الثلاثاء، 20 ديسمبر 2011

بيان من حازم صلاح ابو إسماعيل

إن الفاجعة الجلل التي تمر بها البلد الآن وشرف الصدق والحق والأمانة على الأهل والرحم و العشيرة على نحو لا يصح أن ينال من وجوبه حرص على دنس المصالح الخاصة .. كل هذا يدفع إلى أن أقول اليوم وبكل وضوح ما يلي :-



1 - هذا الذي يجري هو بالضبط طبيعة ما يؤدي إليه حكمٌ عسكري لبلد من البلاد ولو لفترة مؤقتة .. قاعدة لا تتخلف أبدًا .. هذا هو الحكم العسكري ، وهذا هو ما يفعله دائمًا كلما استمر .

2 - كل من موجتي الأحداث الدموية سواء 18 نوفمبر أو 17 ديسمبر قد بدأت من الجانب العسكري وليس الشعبي ، وكلاهما بدأ من لحظة كانت بالغة الهدوء على الأرض وليس فيها اضطرار لتهييج ، ومع ذلك وقع التصرف من السلطة العسكرية فأدى ذلك إلى الهياج الحارق .. ففي كلا الحالتين الفعل فعل السلطة ، كلما جاء قدر من الهدوء إذا به يشعل الأمور من جديد ، كما أنه أثبت الفشل الكامل وانهيار الكفاءة في إدارة الأمور ، وعدم الصلاحية بالمرة لتولي هذه الإدارة .. لدرجة أنه صار المسموع باضطراد بالغ في المجتمع والوجدان العام أن جهة السلطة هي من أشعلت الحرائق في المباني والمنشآت .. على نحو بلغ درجة مدهشة في الاستقرار في الوجدان والشعور العام .



3 - كانت أيدي المجلس العسكري قد علق بها دماء مصريين في أحداث 18 نوفمبر أما في أحداث 17 ديسمبر فقد صار المعلق برقاب المجلس العسكري وأيديهم أعراض النساء في بلادنا ودماء وأرواح جديدة ، ولا متسع لدى رجولة رجل أن تمس أعراض النساء و على هذا النحو العلني وهو بارد لا يستشعر أزمة .



4 - الآن أهتف بقومي أجمعين أن المقطوع به هو أن هناك منا مَن إذا المجلس العسكري كان على يقين أنه لن يقبل بحال هتك الأعراض ولا إزهاق الأرواح لما أقدم على ذلك ولا لطرفة عين واحدة ، فسكوتهم هو قطعًا إفساح لهذه الجرائم ويلزمهم الحسم فورًا وأنبه أنه حتى من استسهل البعض تسميتهم بلطجية كمخرج من لزوم الواجب الشرعي والوطني لإغاثة المظلوم ؛ فإنه حتي البلطجة نفسها ليست إذنا شرعيا ولا قانونيا لهتك عرض البلطجي أو قتله وإنما هناك شرع وهناك قانون ، أي أن البلطجي حتي لو ثبت أنه بلطجي فليس مؤدي ذلك أن يحل هتك عرضه ولا تعريته ولا قتله فهيا نفيء إلي ثوابتنا وتقوانا يرحمكم الله ، ونحن لم نر حتى لقاءات بالسلطة ( كالتي كنا نراها عند مطروحات أخري ) إغاثة للمعتدى على أرواحهم وأعراضهم.



5 – كل وطني ظل يقول للمجلس العسكري أحسنت بمقولة أنه كان جيدا في تسييره للخطوات هو اليوم مطالب بالمسؤولية أن وصلت هذه الخطوات إلي هذه الدرجة ، فإن المجلس العسكري لم يعمل إلا تحت مظلة " أحسنت " هذه .. فاليوم هو مطالب بوقفة أيما وقفة وليس مجرد بيان كلامي أو غيره .. يصد فيها الاستباحة للأعراض والأرواح خاصة، وكل هجمة تعصف بأعدادٍ بالمئات قتلا وجرحاً وفقءاً للعيون .. إلخ ، وفي كل مرة دون ظهور أي نتائج تحقيق أو أسماء متهمين إلا من يكشفهم أفراد الشعب نفسه فلا يساءل غير من تم كشفهم تحت تأثير الإحراج ليس أكثر .. ولم يعد هناك متسع ولا دقيقة واحدة لتأخر مثل هذه الوقفة.



6 – من قبل كان خلافنا مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة دون عموم الجيش وكان سياسيا وأمنيا وحقوقيا .. أما الآن فلقد صرنا في اللحظات الحرجة الحاسمة التي نخشى فيها تحول الخلاف إلى خلاف مع الجيش نفسه ، إذ مارس نفر من أفراده وعلانية هذه النوعية الفادحة من فجور الممارسات المشينة ضد الأعراض وضد الأرواح والدماء وضد الحقوق وتكررت وهذا يُعد أمراً خطيرا جدا يُنذر بما يجب أن نتجنبه كل التجنب من المواجهة داخل الوطن بين الشعب والجيش في تطور تُغذيه هذه الممارسات بكل انحرافها وغدرها وفجورها ويجب على الكل أن يدرك هذا قبل وصول الأمور إلى هذا الحد الذي لا يقبله أي أحد.



7 – غير مقبول بالمرة أن يُقال ولكن المعتصمين ظلوا يفعلون كذا وكذا فكيف كان يمكن مواجهة كل هذا منهم : وذلك لأن إنهاء هذا كله كان ميسوراً جداً وكان بيد السلطة وبمنتهي السهولة لو أنه – مثلا – جرى استدعاء منصور العيسوي لسؤاله من الذي أمر بإطلاق النار والأسلحة الأخرى في أحداث 18 نوفمبر ولو أنه – مثلا – جرى تحديد أسماء الأفراد النظاميين الذين أطلقوا النار وأنه مثلا .. أو .. أو .. إلخ – تحقيق عادل حقيقي مستقيم ... أما أن يمر شهر كامل بعد 18 نوفمبر و غاية البرود تنتظم التحقيقات فلا يمكن أن يكون المخرج الوحيد هو أن نطلب من المعتصمين أن عليهم أن يلعقوا الدماء التي أريقت لتهدأ الأمور وخلاص ... إننا جميعا وبكل قوة ندعو إلى الهدوء ومن كل أعماقنا ولكن بناءا على العدالة والاستقامة لا بناءا على القهر وقبوله لعق الدماء والأرواح المزهقة .. فالسعي المطلوب هو مع السلطة لا مع المتوجعين من المظالم .. حرام .







8 – دعوا عنكم تماما كل من يدعو إلي المرور ببرود على ما أزهق من أرواح ودماء وأعراض فهؤلاء هم أنفسهم من إذا كنا سمعنا لهم كانوا لا يمانعون من أجل عودة الهدوء من ترك حسني مبارك وفصيله حتى "يستقر الوطن وتدور عجلة الإنتاج" . أخلاق العبيد لا وزن لها مطلقا اليوم ، فعجلة الإنتاج إنما تدور لصالح أبناء الوطن وليست عجلة تمثل مفرمة لأرواح أبناء الوطن وأعراضهم فشرط العدل هو الكلمة السواء وعلى الذين يسكتون ثم يصمتون ثم يخرصون ثم يموتون أن يفيقوا إلى ما آل إليه أمرهم بين الهدى أو إثم القلوب بإغلاقها على هذا الصمت والسكوت عن الحق ، وليس منا من يقبل أن يكون شيطاناً أخرس والأسابيع الثلاثة القادمة يبدو أنه معد لها من المزيد ما لا يعلم مداه إلا الله وحده.



9- وإلى الذين تحركوا كل التحرك، كل التحرك، كل التحرك، وأنكروا على من أسرع إلى إغاثة المظلوم في أحداث 19 نوفمبر أقول سبحان الله هاهي الأيام دارت من جديد ووقعت الأحداث من جديد 17 ديسمبر وأوغل في الدماء من أوغل وهتك الأعراض من هتك وهاهو لم يسبقكم أحد بشيء تكرهونه فيرحمكم الله هلموا تحركوا نفس التحرك الذي تحركتموه من قبل . لقد مر حتى الآن أربعة أيام قاسية فهلموا يرحكم الله .. فقطعا ليس المطلوب أن نشترك جميعا في صمت رغم كل شيء .. الطريق فسيحة فابدءوا فإنا نريد أن نكون لكم تبعا في الحق و الكفاءة و الشرف .. فهلموا يرحمكم الله لا إلى كلام وإنما إلى فعل ناجح لا ننجوا من المسؤولية إلا به



10 – إن نبتة الحديث عن وقائع يدعون وقوعها من اعتداءات عساكر وضباط على قضاة في الانتخابات البرلمانية نبتة بالغة الخطر – لو صحت – على ما بقي من مراحل الانتخابات البرلمانية . فما لم نقف اليوم في وجه المظالم فإنها قد تمتد حتى تحرق كل شيء فلا نتخدر حتى تفلت مصلحة البلاد كلها. لا تسكتونا لنشترك في السكوت جميعا فنفسح لضياع كل شيء واقدروا الأمر حق قدره . وكما لم نسكت من قبل والحمد لله فلن نسكت ولو لم يبقى إلا فرداً بمفرده إعذارا لله ولن نسبق أحدا لتظل الفرصة قائمة لأهل الصدق.



11 – أقول لكل الناس في بلدي إستعدوا جدا فإن كل ساعة تمر الآن أصبحت تشهد بأن سياسة السلطة تسير إلى مواجهة إما أن يحيا الشعب فيها أو يموت .. إما أن يستمر التمكين الدستوري للشعب أو يتوه. لن نحيا عبيدا لغير الله ، لن نحيا إلا كراما. وسنظل بكل جهدنا نسعى لمنع هذه المواجهات والتي يخطط اللئام لها حفظا لوطننا من الفتن. إن يقظتنا لازمة.



12 – إلى الذين صاروا يسكتون الآن بعد كثير كلام أو صار كل حديثهم عن منافذ ما تفتحها الأحداث أو تنتجها . الميدان اليوم ميدان فعل وليس ميدان قول فمذهب التعليق على الأحداث هو دور غيرنا وليس له منا اليوم على الميزان أي وزن وتلك لحظة اختيار كبير ونحن نتطلع منكم للفعل النزيه لا لمطلق القول ، وثانيا لا متسع لطرح قضايا بديلة ، إحفظوا القضية هي القضية كما هي لا نشتُت ولا نشعُب و لا نفرُع ... إخلاصاً واستقامةً وحفظاً للوطن

.وهذا البيان سيتبعه قريباً بيان آخر يوضح الخطوات العملية للحراك المطلوب

- يارب إليك أنت وحدك ألجأ وأضرع وأستغيث

- رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي

- لو أن لي بكم قوة أو آوي إلي ركن شديد

- وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي



محمد حازم صلاح أبو إسماعيل

2011-12-19

الليبرالية التي "حكمت" مصر!

خلال الانتخابات البرلمانية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي جرى في مصر تكفير الديمقراطيين على أساس أن الديمقراطية كفر و خروج على دين الله وإعلاء لكلمة البشر على حساب شرع الله، ثم فهم الناس الديمقراطية وعرفوا أنها ليست نظاما مثاليا لكنها أحسن الأنظمة الموجودة حتى الآن، كما أيقنوا أنها لا تنافي شرع الله.



اليوم يهاجم البعض الليبرالية دون فهم كامل لها، وارى أن هذا الهجوم يستغل في تحقيق مآرب سياسية دون وضع تقييم كامل للمرحلة الماضية من حكم مصر، فيقال مثلا أننا حُكمنا 60 عاما بالليبرالية و العلمانية وماذا جنينا؟ دعونا نجرب حكم الشريعة! وأنا لا اتفق مع هذا الطرح وارى أن به كثيرا من الزور و البهتان!



فالليبرالية تعني الحرية الشخصية التي لا تضر بالغير، مع احترام شؤون الأقليات وضمان حقوقها، وتعني أن الدولة "عمياء" لا ترى جنس المواطن أو لونه أو دينه حينما تخدمه أو تحاسبه..وهي مبادئ إسلامية بامتياز، ولا تعني حرية التعري و الجنس و السكر كما يصور البعض.



أما بالنسبة للحكم فإن معضلة أي حكم ليبرالي أو علماني أو إسلامي هي إيجاد آلية محاسبة الحاكم و عزله إن لزم الأمر، وضمان تداول السلطة، وهو ما غاب عن مصر الفترة الماضية. والعلمانية التي حكمت مصر كما يقول د/معتز بالله عبد الفتاح هي علمانية "دينية" أو "عربية" تستخدم الدين وقتما تريد لإنفاذ إرادة الحاكم وضمان بقائه و نسله في الحكم كما يعرف الجميع.



والمشكلة الكبرى – في رأيي – أننا كمجتمع نفتقد عموما الأسلوب العلمي في التفكير، فالمنطقي انك إذا أردت أن تفهم ماهية العلمانية أو الليبرالية أو الديمقراطية أن تسأل متخصصا في العلوم السياسية لا أن تستقي معلوماتك وتبني أحكامك على رأي داعية أو واعظ ديني غير ملم بالسياسة. وافتقاد البوصلة هذا أضاع على المصريين الكثير من النفع و الخير، على سبيل المثال لا الحصر قانون نقل الأعضاء المعطل في مصر لعقود بسبب رأي المتدينين فيه رغم أهميته القصوى، والذي إن طبق ساوى بين الفقراء والأغنياء وقضى على الاتجار بالأعضاء البشرية وأنقذ حياة الآلاف، ومن العجب أن دولة سلفية كالسعودية أقرته منذ سنوات!

الأحد، 18 ديسمبر 2011

دكتور محمد علي يوسف يكتب : أفهكذا يكونُ الخلاف؟

مندهش جدا مما وصل إليه حال بعض إخوانى!
أشعر أن هناك ثوابت أخلاقية اهتزت فى نفوس كثير منهم، بل أشعر أن بديهيات إسلامية و مشاعر فطرية إنسانية صارت غائبة عن المشهد فى كتابات و تعليقات البعض، هل صار الخلاف فى الرأى مبررا مكافيا للرضا بالقتل أو انتهاك الحرمات و تعرية الفتيات؟


ذهلت حينما قرأت اليوم و البارحة تعليقات بعض الشباب على صفحتى و فى بعض المداخلات الهاتفية بخصوص المشاهد الأخيرة لأحداث مجلس الوزراء، بعضهم كتب تعليقات من نوعية " يستاهلوا " " خلى الجيش يخلص عليهم " " هما لو محترمين ما كانوش راحوا " " هما اللى جابوه لنفسهم " إلى آخر تلك التعليقات التى تطور بعضها إلى السب و اللعن بل و أكثر من ذلك إلى قذف للمحصنات..نعم و الله! بعضهم رمى عرض الفتيات و النساء اللتى هناك حتى أن أخا اتهمنى بالدفاع عن العاهرات و الداعرات، فكل من هناك فى نظره يحملن تلك الصفة. طبعا هذا بخلاف اتهام النيات و اساءة الظن و التعميم المعتاد فى كل ما سبق من الصفات.


و الحقيقة أننى لا أستطيع أن أعبر عن كم الحزن و الضيق الذى يخيم على قلبى بسبب هذه المشاعر السلبية و الكلمات التى أقل وصف لها أنها قاسية، التى صارت علامة على حال كثير من الإخوة عند الخلاف، حزنا و ضيقا لعله أشد من حزنى و ألمى على فضيلة الشيخ عماد رحمه الله و باقى الضحايا، ببساطة لأن هؤلاء كما أحسبهم أحياء عند ربهم يرزقون لكن من مات قلبه و انطمست بصيرته فهو أحق بالحزن و الشفقة، من قسى قلبه لدرجة أنه صار يستحل دم من خالفهم فى الرأى أو حتى رآهم مخطئين أو على معصية. 
لو افترضنا أن المعتصمين أخطأوا أو حتى أجرموا هل هذا مبرر أن نشمت فيما حل بهم؟ أن نتشفى فى آلامهم، أن تسعدنا آهاتهم، أن تسرنا دماؤهم؟!


قلت من قبل أننى مختلف مع المعتصمين فى بعض الجوانب من حيث توقيت التصعيد و أسلوبه، لكن خلافى معهم لن ينسينى أبدا أنهم بشر و ليسوا كلابا ضالة ليسحلوا بهذا الشكل غير الآدمي! خلافى معهم لا ينسينى أن بينهم نساءا لا يمكن أن يفعل بهن ذلك فى بلد مسلم فيه رجال عندهم من النخوة و الشهامة و المروءة ما تعلموه من نبيهم صلى الله عليه و سلم حينما أقام حربا لأجل شىء أهون بكثير مما فعل بتلك الفتيات!!
أعلم أن هناك استفزازا شديدا من بعض المتظاهرين و أن هناك من يحاول إشعال الموقف، لكن صور الجنود و هم يتفانون فى السحل و الضرب حتى أن أحدهم يتقافز فوق بطن متظاهر لا يمكن أن تفارق ذهنى و لا يمكننى أن أقبلها بحال من الأحوال.



أصر أن هناك ألف حل بخلاف الحل العنيف، و أصر أن العنف لن يولد إلا مزيد عنف، و أشد عنف ألمسه الآن و لعله العنف الأخطر من بيادة العسكرى التى هوت على بطن المتظاهر هو العنف القلبى! العنف الذى جعل مسلما أو مسلمة يتمنى أن يحترق أخوه و يكشف لحم أخته لمجرد أنه يختلف معه فى الرأى أو الأيديولوجية!
أفهم أن يغضبوا لأن هناك فوضى و أفهم أن يتخوفوا على مسار عملية تسليم السلطة و أفهم أن يتحفظوا على بعض الممارسات، لكن كل ذلك الغضب و التخوف و التحفظ لا ينبغى أبدا أن يحجب رؤيتهم العادلة المقسطة للأمور و يدفهم لقبول ذل و إهانة قامت ثورة من أعظم ثورات التاريخ لتنهيه!



لا أجد ما أنصح به إخوانى هؤلاء إلا قول ربى جل و علا
{ وَلاَ يَجرِمنَكُم شَنَئَان قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعدِلُوا اعدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَقوى واتَقوا الله إِنَ الله خبِير بِما تَعْملُون }

قتلة المشايخ - عبد الرحمن يوسف

أى شرعية وأى هيبة يمكن أن نتحدث عنها الآن بعد أن سقط برصاص القوات المسلحة المصرية علماء الأزهر صرعى فى اعتصام سلمى؟
إن من ورّط القوات المسلحة فى هذا العار ينبغى ألا يترك فى موقعه لحظة واحدة بعد اليوم.

إن قاتل الشيخ عماد عفت، هذا الرجل الذى بكى من أجله مئات المصريين المحترمين، لا يمكن أن يكون شخصا أو مجلسا ذا هيبة، بل هو شىء لا يستحق أن نهابه، بل ينبغى علينا ألا نهابه، وينبغى علينا أن نواجهه، وأن نمنعه من ظلمه، وأن نمنعه من قتل مزيد من الأبرياء لكى لا نكون شركاء فى هذه الجرائم التى تتم باسم هيبة الدولة حينا، وباسم مقاومة المخططات الأجنبية حينا، وباسم أى كلام فارغ حينا آخر.

أقول بكل ثقة إن المجرم الذى يسيّر أمور مصر لابد أولا أن يترك موقعه، وثانيا أن يحاكم على كل الفساد الذى ارتكبه خلال الشهور الماضية.

حين اخترقت الرصاصة جسد الشيخ الشهيد عماد عفت، سقطت هيبة الدولة، وحين سقطت عمامته على الأرض، سقطت شرعية المجلس العسكرى.

سيقول بعض السفهاء لنا «حرام عليكم البلد، اهدوا شوية»، ونحن نرد بأننا لن نقبل بأخلاق العبيد تلك.

لقد كذب الإعلام الرسمى حين تستر على الجريمة، وسوف يحاسب أيضا، فالجريمة مثبتة بالصوت والصورة، والفيديوهات المسجلة لرجال القوات المسلحة وهم يتورطون فى الاعتداء على المتظاهرين واضحة كل الوضوح، ولا تدع مجالا لرأى آخر، لذلك لابد من محاسبة من ورطهم هذه الورطة، ولابد من محاسبة الإعلام الذى حاول التستر على الجريمة.

أما من يتحدث عن طرف ثالث، فهو ساذج لا يمكن أخذ كلامه على محمل الجد.

لقد أحرق القوم جميع المراكب، وها هم يحرقون مراكب الآخرين الذين أحسنوا فيهم الظن، فبدلا من إعانة المجلس الاستشارى على مهمته الجديدة، ها هم يحرقونه، ويضعونه فى موقف حرج يؤدى إلى استقالة ما يقرب من ثلث المجلس، وإنى لمشفق على الرجل المحترم رئيس المجلس السيد منصور حسن من هذا الحرج البالغ الذى وضعه فيه المجلس العسكرى، وإنى لأدعوه إلى تحكيم ضميره كما عودنا دائما، وكما قلت له فى مقال نُشر منذ أيام.
يا قتلة الشيوخ المسالمين، انتهى زمانكم، والقصاص قريب!

الخميس، 15 ديسمبر 2011

الأفندية والغلابة - محمد المنسي قنديل

منذ سنوات قليلة، ماتت والدتى، رحمها الله ورحم كل أمهاتنا، فقد عانت كثيرا من المرض، وقضت ليلة أخيرة مليئة بالعذابات، وخرجت روحها فى هدوء مع مقدم الصباح. إنه أمر مريع أن تجد نفسك وحيدا فى العالم دون المخلوقة الوحيدة التى تكن لك حبا حقيقيا لا ينضب، جلست أنا وإخوتى قليلا تحت وقع الصدمة، ولكن كان يجب أن نفيق ونبدأ استعدادات الجنازة ونتصل بالأهل والأقارب، وكانت أولى المهام هو أن أستخرج شهادة الوفاة، ولأن المدينة التى نشأت فيها كانت قد تغيرت كثيرا وأصبحت أكثر عشوائية، فقدت استعنت بأقدم صديق لى فيها هو الدكتور عزت السمان الذى كان زميلى فى الكلية، وبفضله استغرق استخراج الشهادة وقتا قليلا، وسعيت بعد ذلك لشراء الكفن اللازم، ولكن عندما عدت إلى البيت، وجدت أشخاصا كثيرين لا أعرفهم، بينهم أكثر من امرأة منقبة، جاؤوا جميعا للقيام بإجراءات الغسل والتكفين، ومعهم كل الأشياء الضرورية، طبقات الكفن، وصابون الغسل، والعطور ومسحوق الشيح، شرعوا على الفور فى العمل دون أى تدخل من جانبنا، وعندما سألت أخيرا عنهم عرفت أنهم أعضاء جمعية إسلامية خيرية مهمتها تكريم الموتى، وهى تفعل ذلك بالمجان، وكل الذين يؤدون هذه المهمة الثقيلة متطوعون ومتطوعات، لا أعرف من الذى اتصل بهم، ولا كيف استجابوا بهذه السرعة، ولا كيف يعملون بهذه الكفاءة، النساء كن يقمن بعملية الغسل والدعاء على رأس الميت، والبعض الآخر كان يجلس بيننا يقرأ القرآن ويقوم بالتعزية والتسرية عنا، بل إنهم قدموا لى استمارة أكتب فيها إن كنت راضيا عن الخدمة أم لا، تحدثت مع المشرف عليهم، طالبا منه أن أدفع على الأقل ثمن المواد التى أحضروها، ولكنه هز رأسه رافضا، فهو لا يتلقى أى النقود، ولكن إذا كنت مصرا يمكننى أن أذهب إلى مقر الجمعية وأتبرع لهم هناك، وقد حدث هذا بالفعل بعد أن انتهت أيام العزاء، وكان من الصعب أن أصل إلى مكتبهم وسط الأحياء العشوائية والحوارى المتداخلة، ولكنهم كانوا بالفعل هناك وسط جموع الفقراء الذين تحفل بهم مدينتى، يقدمون خدماتهم اليومية.

ومدينتى مثل حال معظم المدن المصرية بالغة التعاسة، لا يوجد فيها إلا شارع أو شارعان على الأكثر مرصوفة بشكل جيد، أما بقية المدينة فتعود فى تخلفها وقلة نظافتها إلى القرن الثامن عشر، ولم يعد يوجد نظير فى العالم لهذه المدن المصرية البائسة إلا فى إفريقيا جنوب الصحراء، أو شبه القارة الهندية، وهى مليئة بالناس الغلابة الذين تخلت عنهم الحكومة وما زالت متخلية عنهم حتى الآن، وطوال هذه الفترة لم يجدوا من يدعمهم ويقف بجانبهم إلا عددا ضئيلا من الجمعيات الإسلامية، فعندما تخلت وزارة الصحة عن دورها فى علاج المرضى، وتحولت مستشفياتها إلى مبان خالية من الأطباء والأدوية، تحولت الأفنية الخلفية للمساجد إلى عيادات متخصصة يعمل فيها أطباء لا يتلقون إلا أجرا زهيدا، ومعامل للتحاليل تعمل بسعر التكلفة، ويذهب المعدمون من أبناء الحى إلى إمام المسجد، ويقدمون إليه «روشتات» الدواء التى كتبها الطبيب وفيها أدوية لا يقدرون على دفع ثمنها، فلا يقول لهم إلا «مقضية بإذن الله» ولا يمضى يومان إلا وقد تمكن من تدبير كل الأدوية المطلوبة، وعندما تخلت وزارة التربية والتعليم عن دورها وازدحمت فصولها حتى عجزت عن توفير «دكك» لطلابها، تحولت المساجد والجمعيات إلى مجموعات للتقوية فى كل المواد وجميع الشهادات، بأجر رمزى وأحيانا بلا أجر، فى هذه المحنة التى استطالت وجد الغلابة من يقف بجانبهم، ويمد لهم يد المعونة رغم ظروفهم الصعبة، كانت هذه الجمعيات مثلهم تماما، عزلاء وبلا حماية، لا تسلم من بطش الشرطة المصرية التى أدمنت البطش، وكان هذا أمرا طبيعيا، فلم يكن الناس يتوقعون من الحكومة إلا هذه التصرفات، وعليهم فقط مواصلة لعبة البقاء على قيد الحياة، واكتشفوا فى النهاية أن مصر تنقسم إلى طبقتين لا ثالثة لهما، طبقة صغيرة فى يدها تملك كل السلطات هى طبقة «الأفندية»، ينتمى إليها النظام ورئيسه ووزراؤه وشرطته وموظفوه ورجال أعماله وكل أحزابه، التى معه والتى ضده، وكل من يظهر على شاشة التليفزيون، بغض النظر عن الموضوع الذى يتحدث فيه وكل من يكتب فى الجرائد مهما كانت أفكاره، يكونون جميعا كتلة واحدة، شديدة الصخب، لا تكف عن اختلاق الصراعات مع بعضها بعضا، ولا تهتم إلا بقضاياها ومصالحها الشخصية، ماهرة فى إطلاق الوعود التى لا تنفذ، وفى إقامة المشروعات التى لا تكتمل، والمهرجانات الباذخة الخالية من المعنى والهدف، وفى المقابل هناك طبقة «الغلابة»، التى تضم سواد الشعب المصرى، تعيش كلها فى عشوائيات تطلق عليها مدنا وقرى، المياه مقطوعة فى بيوتها، والترع جافة فى حقولها، يذل أهلها كل صباح وهم يقفون فى طابور رغيف الخبز المدعم، ويموتون من أجل أنبوبة بوتاجاز، وتتسلط عليهم طبقة من الموظفين الفاسدين، لا يقرؤون الجرائد لأنه لا يوجد فيها خبر يخصهم، ولا يتابعون نشرات الأخبار لأنهم يكرهون كل ما فيها من وجوه، ويموتون بكثرة وبسهولة فى حوادث غرق العبارات وحرائق القطارات وتساقط الصخور أو على يد الشرطة، ولا يوجد من يعزيهم أو يأخذ بخاطرهم، بينهم وبين طبقة الأفندية يوجد سور غير مرئى ولكنه موجود، مكون من زجاج معتم ذى اتجاه واحد، يستطيع منه الغلابة رؤية أفعال الأفندية، دون أن يأبه الأفندية بوجودهم، وقد اكتشف ذلك الدكتور محمد البرادعى حين ذهب إلى إحدى العشوائيات، وقالوا له: إنت أول أفندى يأتى إلينا، لا يأتى إلينا سوى الإخوان المسلمين.

وللمرة الأولى فى تاريخها أتيح لهذه الطبقة «الغلبانة» أن ترى صناديق الانتخاب، وأن تمسك فى يدها بطاقة مليئة بالرموز قالوا لها إنها ستحدد مستقبلها، بالله عليكم ماذا كان يمكن للمواطن «الغلبان» أن يختار؟ إمام المسجد الذى يوفر له الأدوية، أم الأفندى الذى يجلس فى التليفزيون متحدثا عن الديمقراطية؟ عضو الجمعية الإسلامية الذى يكرم موتاه، أم أفندية الأحزاب الذين لم يرهم فى الشارع إلا مؤخرا. المرشح الواقعى الذى جاء إليهم يحمل أكياس الأرز والسكر، أم الذى جاء ليعلن لهم بكل وضوح أنه ليس نائب خدمات، ولكنه نبى مكلف بصنع المستقبل، الإجابة معروفة وليست مستغربة، هل يفسر هذا وقائع الصناديق التى ظهرت منذ المرحلة الأولى وسوف تتأكد فى المراحل القادمة؟ لقد صعدت القوى الإسلامية فوق الصناديق رغم أن خبرتها السياسية قليلة، ودخلت إلى البرلمان وقد فقدت أوراق اللعبة، فقد صوتت ضد إنشاء دستور جديد ووقعت بالتالى فريسة تحت رحمة الوثائق التى يصدرها العسكر، وفقدت حقها الشرعى فى إدارة البلاد، لم تعد تستطيع تشكيل الحكومة بعد أن أخرج المجلس العسكرى كل المومياوات من المتحف المصرى وشكل منها حكومة، ولم تعد قادرة على تشكيل لجنة كتابة الدستور بعد أن أكد السادة الجنرالات ذلك شفويا وعمليا بتكوين المجلس الاستشارى، أى أن معركتها ليست مع الحق والباطل، وما يجوز وما لا يجوز، معركتها أن تثبت أنها شرعية، وجديرة بأصوات الشعب الذى اختارها، أن لا تدخل فى صفقات وتحالفات، ولا تجرنا معها إلى أنفاق مظلمة أخرى، ببساطة.. نريد دولة مدنية تعبر عن الغلابة ولا يحكمها العسكر.

الأربعاء، 14 ديسمبر 2011

إغلاق صندوق الدنيا - سلامة أحمد سلامة

يفقد المرء أحبابه وأصدقاءه، فيفقد لمحة من الزمن الجميل والمحبة الصافية.. حين كانت أمواج الحياة تهدر من حوله بمباهجها ومسراتها. وحلوها ومرها.. واختلاف الأيام والليالى قد ينسى ساعات اللهو وأيام الأنس.. ولكنها لا تنسى شخصيات فريدة مثل أحمد بهجت الذى رحل عن عالمنا بعد صراع طويل مع المرض. لم يمنعه عن حبه للحياة وصبره على البلاء وتقربه إلى الله، فى رضا عميق وإيمان لا يتزعزع!



هذا جيل يذهب.. يحمل معه تاريخا حافلا من المسرات والأحزان، والنجاح وخيبات الأمل، التى حملها هذا الوطن. وكابد فى مقتبل عمره وشبابه، ثم فى كهولته وشيخوخته كل ما كابده الوطن من أشواق وآمال، وآلام وتطلعات.



عرفته أجيال وراء أجيال من خلال «صندوق الدنيا»، الذى ظل يكتبه زهاء خمسة وثلاثين عاما ويزيد. يطل منه على أحوال مصر سنة بعد سنة وحقبة وراء حقبة. فى البأساء والضراء. فى النصر والهزيمة. وكانت له مغامراته وبطولاته الصحفية فى أيام المعارك والحروب وما أعقبها. ثم كانت له ايماءاته ولمحاته الإنسانية فى دروب الحياة المختلفة.. عرفها الذين اقتربوا منه. وعرفها قراؤه من خلال طرائفه وحكاياته ولقطاته، التى داعبت أحلام الشباب وصورت مشاعر الحب الصادق تصويرا دقيقا. ارتبط ارتباطا وثيقا بمعانى الحب لله والرغبة فى الفناء فيه. ولم تكن كتاباته الساخرة التى عرف بها غير قناع يخفى وراءه نزوعا إنسانيا عميقا، يلمس الضعف الإنسانى ويلتمس له الأعذار.



عرفت أحمد بهجت صحفيا فى أخبار اليوم. وتولى لبعض الوقت رياسة تحرير مجلة الجيل وعمل فى مجلة صباح الخير ثم انتقل إلى جريدة الأهرام.. واستقر عمود «صندوق الدنيا» فى الصفحة الثانية من الأهرام، أشبه بمصباح يضيىء معالم الطريق إلى قلب الجريدة العريقة فى عهودها المختلفة. ولكن «صندوق الدنيا» بقى معلقا بذاته وبصاحبه، بعيدا عما يغرى صاحب العمود أو كاتب التعليق بالانحياز والمحاباة.



وقد كتب أحمد بهجت القصة والمقال، وبرع فى التحقيقات الصحفية فى العمق، وتميز قلمه بالقدرة على النقد اللاذع الذى يقترب من السخرية التى تؤلم ولا تجرح. وفى أواخر أيامه غلبت عليه النزعة الصوفية، وكتب كثيرا فى المسائل الدينية التى تتعلق بالسلوك الإنسانى، دون أن يشغل أو يشتغل بالجوانب الفقهية مثل كثيرين ممن حاولوا الاهتمام بالدين والأخلاق من غير إدراك عميق لمراميها!



يعتبر بهجت صاحب مدرسة فى كتابة العمود الصحفى بمعناه الحديث. حين ينقل للقارئ انطباعاته، أو يعكس له عالما من الرؤى بعيدا عن متناوله، أو يخرجه من دائرة الفهم الضيق إلى المحيط الواسع للمعانى والأفكار.. فى أسلوب بالغ الرقة والعذوبة، أو فى قالب قصصى إنسانى برع فى صياغته. وكان من أجمل ما يكتبه حين يخرج إلى البحر والطبيعة، فلا يرى فيها غير علاقته بالله وقدرته الناصعة. ويبحث عن التقابل والتشابه بين الإنسان والطبيعة.



ولهذا لم يكن غريبا أن تنتظم معظم مؤلفاته فى سلسلة متصلة من البحث عن الله والإنسان.. فى قصص «أنبياء الله» التى كتبها عن الأنبياء الذين وردت أخبارهم فى القرآن. وذلك فى صورة حوار بين طفل ساذج وقط مثقف. وعلى نفس المنوال كتب كتابه عن «قصص الحيوان فى القرآن» وكلها مؤلفات أعيد نشرها عدة مرات فى دار الشروق. ولقيت إقبالا منقطع النظير. حيث يمزج الكاتب ببراعة فائقة بين القصص القرآنى وما فيه من عظات وعبر، وبين حياة الناس العاديين على نحو يقترب من مدارك الأطفال وأفهامهم.. وليس عن طريق التهديد والوعيد بالجنة والنار، ولكن بضرب الأمثال والقصص التى وجد المؤلف فى القرآن نبعا صافيا لها. وعبر عنها فى حياته الخاصة بحبه الشديد للحيوان. فلم يكن بيته يخلو من قطة أليفة أو كلب شارد.



رحل أحمد بهجت وقد خلف وراءه ذخيرة كبيرة من الكتب والمقالات والقصص.. وكان نجاح الثورة فى اعتقاده عملا إلهيا تحركت به يد الله للتخلص من الظلم والقهر الذى ساد البلاد. وفى رأيه أن مبارك لم يكن وحده المسئول عما حاق بالبلاد من ظلم وفساد.



رحل أحمد بهجت بعد أن كانت عجلة الثورة قد دارت.. وذهب من ذهب إلى سجن طرة. وأقعده المرض فى المستشفى حتى وافته المنية. رحمه الله.