباطاً لنا،
وجاء أولمرت رئيس وزرائها السابق واجتمع مع الرئيس مبارك فى شرم الشيخ، ومع ذلك بعنا لها الغاز بأسعار مدعومة، ولم نغلق سفارتها ونطرد رعاياها وننسحب من اتفاقية الكويز، رغم الكراهية الشعبية الكاسحة لها ورفض التطبيع معها حتى من جانب قطاعات رسمية من الدولة.
والذى أريد التنبيه إليه هو أن سياسات الدولة ومصالحها العليا وعلاقاتها الأخوية الخاصة مع دول معينة، هى العربية، أهم وأبقى من أى موجات غضب عارضة بشرط الحفاظ على كرامة مواطنينا وبشرط احترامهم أيضاً لقوانين الدولة التى يعملون فيها وهى عملية تبدأ من مصر بأن تطبق قوانينها دون استثناء على غير المصريين إذا خالفوها، فلا تترك مواطنى دول الخليج وأمريكا ودول أوروبا، وتتعسف فى تطبيقها مع مواطنى الدول العربية الفقيرة فى المطارات وداخل البلاد.
أما الذى يهمنا فهو البحث عن أخطائنا والمسؤولين عنها، وقد امتلأت الصحف بها وهى تحويل المباراة إلى معركة وطنية، بحيث أصبحت سمعة مصر وكرامتها مرتبطتين بأرجل اللاعبين، وصرف الملايين من الجنيهات لإرسال مشجعين من غير مشجعى الكرة وهم قادرون مالياً على دفع قيمة تذاكرهم، لو كانوا حقاً يرغبون فى التشجيع، ولم نرسل أعداداً من قواتنا فى ملابس مدنية لحمايتهم من بلطجية مشجعى الجزائر، وتحول كتاب وصحفيون إلى معلقين رياضيين، والمعلقون الرياضيون إلى كتاب سياسيين وقادة للرأى العام، واستعنا بأغانى الحروب الوطنية،
وناشدنا السودانيين دعمنا وطلبنا من الشعب أن يدعو: يارب.. قبل ثلاثة أيام من المباراة، فى واحد من أسوأ أعمالنا، لأن هزيمتنا تعنى أنه غير راض عنا، وكان واضحاً أن الحزب الوطنى حولها إلى معركته هو، ليكون النصر فيها له، وتوافرت لدينا الأموال لتوزيعها على اللاعبين تطييباً لخواطرهم، وهم يحصلون على الملايين سنوياً مقابل احترافهم والإعلانات، بينما المستشفيات الحكومية فى نصف المحافظات لا يوجد فى أى منها أجهزة رنين مغناطيسى وأشعة مقطعية، كما اعترف بذلك وزير الصحة للرئيس علناً منذ شهرين.
وعلى كل حال، فالرئيس أعطى إشارة واضحة لأجهزة الدولة بوقف مهزلة تحديد سياسة مصر بواسطة عدد من الهواة بقوله فى خطابه يوم السبت أمام أعضاء مجلسى الشعب والشورى: «تظل دائرة تحركنا العربى أولوية من أولويات سياستنا الخارجية.. ستبقى القضية الفلسطينية أولوية رئيسية فى تحرك سياستنا الخارجية.. أقول بعبارات لا تحتمل اللبس إن إسرائيل تقوض فرص السلام.. ارفعوا حصاركم عن غزة.. كفاكم تعنتاً ومراوغة».
ولم يتطرق إلى ما حدث بكلمة سوى عبارة قال فيها: «رعاية مواطنينا بالخارج مسؤولية الدولة، لا نقبل المساس بهم، أو التطاول عليهم، أو امتهان كرامتهم، إن كرامة المصريين من كرامة مصر، ومصر لا تتهاون مع من يسىء لكرامة أبنائها».
كما استخدم خفة ظله فى الإفلات من الذين طالبوه بالكلام الصريح، والآن نتمنى أن يثبت أنصار النظام الذين طالبوا بترك العروبة ودور مصر القيادى، أنهم أصحاب رأى وموقف بأن يهاجموا كلام مبارك ويرفضوه!! هذه أزمة ستنتهى، ولابد لساويرس والمقاولون العرب ووزارة البترول من استئناف نشاطهم بسرعة وأن يواصل أحمد عز مشروعه لإنشاء مصنع ضخم للحديد والصلب فى الجزائر، وألا نترك أرضاً كسبها الرأسماليون المصريون والقطاع العام فى أى دولة عربية، وعدم الالتفات لجهلة وثقيلى ظل يطالبون بسحب استثماراتنا من الجزائر

الارتزاق - احمد الخطيب

25/11/2009

نجح بعض من يطلقون على أنفسهم الإعلاميين الرياضيين والفنانين من ذوى تصنيف الدرجة الثانية فى إثارة أزمة مصر والجزائر، فى تقديرى الشخصى، وتصويرها على أنها أزمة قومية تستوجب قطع العلاقات وطرد واستدعاء السفراء، لدرجة أن طالب أحد هؤلاء بشن حرب عسكرية على الجزائر!
كل ذلك من أجل مباراة لكرة القدم، نجح بعض المشجعين الموتورين من الجزائر فى الاعتداء على بعض المشجعين المصريين، كان على رأسهم الفنانون محمد فؤاد وهيثم شاكر وإيهاب توفيق، والحقيقة أن هؤلاء الفنانين - جميعهم - استغلوا مباراة مصر والجزائر للارتزاق والقفز فوق فرحة الشعب بالمباراة سواء إذا كان الفوز حليف المنتخب المصرى أو الهزيمة، وهو ما حدث.
بدأ هؤلاء بموجة عارمة من تدشين الأغانى لكل واحد منهم، وظل يطوف بها على القنوات الفضائية والتليفزيون المصرى من أجل إذاعتها ليكون له من الشهرة نصيب، وسمعنا لكل الفنانين تقريباً أغانى فى حب مصر والمنتخب، فى وصلة نفاق تشمئز منها النفوس السليمة، الأمر الذى استوجب منهم استكمالاً لحالة النفاق، التى هى فى الأصل ارتزاق لدرجة أن أحدهم كتب «ماتزعليش يا مصر» وظل يتحزن فى صوته مثل السيدة التى مات زوجها، وآخر صور أغنية عن الفوز قبل المباراة وعندما خيب المنتخب ظنونه أبدلها بأغنية عن الهزيمة، وكل ما فعله أن أتى بمشاهد تكسير الأتوبيسات وبعض المشاهد التى تبادلتها القنوات الفضائية بعد المباراة وكتب عليها بعض الكلمات الحزينة.. وكله فى حب مصر!
صديقى الأستاذ أحمد طه، الإعلامى المعروف، قال لى إن الذى قام بكل هذا البكاء والعويل هم مجموعة الفنانين الذين ذهبوا إلى السودان وبالتحديد المطرب ابن منطقة عين شمس الشعبية، الذى هرب من بعض الشباب الجزائريين الفرافير، وظل يجرى من أمام شاب لا يتعدى عمره (١٩ عاماً) نفس الأمر تكرر مع آخرين وأحدهم لديه قصة طريفة، وهى أنه كان قد ذهب إلى أحد منازل الأشقاء السودانيين وظل داخل المنزل لمدة ثلاث ساعات قام على أثرها أصحاب المنزل بواجب الضيافة على أكمل وجه، وبعدما أكل وشرب الفنان الكبير الذى كانت آخر مرة سمعه فيها الجمهور يغنى منذ حوالى ١٣ سنة، اتصل بأحد المسؤولين فى مكتب وزير الإعلام وهو الصديق الأستاذ أحمد طه.
وقال له «الحقنى أنا داخل أحد المنازل فرد عليه أحمد طه: «وهل يوجد أحد من الجزائريين بالخارج؟» فقال له: «لا» فقال له: «وفين المشكلة؟.. اذهب وغادر من المطار».. فسكت الفنان الذى بدا من اتصاله بمكتب وزير الإعلام أنه كان يريد الشو والمنظرة..
هذا الشو الذى أخذ أكبر من حجمه تسبب فيه هؤلاء الفنانون لاسيما أن الجمهور الحقيقى لكرة القدم لو كان قد ذهب إلى السودان لمؤازرة المنتخب وحدث له ما حدث لهؤلاء المطربين الفاشلين، لكانوا قد خطفوا جمهور الجزائر وأتوا بهم إلى القاهرة، ولكن الذى حدث أن معظم الذين ذهبوا لتشجيع المنتخب ليسوا من جمهور الكرة الحقيقى وهو جمهور الدرجة الثالثة المعروف.
نفس الأمر حدث مع من يطلقون على أنفسهم إعلاميين، الذين كان بعضهم فى السابق لاعبين فشلة أحدهم لم يلعب فى حياته سوى مباراة واحدة وبالمناسبة كانت أمام فريق جزائرى، وطوال أيامه فى الملاعب كان يقضيها فى الملاهى والمراقص، هذا الذى أصبح إعلامياً كما يقول عن نفسه نصَّب نفسه مدافعاً عن مصر وفتح برنامجه على البحرى ليمارس هواية «الردح»، ويعتبر نفسه مؤثراً رغم أنه حاصل على مؤهل متوسط وآخر ينسب لنفسه الدكتوراه، وهو لا يستطيع أن يتكلم ثلاث كلمات باللغة العربية. أحد هؤلاء ظل يبكى فى برنامجه فى وصلة نفاق مفتعلة لمجرد أن السيد علاء مبارك تحدث عن مشاعره معه عن المباراة.
وبين هؤلاء وما حدث فى الجزائر نسى البعض أن يسأل: لماذا خسر المنتخب من فريق ضعيف يعيش أسوأ حالاته..؟

العداء الجزائرى لمصر - د.خالد عزب

المصري اليوم - 23/11/2009

آراء صاخبة وحالة غير طبيعية سادت العلاقات المصرية الجزائرية، مقالات كُتبت وصفحات سُطرت، لكن هذه العلاقات فى ظل أجواء معادية لمصر فى الجزائر فى حاجة ماسة إلى أن نراجع أنفسنا مرات ومرات. فى واقع الأمر أن الحلم الجزائرى بالاستقلال ارتبط بمصر وبالمشروع القومى العربى، الذى اهتز أول مرة مع هزيمة ١٩٦٧، واهتز مرة أخرى مع مبادرة الرئيس السادات للسلام سنة ١٩٧٧،
ونشأت جبهة الصمود التى كانت الجزائر إحدى ركائزها، فشن الإعلام الجزائرى حملات متتالية ضد مصر، جعلت يقين الجزائريين بمصر مهزوزا تشوبه حالة من الاندهاش تارة وتارة أخرى حالة من العداء، فهذه الدولة الرائدة عربيا، التى كانت رمزا للصمود، صارت رمزا للاستسلام من وجهة نظرهم، وبنى على هذا لسنوات طويلة، فضلا عن أن مصر عبدالناصر غير مصر مبارك، فالأولى كانت تسعى للتدخل المباشر فى شؤون الدول، والثانية تسعى لاحترام سيادة الدول ومصالحها.
لكن مع عودة العلاقات المصرية الجزائرية فى عهد الرئيس مبارك، لم تبذل مصر مساعى كافية لإعادة بناء صورة مصر لدى الجزائريين، وتحولت الملاعب الرياضية لساحة للتعبير عن السخط الجزائرى على مصر، فكأن الرياضة تعكس صورة مصر لدى الجزائريين، ولم يدرك الجزائريون إلى الآن أن مصر- الدولة والشعب- أصبحت لديها رؤية واقعية، وأن السلام مع إسرائيل هو جزء من التعامل مع المعطيات السياسية، ومصر لم تتخل ولن تتخلى عن مشروعها الوحدوى العربى وعن هويتها العربية.
تكمن المشكلة فى نظام بدا أنه فى حاجة ماسة الآن إلى التغيير الجذرى، وهو المستشار الثقافى الذى يتبع وزارة التعليم العالى ويختار من أساتذة الجامعات، دوره يركز على رئاسة البعثة التعليمية، وهى وظيفة محدودة إذ هى إدارية بحتة، فى حين أن المستشار الثقافى والمركز الثقافى المصرى فى أى بلد هو الأداة التى يجب أن تعمل على التعامل مع المجتمع الجزائرى وغيره، لتقديم صورة مصر المعاصرة، والحد من الحالة العدائية لمصر فى الجزائر، وبناء أصدقاء جدد لمصر فى الأجيال الشابة فى الجزائر، بل إن الكتاب المصرى غير متوافر فى الجزائر إلا فى فترة معرض الكتاب،
حتى زيارات المثقفين المصريين للجزائر محدودة، يجب أن يتولى المركز الثقافى المصرى فى الجزائر مثقف يستطيع أن يتحرك فى الساحة الجزائرية فى كل المدن، يتواصل مع الجميع، يساعد السفير المصرى فى أداء دوره ويتكامل معه، كما أن رجال الأعمال المصريين الذين يستثمرون فى هذا البلد عليهم أن يساهموا فى دعم أنشطة هذا المركز.
على الطرف الآخر لم يبذل الجزائريون جهدا لتحسين صورة الجزائر فى مصر، فعلى الرغم من سياسات الرئيس مبارك التى اتسمت بالترحاب بالجزائريين، فإن الثقافة الجزائرية، بل الوجود الجزائرى فى مصر محدود، فصارت صورة الجزائر فى مصر هى مباريات كرة قدم يشارك فيها فريقان فصار الأمر وكأنه نزاع حربى، فى حين أن علماء الجزائر ومفكريها وأدباءها- ماعدا القليل منهم- غير معروفين فى مصر، وقد حاولت مرارا دعوة بعضهم للتواصل مع مصر، إلا أن فرنسا كانت هى المحطة المفضلة لعدد كبير منهم،
لذا بات الجانبان المصرى والجزائرى فى حاجة ماسة لإعادة بناء صورة الآخر لدى الطرف الآخر، مَنْ مِنْ شباب مصر يعرف الجزائر ومعالمها وشوارعها وطبائع أهلها، كل شباب مصر لا يعرف من الجزائر سوى كرة القدم، فهل يعقل أن دولة بحجم الجزائر لا تستطيع أن تقدم فيلما أو أفلاماً تسجيلية تشرح الجزائر الدولة والشعب للمصريين؟ أين الكتاب الجزائرى فى مصر؟ ليس له حضور سوى فى معرض الكتاب بصورة محدودة جدا، لذا اختزلت الجزائر فى مصر فى مباراة كرة قدم.

الهزيمة ليست كروية - رامي ابراهيم

المصري اليوم - 23/11/2009

لست مع الذين يقللون من أهمية النتيجة التى انتهى إليها اللقاء الفاصل فى أم درمان بين منتخبى مصر والجزائر، رغم قوة حجتهم بأن الهزيمة الكروية فى مباراة لا تستحق كل هذه المشاعر السلبية من الإحباط والمرارة التى ملأت نفوس جموع المصريين.
غير أن أصحاب ذلك الرأى يتجاهلون أن إحساس المهانة لدى المواطنين لا يرجع أبداً إلى مجرد خسارة ١٤ لاعبا فى مباراة، أو لتعرض بضعة آلاف من المشجعين لاعتداءات همجية بعدها، وإنما ليقينهم بأن مكانة وطنهم تراجعت فى إقليمه، وأن الفساد وانعدام الكفاءة قد حاصراه وسحبا من رصيده التاريخى الذى راكمته أجيال سابقة، حتى وصلت الدولة الأقدم فى التاريخ إلى درجة من العجز لم تعرفها من قبل.
لم يجد المصريون ما يباهون به الجزائريين إلا مساندة ثورة التحرير العظيمة (١٩٥٤ – ١٩٦٢) وكأنهم يطلبون غض الطرف عن الأربعين عاما الأخيرة، معترفين بأن سجل السياسة الخارجية المصرية خلالها لا يحوى سطورا كثيرة تدعو للفخار، ولم يعثروا على أسماء كثيرة لمصريين يحظون بالتقدير لدى الأمة العربية كلها يمكن الاعتماد عليهم فى تخفيف حدة الاحتقان عند جماهير الجزائر التى ضللتها آلة إعلامية موتورة، وكأن «خزان المواهب» الذى امتازت به مصر دوما قد نضب، ففقدت «قوتها الناعمة» نتيجة أوضاعها البائسة التى حرمتها من الدعاة الدينيين محل الثقة ونجوم الفن موضع الحب ورموز الثقافة ذوى الثقل فضلاً عن قادة السياسة أصحاب المصداقية.
تصدر المشهد الإعلامى فى مصر لستة أسابيع متتالية نفر من لاعبى الكرة السابقين الذين جمعوا إلى محدودية الثقافة وقلة الوعى انعدام المسؤولية، فراحوا يقدمون أسوأ صورة لبلدهم الذى نصّبوا أنفسهم دون حق متحدثين باسمه، وانطلق كل منهم يبث الكراهية ضد شعب عربى مستخدما ألفاظا يقع بعضها تحت طائلة قانون العقوبات، وتنافسوا على الجنوح نحو كل ما هو سوقى وردىء، وتجرأ أحدهم على التشكيك فى وطنية كل العقلاء الذين حذروا من مغبة تلك الحماقات ساخرا من مبادراتهم للتهدئة، دون سند لمقولاته المتهافتة إلا وجود تجاوزات مماثلة يمارسها أشباهه من الناحية الأخرى.
وحين حدثت الفتنة التى كان هؤلاء أحد أسبابها تبجحوا بمقولة «ألم نقل لكم منذ البداية؟»، ليواصلوا حملتهم المجنونة، مستندين هذه المرة إلى إشادة تلقوها على الهواء مباشرة طمأنتهم إلى أنه من غير الوارد إخضاعهم للمحاسبة (ومعهم وقبلهم عدد من الصحفيين الجزائريين)، وأن النار التى أشعلوها وكادت تؤدى إلى كارثة فى القاهرة ثم فى الخرطوم هى محل تقدير!
لم يخسر لاعبو المنتخب ومدربهم وحدهم مباراة فى كرة القدم، وإنما خسرنا جميعا حين صدقنا «إعلام الفتنة» فرضينا بتحويل نتيجة ٩٠ دقيقة من اللعب إلى معيار لكرامة الوطن، ثم نظرنا بعين واحدة إلى تصرفات الجماهير فسمحنا بتجاوزات وبحثنا عن مبررات وقبلنا أكاذيب فى القاهرة، بينما رفعنا صوتنا منددين فى الخرطوم.
إن ارتباك السياسة الإعلامية هو الوجه المقابل لإخفاق السياسة الخارجية وانحسار التأثير الثقافى، فلا يمكن لواقع بائس أن يعكس نفسه فى مرآة الإعلام صورة زاهية.
ومن المؤسف أننا لا نعرف حتى الآن على وجه دقيق اسم المسؤول عن سوء إدارة «موقعة أم درمان»، وستظل أسئلة كثيرة مطروحة دون إجابات مثل: لماذا كان الجمهور المصرى قلة فى استاد المريخ مقارنة بجماهير الجزائر؟ ولماذا لم ينتبه أحد إلى خطورة الوضع قبل المباراة حين احتشد عدة آلاف من الميليشيات المنظمة فى خيام على أطراف الخرطوم؟ ولماذا لم يحذر أحد من تدافع مشجعى الجزائر لشراء أسلحة بيضاء؟ ومن الذى أبعد جماهير كرة القدم الحقيقيين عن السفر إلى السودان لحساب جمهور آخر غير مناسب؟
والأكثر مدعاة للأسف أن البعض أراد أن يجعل من المنتخب ترساً فى ماكينة التوريث، لكنه تقاعس فى الوقت نفسه عن توفير الظروف المناسبة لتحقيق النصر الكروى الذى أراده، لنتأكد من جديد أن انعدام الكفاءة سمة عامة لدى كل الأطراف فى النظام السياسى الحالى.
لكل هذه الأسباب أجدنى متعاطفا بشدة مع الغضب الشعبى الجارف من نتيجة المباراة حتى لو انحرف عن هدفه الحقيقى، متفائلا بأن الأيام ستعيد ترشيد هذا الغضب وتحيله إلى طاقة لإصلاح الأوضاع الداخلية فى مصر، شريطة أن يبدأ على الفور نقاش واسع فى المجتمع من أجل فهم ما حدث والاستفادة من دروسه.

الأربعاء، 25 نوفمبر 2009

مصائر الشعوب ليست تحت أقدام لاعبى الكرة - د.طارق عباس

21/11/2009
فى الأيام الأخيرة، حدث شحن معنوى للشعبين المصرى والجزائرى، بسبب الساحرة المستديرة كرة القدم، وتحول هذا الشحن لصراع، يحمل فيه كل طرف المسؤولية عن التصعيد غير المبرر على الطرف الآخر، وبين الفعل الغاضب ورد الفعل الأكثر غضبًا تحولت المباريات الكروية الرياضية بين الطرفين إلى شبه معارك إرهابية استعملت فيها كل الوسائل الممكنة لتحقيق نصر كاذب فى معركة مزيفة.وبلا مبرر تعرضت المصالح المصرية فى الجزائر لاعتداءات نتجت عنها خسائر بالملايين وبلا مبرر، راحت بعض وسائل الإعلام تنفخ فى أبواق الفرقة بين الشعبين، وجمعهما على لغة الكرة بدلاً من اللغة العربية، ودين التعصب بدلاً من دين الإسلام، وشعارات الفرقة بدلاً من تعميق ثقافة الاتحاد فى مواجهة عدو واحد اسمه الكيان الإسرائيلى، عدو للعرب جميعًا، ومتربص بهم، ومستفيد من إغراقهم فى متاهة التفاهة والبلاهة لشغلهم عن القضايا المصيرية بقضايا ظاهرها ممتع، وباطنها سموم قاتلة، وبلا مبرر نسيت الجماهير حالها ومالها وأنفقت ما فى وسعها وغير وسعها من مال وعرق ودم ووقت وجهد وأعصاب، فى سبيل شراء الأعلام والتجمهر على المقاهى وتوقع النتائج والبحث عن تذاكر فى السوق السوداء، للذهاب إلى استاد القاهرة واستاد المريخ بأم درمان ومشاهدة القنوات الفضائية...إلخ، وقد هالتنى هذه الحمية الكاذبة التى أصابت الجماهير العربية، خاصة جماهير الشعبين الجزائرى والمصرى، حمية فى غير موقعها، تكشف عورات كان لا يصح أن يراها العالم فينا، فهل يعقل أن نلتف حول لعبة كرة القدم، ونترك لعبة السياسة لمن يمارسونها فى الخفاء، ويديرونها لصالحهم؟ لمصلحة من ترتفع الكرة إلى قمة الأولويات وتهبط العقول تحت الأقدام؟ لماذا لا تعبر إسرائيل عن نفسها كما نعبر؟ ولماذا لا يخرج شعبها بعد الفوز فى أى مباراة ليطبل ويزمر ويرسم على وجهه، ويقفز فوق السيارات ويدغدغها مثلما نفعل نحن العرب؟ ومن المسؤول عن هذه الروح العدائية التى نبتت فى غياب متعمد لروح التضامن العربى والأخلاق العربية؟صدارة الأولويات الكاذبة تكفى لخلق ردود أفعال غير متوازنة، وتضخيم ما ليس له قيمة، يساوى تحقير كل ما له قيمة، ويبدو أن الأمر كما عبر عنه الإعلامى الكبير الأستاذ فاروق سليمان، فى إحدى الندوات تعليقًا على مشاهد العنف التى صاحبت مباريات مصر والجزائر إذ قال:(عندما يغيب المشروع القومى لشعب يخلق لنفسه مشروعًا، وفى زمن الإفلاس الفكرى والسياسى والاقتصادى، يطفو على السطح، كل ما هو ثانوى، وتتوارى المشاريع الجادة وربما تختفى خلف مشاريع بلا قيمة، وتصبح نتيجة ساعة ونصف الساعة فى عمر مباراة كرة قدم أولى بالعناية والاهتمام ودعم رجال الأعمال من أى مشاريع تنموية أخرى، فلا غرابة إذن فى أن يجتمع العرب على الفن والغناء وأخبار الراقصات ونجوم الكرة وفاتنات القنوات المتخصصة بينما يختلفون فى كل شىء آخر، لا غرابة فى أن تتحول هيستيريا الانفعالات إلى قواعد تنطلق منها الأفعال وردود الأفعال. عندما أقدم الرئيس السادات- رحمه الله- على عقد معاهدة «كامب ديفيد» قطعت معظم الدول العربية علاقاتها مع مصر، وشنت عليها حربًا إعلامية شرسة، وكنت وقتها واحدًا من الإعلاميين المعارين لإحدى هذه الدول المعادية للمعاهدة بوصفى مذيعًا وقارئًا لنشرة الأخبار، وبحكم طبيعة عملى، طلب منى ومن زملائى المصريين الهجوم على مصر ورئيسها أنور السادات، من خلال نشرات الأخبار والتعليقات المسيئة لبلدنا ووقعنا بين مطرقة حب جمع المال وسندان الغيرة على الوطن وزعيمه، ولخطورة الأمر ونيابة عن أصدقائى الإعلاميين توجهت إلى القاهرة لعرض الأمر على رئيس التليفزيون وقتها، السيدة همت مصطفى، وأوضحت لها طبيعة المأزق الذى نحن فيه، فإما أن نقرأ ما يسىء لمصر وهو ما يتناقض مع وطنيتنا وإرثنا القيمى، وإما أن يصدر قرار فورى بإلغاء إعارتنا وعودتنا بسلام إلى أرض الوطن، وأمام إحساس همت مصطفى بالمسؤولية رفعت الأمر مباشرة إلى الرئيس السادات لاتخاذ ما يراه مناسبًا، وكانت المفاجأة المذهلة فى رد السادات، حيث أبلغنا حرفيًا بأنه لا حساب مطلقًا على من يقرأ ما يقدم له من أخبار، لأنه يعمل لدى الدولة التى يقرأ الأخبار لحسابها، وأن العلاقات العربية سوف تعود، وستكون أقوى مما كانت عليه، فمصائر الشعوب لا تقف عند خلافات الحكام) وما حكاه الإعلامى فاروق سليمان، دليل على أن المواطن المصرى كان عنده مشروع، وأن الرئيس السادات كان عنده هو الآخر مشروع أهم لبناء مصر، وبالتالى فليس فى حاجة لشغل الناس بالتفاهات، ليس فى حاجة لتدمير الداخل، حرصًا على الخارج.لقد انتهت المباراة الأخيرة بين مصر والجزائر بهزيمة مصر وخروجها من المشاركة فى كأس العالم فى جنوب أفريقيا عام ٢٠١٠، ولا عيب فى ذلك لأن الكرة منتصر ومهزوم، ولاعبو الكرة معنيون بإسعاد الناس والتسلية عنهم، وليس تدمير معنوياتهم وإرهابهم وترويعهم، مثلما حدث مع المصريين العائدين بعد المباراة الأخيرة، والعيب كل العيب أن تتكرر هذه العصبية البغيضة بسبب الإعلام غير المسؤول، حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه، فهذه المرة سلمت الجرة، ومن يدرى ما قد يحدث لو تكررت مثل هذه الأجواء فى مباريات أخرى؟ الحمد لله أن المعركة أقصد المباراة قد انتهت، والحمد لله على سلامة المصريين العائدين، ولا يصح أبدًا لكائن مهما كان ولأى سبب أن يرهن سلامة الشعوب ومصائرهم، تحت أقدام لاعبى الكرة.