الأحد، 29 مايو 2011
السبت، 21 مايو 2011
ليس هذا (دس السم فى العسل) بل تلطيخ كبسولات من المواد السامة بالسكر الكيماوى - اهداف سويف
وضع السيد أوباما أمام العالم قائمة بما يراه «المصالح الجوهرية» لبلاده فى بلادى ومنطقتى، وقائمة بـ«المبادئ الجوهرية» لبلاده التى ستحكم تصرفاتها نحونا، ووصفا للسياسات التى ينوى اتباعها لدفع هذه المصالح الجوهرية فى إطار تلك المبادئ الجوهرية.
ولنترجم ما يصفه الرئيس الأمريكى بـ«المصالح الجوهرية لبلاده فى المنطقة» إلى أثرها على أرض الواقع:
«مكافحة الإرهاب» ورطت (على الأقل) مصر، وسوريا، والأردن، فى برنامج الولايات المتحدة لنقل الشباب المسلم المحتجز تحت شبهة الإرهاب إلى بلاد يتم تعذيبهم فيها على الرغم من القانون، فجعلت من حكومات هذه الدول جلادين أجراء، وكرست ثقافة هيمنة أجهزة الأمن وتوحشها، وهى ذات الثقافة التى التى تقتل المتظاهرين فى الشوارع السورية اليوم، والتى مازالت تشكل جزءا أساسيا من القوى الفاعلة المضادة للثورة فى مصر.
«الحد من انتشار الأسلحة النووية» يبرز على نحو مستمر نفاق الولايات المتحدة، وجنوحها للكيل بمكيالين، فبينما يغتال علماء الذرة العرب، وتهدد الولايات المتحدة إيران وتتوعدها، تهنأ إسرائيل بتنمية وتطوير ترسانتها من الأسلحة النووية السرية.
أما «تأمين التدفق الحر للتجارة» فكان يعنى إرغامنا على ابتلاع نوع شديد القسوة من الرأسمالية غير الأمينة، رشوة الحكومة بتحفيزها لبيع الأصول المملوكة للوطن، وابتزازنا للدخول فى شراكات واتفاقات ضارة بنا.
وبالطبع فقد أدت «مساندة إسرائيل» إلى سرقة الأكثر والأكثر من الأراضى والعقار والمياه والأمل من الفلسطينيين، بينما تلعب مصر دور السجان والوسيط غير الشريف فى القضية الفلسطينية، فتفقد مصداقيتها بل واحترامها لذاتها.
وتحت يد باراك أوباما كل المعلومات التى تشير إليها الكلمات الـ١٦١ أعلاه. فهو يعلم أن تفانى حسنى مبارك فى تحقيق الـ«مصالح الجوهرية» للولايات المتحدة فى المنطقة هو بالضبط ما دفع الملايين المصرية للمطالبة برحيله، وما جعل التحرير يعلنه «عميل أمريكا وإسرائيل»، وما يضعه اليوم فى موضع الحبس والمساءلة.
وليس اللوم كله على أمريكا: كان النظام المصرى ضعيفا أمام الإغراءات، ثم صار متورطا، ثم مساهما بشكل فاعل وراغب، يبحث وينقب بمثابرة وابتكار عما يخدم المصالح الأمريكية الإسرائيلية، ويدمرنا. لكننا تخلصنا منه، بثورة سلمية، مباركة، حافظت دائما على حدود القانون والإنسانية. تـ خـ لـ صـ نـ ا مـ نــ ه.
فحين يصر السيد أوباما «سنستمر فى القيام بهذه الأشياء»، أى الأشياء الموصوفة عاليه، فهذا ضرب من التحدى، أما حين يضيف «مع إيماننا الراسخ بأن المصالح الأمريكية ليست مضادة لآمال الشعوب، بل هى عامل أساسى لها»، فهذا تضليل صريح ومهين؛ مهين لكل مواطنى العالم ــ بما فى ذلك الملايين فى أمريكا ــ الذين تماهوا مع ثوراتنا، وحرصوا عليها ورافقوها بالأمل.
وهو ينوى الاستمرار فى «القيام بهذه الأشياء» عن طريق نفس السياسات التى أدت بنا إلى ما نحن عليه: مشروعات وعقود لشركات أمريكية يتم تمويلها عن طريق تحميل مصر بالديون، ثم الديون، ثم مخططات جديدة من البنك الدولى وصندوق النقد العالمى، ثم زجنا إلى سياسات من شأنها تفضيل مفاهيم الـ«نمو» الاقتصادى، والسوق «الحرة» على التنمية الحقيقية الذاتية المستدامة والقضايا المحورية مثل قضية الأمن الغذائى أو تأمين المياه. ليس هذا ما نريده.
إذا كان السيد أوباما جادا فى زعمه ان أمريكا سوف تساند حق تقرير المصير وحقوق الإنسان فى منطقتنا فها هى قائمة ببعض المبادرات المفيدة التى يمكنه القيام بها:
رفع الحظر الذى تضعه وزارة الخارجية الأمريكية الآن على السفر إلى مصر.
تحفيز سياحة الأمريكيين إلى مصر وتونس عن طريق الإعفاءات الضريبية.
إعفاء الصادرات المصرية (إلى أمريكا) من الجمارك لفترة معلومة.
البحث عن أموالنا المنهوبة والتحفظ عليها لحين تسليمها إلى حكومة مصرية منتخبة.
تنظيم صناعة الـ«أمن» فى أمريكا بحيث لا تسمح بإفراز أمثال إريك برنس، صاحب شركة بلاك ووتر لتوريد الجنود المرتزقة.
وقف جميع المعونات لمصر ولإسرائيل.
سد الثغرات الضريبية التى تشجع المواطنين الأمريكيين على تمويل بناء المستوطنات فى إسرائيل.
حث إسرائيل على الكشف عن أنشطتها النووية والتعامل فى هذا المجال بشكل قانونى.
وفى النهاية، فثوراتنا ليست لأمريكا أو بأمريكا أو عن أمريكا. نحن، فى تونس، ومصر، وقريبا فى ليبيا وسوريا واليمن، نبحث عن الأفكار والنظم التى تمكننا من أن ندير بلادنا بما فيه مصلحة ملاييننا، ومصلحة العالم. ونرى أن الديمقراطية عامل أساسى فى هذا، لكن الديمقراطية وحدها لا تكفى. نرى النظم الـ«ديمقراطية» تخذل شعوبها، فى بريطانيا، فى الهند، فى الولايات المتحدة، يغرق الملايين فى العوز والدين، وتبدى الدولة المصارف على الجامعات والمستشفيات، وتلوث البيئة وتدمر، ويتحلل المجتمع بروابطه، ويكرس الإعلام منظومة الزيف، وتمر أمامنا منوعات الفضائح الساسية المالية الواحدة تلو الأخرى.
ليس هذا ما نريده. العالم بحاجة إلى ما هو أفضل. وهو ما نعمل هنا، فى بلادنا، من أجل استشفافه، ثم بلوغه.
ولنترجم ما يصفه الرئيس الأمريكى بـ«المصالح الجوهرية لبلاده فى المنطقة» إلى أثرها على أرض الواقع:
«مكافحة الإرهاب» ورطت (على الأقل) مصر، وسوريا، والأردن، فى برنامج الولايات المتحدة لنقل الشباب المسلم المحتجز تحت شبهة الإرهاب إلى بلاد يتم تعذيبهم فيها على الرغم من القانون، فجعلت من حكومات هذه الدول جلادين أجراء، وكرست ثقافة هيمنة أجهزة الأمن وتوحشها، وهى ذات الثقافة التى التى تقتل المتظاهرين فى الشوارع السورية اليوم، والتى مازالت تشكل جزءا أساسيا من القوى الفاعلة المضادة للثورة فى مصر.
«الحد من انتشار الأسلحة النووية» يبرز على نحو مستمر نفاق الولايات المتحدة، وجنوحها للكيل بمكيالين، فبينما يغتال علماء الذرة العرب، وتهدد الولايات المتحدة إيران وتتوعدها، تهنأ إسرائيل بتنمية وتطوير ترسانتها من الأسلحة النووية السرية.
أما «تأمين التدفق الحر للتجارة» فكان يعنى إرغامنا على ابتلاع نوع شديد القسوة من الرأسمالية غير الأمينة، رشوة الحكومة بتحفيزها لبيع الأصول المملوكة للوطن، وابتزازنا للدخول فى شراكات واتفاقات ضارة بنا.
وبالطبع فقد أدت «مساندة إسرائيل» إلى سرقة الأكثر والأكثر من الأراضى والعقار والمياه والأمل من الفلسطينيين، بينما تلعب مصر دور السجان والوسيط غير الشريف فى القضية الفلسطينية، فتفقد مصداقيتها بل واحترامها لذاتها.
وتحت يد باراك أوباما كل المعلومات التى تشير إليها الكلمات الـ١٦١ أعلاه. فهو يعلم أن تفانى حسنى مبارك فى تحقيق الـ«مصالح الجوهرية» للولايات المتحدة فى المنطقة هو بالضبط ما دفع الملايين المصرية للمطالبة برحيله، وما جعل التحرير يعلنه «عميل أمريكا وإسرائيل»، وما يضعه اليوم فى موضع الحبس والمساءلة.
وليس اللوم كله على أمريكا: كان النظام المصرى ضعيفا أمام الإغراءات، ثم صار متورطا، ثم مساهما بشكل فاعل وراغب، يبحث وينقب بمثابرة وابتكار عما يخدم المصالح الأمريكية الإسرائيلية، ويدمرنا. لكننا تخلصنا منه، بثورة سلمية، مباركة، حافظت دائما على حدود القانون والإنسانية. تـ خـ لـ صـ نـ ا مـ نــ ه.
فحين يصر السيد أوباما «سنستمر فى القيام بهذه الأشياء»، أى الأشياء الموصوفة عاليه، فهذا ضرب من التحدى، أما حين يضيف «مع إيماننا الراسخ بأن المصالح الأمريكية ليست مضادة لآمال الشعوب، بل هى عامل أساسى لها»، فهذا تضليل صريح ومهين؛ مهين لكل مواطنى العالم ــ بما فى ذلك الملايين فى أمريكا ــ الذين تماهوا مع ثوراتنا، وحرصوا عليها ورافقوها بالأمل.
وهو ينوى الاستمرار فى «القيام بهذه الأشياء» عن طريق نفس السياسات التى أدت بنا إلى ما نحن عليه: مشروعات وعقود لشركات أمريكية يتم تمويلها عن طريق تحميل مصر بالديون، ثم الديون، ثم مخططات جديدة من البنك الدولى وصندوق النقد العالمى، ثم زجنا إلى سياسات من شأنها تفضيل مفاهيم الـ«نمو» الاقتصادى، والسوق «الحرة» على التنمية الحقيقية الذاتية المستدامة والقضايا المحورية مثل قضية الأمن الغذائى أو تأمين المياه. ليس هذا ما نريده.
إذا كان السيد أوباما جادا فى زعمه ان أمريكا سوف تساند حق تقرير المصير وحقوق الإنسان فى منطقتنا فها هى قائمة ببعض المبادرات المفيدة التى يمكنه القيام بها:
رفع الحظر الذى تضعه وزارة الخارجية الأمريكية الآن على السفر إلى مصر.
تحفيز سياحة الأمريكيين إلى مصر وتونس عن طريق الإعفاءات الضريبية.
إعفاء الصادرات المصرية (إلى أمريكا) من الجمارك لفترة معلومة.
البحث عن أموالنا المنهوبة والتحفظ عليها لحين تسليمها إلى حكومة مصرية منتخبة.
تنظيم صناعة الـ«أمن» فى أمريكا بحيث لا تسمح بإفراز أمثال إريك برنس، صاحب شركة بلاك ووتر لتوريد الجنود المرتزقة.
وقف جميع المعونات لمصر ولإسرائيل.
سد الثغرات الضريبية التى تشجع المواطنين الأمريكيين على تمويل بناء المستوطنات فى إسرائيل.
حث إسرائيل على الكشف عن أنشطتها النووية والتعامل فى هذا المجال بشكل قانونى.
وفى النهاية، فثوراتنا ليست لأمريكا أو بأمريكا أو عن أمريكا. نحن، فى تونس، ومصر، وقريبا فى ليبيا وسوريا واليمن، نبحث عن الأفكار والنظم التى تمكننا من أن ندير بلادنا بما فيه مصلحة ملاييننا، ومصلحة العالم. ونرى أن الديمقراطية عامل أساسى فى هذا، لكن الديمقراطية وحدها لا تكفى. نرى النظم الـ«ديمقراطية» تخذل شعوبها، فى بريطانيا، فى الهند، فى الولايات المتحدة، يغرق الملايين فى العوز والدين، وتبدى الدولة المصارف على الجامعات والمستشفيات، وتلوث البيئة وتدمر، ويتحلل المجتمع بروابطه، ويكرس الإعلام منظومة الزيف، وتمر أمامنا منوعات الفضائح الساسية المالية الواحدة تلو الأخرى.
ليس هذا ما نريده. العالم بحاجة إلى ما هو أفضل. وهو ما نعمل هنا، فى بلادنا، من أجل استشفافه، ثم بلوغه.
الجمعة، 20 مايو 2011
الخميس، 19 مايو 2011
الخميس، 28 أبريل 2011
أقزام فى المحاكمة..! - حلمي النمنم
تفاجئنا التحقيقات مع الرئيس السابق ومسؤولى نظامه بمستوى غير مسبوق من الهشاشة النفسية والأخلاقية، «صفوت الشريف» يبكى أمام المحقق، حين واجهه بممتلكاته والوثائق التى تثبتها، والأدهى من ذلك الرئيس السابق نفسه، فحين سئل عن دوره فى صفقة تصدير الغاز لإسرائيل ألقى بالمسؤولية على وزير البترول ومعاونيه وأنهم لم يكونوا يرجعون إليه، ثم قال إن الصفقة تمت، وفق اتفاقية «كامب ديفيد» التى وقعها السادات ولم يوقعها هو، وأنه ليس مسؤولاً عنها، وهذه إجابة موظف صغير أو تلميذ فى المدرسة يعنفه معلمه لأنه لم يقم بواجبه المدرسى، وليست إجابة رئيس جمهورية، كان مسؤولاً، وأعلن مراراً أنه يعلى المصلحة الوطنية العليا بغض النظر عن أى شىء!
ليست هذه المرة الأولى ولا هى الأخيرة فى التاريخ لانهيار نظام بأكمله ومحاكمة رجاله، لكننا لا نعرف رجالاً كانوا بهذه الهشاشة، بعد 23 يوليو 1952 حوكم رموز النظام الملكى، ولم يكونوا يمثلون أمام القاضى الطبيعى، بل كانت محاكم استثنائية لا يراعى فيها أى ضمانات قانونية، ومع ذلك كان باشوات العهد الملكى متماسكين..
واجه إبراهيم عبدالهادى حكماً بالإعدام وهو مطمئن إلى سلامة موقفه، وخفف الحكم ثم أفرج عنه ومارس حياته فى حدود الممكن وقتها، لم يكن وحده فى ذلك، بل كان هناك آخرون مثل فؤاد سراج الدين وعثمان محرم، وبعد انهيار النظام الناصرى فى 15 مايو 1971 تم إيداع رموز النظام السجن وحوكموا أمام محكمة استثنائية وتم توجيه تهمة الخيانة العظمى لبعضهم، ومع ذلك كان كبيرهم «على صبرى» متماسكاً وشامخاً، ومن يعد تأمل صورته وهو فى قفص الاتهام يجد نفسه أمام رجل توجه عيناه الاتهام لمن يحاكمونه، لم يبك ولم يولول ويتملص من التهم بصغَار شديد، على النحو الذى نراه اليوم، ولم يكن وحيداً فى ذلك، بل كان هناك آخرون كبار مثل محمد فايق والفريق فوزى و.... إلخ.
ورغم تسلط وإجرام صدام حسين فقد بدا فى التحقيق معه متماسكاً ويحمل موقفاً واضحاً لم يتراجع عنه ولم يتخاذل، على الأقل، أمام نفسه، وفى مشهد تنفيذ الإعدام بدا كأنه يولد من جديد.. قوياً غير هيّاب، لكن رئيسنا السابق وبطانته كشفوا خواء حقيقياً وللمرء أن يتساءل: كيف حكم هؤلاء مصر لثلاثة عقود؟!
كانوا صغاراً وهم يحكمون، وأقزاماً وهم يحاكمون، مبارك المتغطرس، يخشى الانتقال إلى السجن ويقول فى التحقيق «إلا أولادى».. لو كان لديه قدر قليل من المسؤولية الوطنية، وأصدر بياناً يعتذر فيه إلى الشعب المصرى عما صدر منه، ولو كان مدركاً لطلب هو من نفسه أن يتحمل المسؤولية ويحاسب عن كل ما وقع، فعلها عبدالناصر فى بيان التنحى، فاكتسب تقدير المصريين واحترامهم، وقبل ذلك بقرون تمسك طومان باى بدفاعه عن استقلال مصر، وحين عُرض عليه أن يحكمها، لكن فى تبعية غير مصرية، رفض وتقدم بكل ثقة نحو حبل المشنقة أمام باب زويلة، فحمله المصريون فى ضمائرهم تاريخاً حياً ونوراً لا ينطفئ حتى اليوم.
حتى معتادو الإجرام حين يضبطون ويدركون أن حبل المشنقة أمامهم، يبدون أكثر تماسكاً.. حين قبض على «ريا» فى الإسكندرية، مطلع العشرينيات من القرن الماضى، قالت أمام وكيل النيابة: هىّ موتة ولا اتنين، وأدلت بكل ما لديها، بلا خوف وبلا وجل من مواجهة مصيرها المحتوم، بينما صفوت الشريف يبكى.. بكاء الخوف والفزع، لا بكاء الندم أو التطهر.. والرئيس السابق يقول: «ماليش دعوة»!!
لقد استقوى هولاء بضعفنا، وكان هذا النظام يستحق السقوط.
كانوا صِغاراً وزادتهم السلطة صَغارًا، لم يكبروا بها ولم يرتقوا معها، بل انحدروا إلى حد غير مسبوق، وها هم يدخلون التاريخ اليوم من باب التخاذل والصَّغار والخواء الإنسانى إلى أقصى حد، فافتقدوا الحدود الدنيا من التعاطف، وإذا لطف الله بهم نالوا الإعدام، أما ما يستحقونه فهو أن يظلوا هكذا مسخة وعبرة، فلو أعدمنا كلاً منهم عشرات المرات فلن يوفيه ما يستحق من عقاب.
ليست هذه المرة الأولى ولا هى الأخيرة فى التاريخ لانهيار نظام بأكمله ومحاكمة رجاله، لكننا لا نعرف رجالاً كانوا بهذه الهشاشة، بعد 23 يوليو 1952 حوكم رموز النظام الملكى، ولم يكونوا يمثلون أمام القاضى الطبيعى، بل كانت محاكم استثنائية لا يراعى فيها أى ضمانات قانونية، ومع ذلك كان باشوات العهد الملكى متماسكين..
واجه إبراهيم عبدالهادى حكماً بالإعدام وهو مطمئن إلى سلامة موقفه، وخفف الحكم ثم أفرج عنه ومارس حياته فى حدود الممكن وقتها، لم يكن وحده فى ذلك، بل كان هناك آخرون مثل فؤاد سراج الدين وعثمان محرم، وبعد انهيار النظام الناصرى فى 15 مايو 1971 تم إيداع رموز النظام السجن وحوكموا أمام محكمة استثنائية وتم توجيه تهمة الخيانة العظمى لبعضهم، ومع ذلك كان كبيرهم «على صبرى» متماسكاً وشامخاً، ومن يعد تأمل صورته وهو فى قفص الاتهام يجد نفسه أمام رجل توجه عيناه الاتهام لمن يحاكمونه، لم يبك ولم يولول ويتملص من التهم بصغَار شديد، على النحو الذى نراه اليوم، ولم يكن وحيداً فى ذلك، بل كان هناك آخرون كبار مثل محمد فايق والفريق فوزى و.... إلخ.
ورغم تسلط وإجرام صدام حسين فقد بدا فى التحقيق معه متماسكاً ويحمل موقفاً واضحاً لم يتراجع عنه ولم يتخاذل، على الأقل، أمام نفسه، وفى مشهد تنفيذ الإعدام بدا كأنه يولد من جديد.. قوياً غير هيّاب، لكن رئيسنا السابق وبطانته كشفوا خواء حقيقياً وللمرء أن يتساءل: كيف حكم هؤلاء مصر لثلاثة عقود؟!
كانوا صغاراً وهم يحكمون، وأقزاماً وهم يحاكمون، مبارك المتغطرس، يخشى الانتقال إلى السجن ويقول فى التحقيق «إلا أولادى».. لو كان لديه قدر قليل من المسؤولية الوطنية، وأصدر بياناً يعتذر فيه إلى الشعب المصرى عما صدر منه، ولو كان مدركاً لطلب هو من نفسه أن يتحمل المسؤولية ويحاسب عن كل ما وقع، فعلها عبدالناصر فى بيان التنحى، فاكتسب تقدير المصريين واحترامهم، وقبل ذلك بقرون تمسك طومان باى بدفاعه عن استقلال مصر، وحين عُرض عليه أن يحكمها، لكن فى تبعية غير مصرية، رفض وتقدم بكل ثقة نحو حبل المشنقة أمام باب زويلة، فحمله المصريون فى ضمائرهم تاريخاً حياً ونوراً لا ينطفئ حتى اليوم.
حتى معتادو الإجرام حين يضبطون ويدركون أن حبل المشنقة أمامهم، يبدون أكثر تماسكاً.. حين قبض على «ريا» فى الإسكندرية، مطلع العشرينيات من القرن الماضى، قالت أمام وكيل النيابة: هىّ موتة ولا اتنين، وأدلت بكل ما لديها، بلا خوف وبلا وجل من مواجهة مصيرها المحتوم، بينما صفوت الشريف يبكى.. بكاء الخوف والفزع، لا بكاء الندم أو التطهر.. والرئيس السابق يقول: «ماليش دعوة»!!
لقد استقوى هولاء بضعفنا، وكان هذا النظام يستحق السقوط.
كانوا صِغاراً وزادتهم السلطة صَغارًا، لم يكبروا بها ولم يرتقوا معها، بل انحدروا إلى حد غير مسبوق، وها هم يدخلون التاريخ اليوم من باب التخاذل والصَّغار والخواء الإنسانى إلى أقصى حد، فافتقدوا الحدود الدنيا من التعاطف، وإذا لطف الله بهم نالوا الإعدام، أما ما يستحقونه فهو أن يظلوا هكذا مسخة وعبرة، فلو أعدمنا كلاً منهم عشرات المرات فلن يوفيه ما يستحق من عقاب.
السبت، 16 أبريل 2011
أنين الماء - بلال فضل
عندما سأله المارة الذين تحلقوا حوله فى ميدان التحرير إذا كانت الحكايات التى يرويها حقيقية أم من وحى خياله، قال لهم بثبات أربكهم: «تبقى كل الحكايات العظيمة خرافية إلى أن يؤمن بها الناس».
فى أقل من عام كان قد تحول إلى ظاهرة زلزلت البلاد وأربكت أجهزة الأمن وأعادت طقس مسامرة الأولاد من أجل أن يناموا بعد أن كاد يندثر. الناس كانوا يحتاجون إليه، ولذلك لم تأكل معهم ببصلة الحكايات التى روجتها صحف الحكومة عن كونه «إيرانيا مزقوقا على البلاد»، وقاوموها فورا بحكاية مضادة جعلته عابرا للأوطان «بيقولك إنه استغفر الله العظيم سيدنا الخضر»، وهو لم يكن سوى مدرس أول صنع منه القهر حكّاء عظيما، كل الحكاية أن ابنه الذى شاركه لحظات النجاة من كارثة غرق باقى أسرته فى سفينة الحُجّاج المتهالكة، عاد يوما من المدرسة منهاراً من العياط، وبعد أن أقنعه أن يستهدى بالله، حكى الولد ما قاله مدرسه عن هروب قاتل أمه وإخوته إلى حيث لا تطاله أيدى الحالمين بالقصاص، يومها لم يصدق الثبات الذى تملكه إزاء ما سمعه، وكيف ألفى بحول الله قوة رهيبة تملأ جوانحه، وضحكة صافية تنير وجهه، ووجد نفسه يحكى لابنه عن عدالة السماء التى لا تترك كل من ينسى أنه يفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
«القصاص سيريحه يا بُنَىّ مما هو فيه، هو يتمنى الموت كل ليلة لكى ينهى مأساته، فادع الله مخلصاً أن يطيل فى عمر عذابه، رب العزة أملى له ليزداد إثما ويهرب إلى حيث ما ظنه النعيم المقيم، ليلة والثانية وجد نفسه يصحو من النوم على أصوات استغاثة مخيفة تنبعث فى قصره المنيف، لم يصدق أذنيه عندما وجد الاستغاثات تنبعث من كوب الماء الموضوع إلى جوار سريره، اقترب من الكوب ليتثبت من وهمه فخرقت أصوات الاستغاثة الهادرة أذنيه، رمى الكوب مرتعبا فدوّت أصوات الاستغاثة منبعثة من كل قطرة ماء تناثرت فى الغرفة، جرى إلى الحمام مسرعاً ليغسل وجهه من صدمة الكابوس، فاندلعت أصوات الاستغاثة من مياه الحنفية مرعبة مهيبة هادرة كأنها تطلب رأسه لغرق حتمى عاجل، ومن يومها يا بُنَىّ صار الماء هلاكه، أيام مرت عليه وهو غير قادر على الشرب أو الاستحمام أو الخروج من عزلته فى بلاد لا يفارقها المطر أبدا، يقولون يا ولدى إنه لكى يظل على قيد الحياة يقومون بعصب عينيه وتكميم فمه وسد أذنيه كلما أراد أن يشرب أو يتبول».
الولد نام قرير العين منشرح الصدر، وفى اليوم التالى حكى الحكاية لمدرسه وزملائه، ومعظم النار اندلع من مستصغر الشرر، وفى زمن قياسى امتلأت البلاد بحكايات ملحمية عن ضباط يصحون فى وحشة الليل على كرابيج وهمية تلسع جلودهم، وساسة يشارفون على الاختناق بروائح غاز وهمية، وقضاة أتلفت أعصابهم زفرات المسجونين ظلما، ومحافظين ينامون فى العراء خوفا من انهيار أسقف بيوتهم عليهم.
أما هو فحكايته مثل كل الحكايات عادت إليه كأنها لا تعرفه، فوجد فيها طريق السلوان، ومن يومها أخذ يطوف بها وبما شابهها على الجوامع والكنائس والمقاهى ومحطات القطارات ومواقف الأتوبيسات وكنبات الميكروباصات، وعندما هدد الحاكم وزير داخليته بالإقالة إذا لم ينه مهزلة حكايات القصّاص التى باتت تقض مضجعه، تكفلت وشاية حقيرة بالقبض عليه فى مدرج درجة ثالثة وهو يحكى للناس بين الشوطين قصة النمرود الذى قتلته هاموشة تسربت من أذنه إلى داخل دماغه فأخذ يأمر حاشيته بضربه حتى مات.
اليوم، كل ما بقى من ذكراه ذلك التسجيل اليتيم الذى يتناقله الناس على أجهزة المحمول، والذى التقطه له شخص ما من العاملين فى أجهزة الأمن قبل لحظات من اقتياده إلى مكان ومصير غير معلومين، ضحكته كانت صافية كأنه عريس غارق فى الهناء، ووجهه كان يشع نوراً أو لعلها كانت إضاءة الجهة الأمنية التى كان محتجزا بها، وصوته كان هادراً لدرجة جعلت كل من سمعه يتخيل أنه يكلمه هو دون غيره، كل الذين سمعوه لم يكونوا بحاجة لإعادة الفرجة عليه لكى يحفظوا ما قاله، ألسنتهم مازالت تلهج بكلماته كأنها قيلت للتو «لن تتحقق العدالة فى هذه البلاد، لذلك احلموا بها وهى تحل على الجلادين والقتلة والفاسدين، ثم ارووا أحلامكم لأبنائكم كل ليلة، لعلها عندما يكبرون تنتقل بشكل خرافى من عالم النوم إلى عالم اليقظة».
(عندما نشرت هذه القصة فى هذه الصحيفة فى فبراير 2009 لم يكن لدى الرئيس المخلوع مبارك وقت للقراءة، واليوم وقد أصبح لديه الكثير من الوقت أُعيد نشرها وأهديها إليه بمناسبة أنه أدرك أخيرا أن ربنا كبير، وأهديها إلى كل من يتعاطفون مع الجلادين وينسون الضحايا لعلهم يدركون قبل فوات الأوان أن ربنا كبير).
فى أقل من عام كان قد تحول إلى ظاهرة زلزلت البلاد وأربكت أجهزة الأمن وأعادت طقس مسامرة الأولاد من أجل أن يناموا بعد أن كاد يندثر. الناس كانوا يحتاجون إليه، ولذلك لم تأكل معهم ببصلة الحكايات التى روجتها صحف الحكومة عن كونه «إيرانيا مزقوقا على البلاد»، وقاوموها فورا بحكاية مضادة جعلته عابرا للأوطان «بيقولك إنه استغفر الله العظيم سيدنا الخضر»، وهو لم يكن سوى مدرس أول صنع منه القهر حكّاء عظيما، كل الحكاية أن ابنه الذى شاركه لحظات النجاة من كارثة غرق باقى أسرته فى سفينة الحُجّاج المتهالكة، عاد يوما من المدرسة منهاراً من العياط، وبعد أن أقنعه أن يستهدى بالله، حكى الولد ما قاله مدرسه عن هروب قاتل أمه وإخوته إلى حيث لا تطاله أيدى الحالمين بالقصاص، يومها لم يصدق الثبات الذى تملكه إزاء ما سمعه، وكيف ألفى بحول الله قوة رهيبة تملأ جوانحه، وضحكة صافية تنير وجهه، ووجد نفسه يحكى لابنه عن عدالة السماء التى لا تترك كل من ينسى أنه يفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
«القصاص سيريحه يا بُنَىّ مما هو فيه، هو يتمنى الموت كل ليلة لكى ينهى مأساته، فادع الله مخلصاً أن يطيل فى عمر عذابه، رب العزة أملى له ليزداد إثما ويهرب إلى حيث ما ظنه النعيم المقيم، ليلة والثانية وجد نفسه يصحو من النوم على أصوات استغاثة مخيفة تنبعث فى قصره المنيف، لم يصدق أذنيه عندما وجد الاستغاثات تنبعث من كوب الماء الموضوع إلى جوار سريره، اقترب من الكوب ليتثبت من وهمه فخرقت أصوات الاستغاثة الهادرة أذنيه، رمى الكوب مرتعبا فدوّت أصوات الاستغاثة منبعثة من كل قطرة ماء تناثرت فى الغرفة، جرى إلى الحمام مسرعاً ليغسل وجهه من صدمة الكابوس، فاندلعت أصوات الاستغاثة من مياه الحنفية مرعبة مهيبة هادرة كأنها تطلب رأسه لغرق حتمى عاجل، ومن يومها يا بُنَىّ صار الماء هلاكه، أيام مرت عليه وهو غير قادر على الشرب أو الاستحمام أو الخروج من عزلته فى بلاد لا يفارقها المطر أبدا، يقولون يا ولدى إنه لكى يظل على قيد الحياة يقومون بعصب عينيه وتكميم فمه وسد أذنيه كلما أراد أن يشرب أو يتبول».
الولد نام قرير العين منشرح الصدر، وفى اليوم التالى حكى الحكاية لمدرسه وزملائه، ومعظم النار اندلع من مستصغر الشرر، وفى زمن قياسى امتلأت البلاد بحكايات ملحمية عن ضباط يصحون فى وحشة الليل على كرابيج وهمية تلسع جلودهم، وساسة يشارفون على الاختناق بروائح غاز وهمية، وقضاة أتلفت أعصابهم زفرات المسجونين ظلما، ومحافظين ينامون فى العراء خوفا من انهيار أسقف بيوتهم عليهم.
أما هو فحكايته مثل كل الحكايات عادت إليه كأنها لا تعرفه، فوجد فيها طريق السلوان، ومن يومها أخذ يطوف بها وبما شابهها على الجوامع والكنائس والمقاهى ومحطات القطارات ومواقف الأتوبيسات وكنبات الميكروباصات، وعندما هدد الحاكم وزير داخليته بالإقالة إذا لم ينه مهزلة حكايات القصّاص التى باتت تقض مضجعه، تكفلت وشاية حقيرة بالقبض عليه فى مدرج درجة ثالثة وهو يحكى للناس بين الشوطين قصة النمرود الذى قتلته هاموشة تسربت من أذنه إلى داخل دماغه فأخذ يأمر حاشيته بضربه حتى مات.
اليوم، كل ما بقى من ذكراه ذلك التسجيل اليتيم الذى يتناقله الناس على أجهزة المحمول، والذى التقطه له شخص ما من العاملين فى أجهزة الأمن قبل لحظات من اقتياده إلى مكان ومصير غير معلومين، ضحكته كانت صافية كأنه عريس غارق فى الهناء، ووجهه كان يشع نوراً أو لعلها كانت إضاءة الجهة الأمنية التى كان محتجزا بها، وصوته كان هادراً لدرجة جعلت كل من سمعه يتخيل أنه يكلمه هو دون غيره، كل الذين سمعوه لم يكونوا بحاجة لإعادة الفرجة عليه لكى يحفظوا ما قاله، ألسنتهم مازالت تلهج بكلماته كأنها قيلت للتو «لن تتحقق العدالة فى هذه البلاد، لذلك احلموا بها وهى تحل على الجلادين والقتلة والفاسدين، ثم ارووا أحلامكم لأبنائكم كل ليلة، لعلها عندما يكبرون تنتقل بشكل خرافى من عالم النوم إلى عالم اليقظة».
(عندما نشرت هذه القصة فى هذه الصحيفة فى فبراير 2009 لم يكن لدى الرئيس المخلوع مبارك وقت للقراءة، واليوم وقد أصبح لديه الكثير من الوقت أُعيد نشرها وأهديها إليه بمناسبة أنه أدرك أخيرا أن ربنا كبير، وأهديها إلى كل من يتعاطفون مع الجلادين وينسون الضحايا لعلهم يدركون قبل فوات الأوان أن ربنا كبير).
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)