الأحد، 4 نوفمبر 2012

دروس من انتخابات الكنيسة المصرية - أيمن زعقوق

اليوم أهنيء المصريين جميعا بانتخاب بابا الكنيسة الأرثوذوكسية المصرية، وأتمنى أن يوفقه الله لما فيه صالح شعب مصر، وان يجعل عهده عهد ازدهار ومساواة حقيقية وعدالة كاملة و وحدة صلبة لاتضام. واسجل هنا امتناني وانبهاري بهذا الرمز المعتدل المتسامح النزيه: الأنبا العظيم باخوميوس الذي تحمل العبء في وقت عصيب من تاريخ الكنيسة المصرية وتاريخ مصر.
وفيما يلي بعض الدروس التي استخلصتها كمواطن مصري تابع عن بعد عملية انتخاب بابا الكنيسة المصرية العريقة:
1-      الشفافية والوضوح أساس أي عملية ديمقراطية ناجحة. فرغم ما نعلمه من أن رجل الدين المسيحي شيء من القدسية في عقيدة الإنسان المسيحي، فقد صممت القيادة المؤقتة للكنيسة المصرية على إجراء العملية الانتخابية بمنتهى الشفافية والوضوح وبما لا يدع مجالا للتشكيك، ولم تجر الانتخابات في غرف مغلقة بحجة أن القائمين عليها أنزه من أن يكونوا موضع شكيك أو تخوين (وهم بالفعل نزيهون شرفاء).
2-      الاعتدال. الشعب المصري شعب معتدل ويكره التشدد و التطرف، كما ينفر من التشاحن والتناحر، يظهر ذلك جليا في اختيار المسيحيين المصريين لقيادتهم الروحية، فقد كانت القيادة المؤقتة للكنيسة (نيافة الأنبا باخوميوس) والناخبون والرأي العام المسيحي تدفع باتجاه المرشحين المعتدلين وتستبعد المعروفين بالتشدد والتعصب. ولا اعتقد أن عموم مسلمي هذا الشعب اقل تسامحا أو اعتدالا من مسيحييه، ولا اعتقد أن مسيحيا أو مسلما يمكن أن يضع جنبه مطمئنا مرتاح البال وقيادته الروحية تزكي نار التعصب وتشحذ خناجر التطرف.
3-      الالتزام بالقانون. فرغم أني أعلم أن الكثير من المسيحيين غير راضين بالكامل عن لائحة 57 التي جرى انتخاب البابا وفقها، الا انهم التزموا تماما بها وتقبلوا ما أسفرت عنه. ويمكنني أن أخمن أن سبب هذا القبول قد يكون ثقتهم في القائمين على العملية الانتخابية واطمئنانهم إلى أن القانون سيطبق بنزاهة وعلى الجميع، فلم نشهد مظاهرات أو فوضى أو اعتراضات كتلك المنتشرة في أرجاء وطننا هذه الأيام، والتي يمكن تعليلها بفقدان الثقة والإحساس بالظلم والتحيز.
4-      دور الدولة. إذا أردنا – فعلا لا قولا – أن تخرج القيادات الدينية على الجانبين من المشهد السياسي، فعلى لجنة وضع الدستور والرئيس وحكومته والبرلمان المقبل أن يتكاتفوا جميعا لإرساء العدالة والمساواة والقضاء على جميع صور التمييز بين المسلمين والمسيحيين، حينئذٍ لن يجد المسجد أو الكنيسة ما يدعو للتدخل والدفاع عن حقوق أبناء الديانة. فكيف للبابا الجديد – مهما كان معتدلا ومتسامحا – أن يسكت حيال ما قد يتعرض له بعض أفراد شعبه وأبنائه من ظلم بسبب ديانتهم من بعض المشوهين أو المختلين إذا غاب دور الدولة العادلة، التي لا ترى في مواطنيها إلا مواطنتهم دون النظر لدينهم أو جنسهم أو لونهم!
هل من دروس أخرى؟

كنيسة الوطن ووحدة الوطن - عبد المنعم أبو الفتوح

إيلوثيريا - باسم صبري

المصري اليوم - 30/10/2012

أجلس مع نفسي أُسَطِّر هذه الكلمات وأنا أفكر في مرحلة جديدة من عمري، تبدأ سنواتها بالرقم ٣ بدلاً من الرقم ٢. شعرت بالهلع على مدار الأسابيع السابقة لهذا التحول، وازداد هلعي كلما اقترب ذلك اليوم الفاصل في أواخر شهر أكتوبر. ثم أتى ذلك اليوم ومر، ولا أزال موجودًا، ما زالت ملامحي هي ذاتها ملامحي منذ أسبوع مضى، كل ما تغير هو إدراكي لبعض الأشياء. فجأة، مرت كل أعوام عمري حتى يومي هذا أمام عيني، ووجدت نفسي أدرك في لحظة واحدة كل ما أدركته على مدار تلك الأعوام كلها.

لم أصبح رائد فضاء، بل وأنهت أمريكا رحلاتها إلى القمر، وبدلاً من أن أصير رجل شرطة صرت أكتب مقالات عن تطهير الداخلية. لم أتزوج الممثلة الأمريكية وينونا رايدر كما كنت أريد منذ سنوات، بل وتم إلقاء القبض عليها بتهمة سرقة المحلات، وسعدت بأنني لم أسع وراء تلك الزيجة. أحببت مرة أو مرتين، وربما ثلاث مرات، وشعرت عندما فقدت من أحببت أن العالم قد انتهى حرفيًّا، وتألمت جسديًّا كما تألمت روحيًّا، واختبرت مشاعر لست متأكدًا أنني كنت سأرغب في أن أختبرها عن عمد، ولكنني الآن أكثر اكتمالاً كإنسان كوني قد مررت بها، ثم أحببت ثانية وفقدت ثانية، وكان الألم أقل. والآن، فالحب بالنسبة لي هو شيء أقل براءة وربما أقل عفوية في الكثير من الأشياء، ولكنه صار شيئًا أسمى وأعمق، وهذه مبادلة أتقبلها، كما وجدت أن أحلى الحب هو الحب الذي يكون أنت وحبيبتك فيه أقرب الأصدقاء أيضًا، فتشتاق لمحادثتها كما تشتاق لأن ترى وجهها.

خذلني الكثيرون ممن وثقت بهم، واكتشفت أن الثقة العمياء ليس لها مكان في الحياة، وخسرت أصدقاء وكسبت أصدقاء، وأدركت أن لا أحد يريدك أن تكون أفضل منه في أي شيء. وتعلمت أن كل البشر هم بشر، وأننا علينا أن نتقبلهم كما هم دون أن نتوقع منهم أن يكونوا ملائكة، فعدت إلى محبتي حتى لمن خذلوني. وتعلمت أيضًا أنه لا يوجد بشر عظماء وخارقين كما كنا نراهم يومًا عن بعد أو عندما كنا أطفالاً.

اكتشفت أن أفضل من قابلت في حياتي هم لا شيء كما يصورهم البعض أو كما تصورتهم أنا، ولكن القلائل منهم الذين يقتربون بالفعل من العظمة هم هؤلاء الذين يعرفون أنهم ليسوا سوى بشر، وأنهم مهما تقدم بهم العمر فإنهم لديهم ما يتعلمونه ويفهمونه، من الصغار قبل الكبار، فقد يتقدم بك العمر ولا تزداد حكمة، بل وربما قد تقل حكمتك وتزداد - إن زدت - عندًا وغرورًا. وتعلمت في هذا الإطار أن الغرور هو أخطر ما يقتل البشر، وأن أسوأ أنواع الغرور هو ما يعمي صاحبه عن وجوده، فيتصور أنه فعلاً إنسان عظيم ولا يخطئ، وأن الكل لا يفهمه أو يفهم ما يجري.

تعلمت أن الإنسان عليه أن يفكر جيدًا قبل أن يتخذ قراره إلا أن الكثير من التفكير قد يشل البشر أيضًا، وأنه أحيانًا علينا أن نقفز في البحر ثم نحاول في قدر من الذعر أن نكتشف كيفية العوم. وتعلمت أن هناك من البشر من يحترف رؤية السيئ في كل شيء وتوقع فشله، ولذته السادية في الحياة هي في إحباط ذاته ومن حوله، فلا يعلون ولا ينجحون مثلما هو فقد الأمل في العلو والنجاح. وكان أفضل ما فعلت في حياتي هو التخلص من هؤلاء بعد أن يئست من تغييرهم، مهما كان حبي لهم ومهما كان قربي لهم. وتعلمت، في المقابل، أن هناك بشرًا مذهلين، إن سألتهم إذا كان يمكن تحطيم جبل ضخم بملعقة فيجيبون أن كل شيء ممكن إن أحسنا التفكير وأصررنا على ما نريد، بل ويبدأون فورًا في التفكير في العمل ذاته بدافع من الفضول ومن التحدي للذات. وبعضهم بالفعل يجد شقًّا في الجبل، وفور أن يضرب ذلك الشق بملعقته الضئيلة فإذا بالشق يمتد في الجبل كله فينهار، فكل شيء ممكن لمن يؤمن ويفكر ولا ييأس. وكان أعظم ما تعلمت هو أن أحيط نفسي بمن أريد أن أكون مثلهم، أو من أريد أن أتعلم منهم، وكان أعظم ما تعلمت هو أن أفكر فيما أريد وما أريد أن أكون، وليس فيما لا أريد وما لا أريد أن أكون.

وتعلمت شيئًا أو اثنين عن العمل. فأحيانا علينا أن نحب ما نعمل، ولكن أكثرنا حظًّا هو من يحب ما يعمل. وعلينا أن نكون جيدين فيما نعمل، وألا تشغلنا المنافسة الفارغة عن هدف العمل ذاته، وأن نرى أي قيمة فيما نفعل، فتصبرنا تلك القيمة على سخافات الأيام. كما تعلمت أن العِلم هو حليفك الوحيد الذي لا يمكن أن يتخلى عنك، وأن الموهبة دون العلم لا تصل بك إلى ما تحتاج الوصول إليه، وأن «شعورك الداخلي» بالقوة وثقتك في مشروعك بالرغم من تشكيك الآخرين فيه علميًّا هو أحيانًا ضرب من ضروب جنون العظمة، وليس بالضرورة دليلاً على إصرارك.

كما تعلمت أن الموت أنواع، وأن بعض البشر يختار أن يموت بينما قلبه لا يزال ينبض وعينه ترى وجسده يتحرك ولسانه ينطق. هؤلاء يسيرون بيننا ويبدون أحياء، وهم - على أفضل تقدير - في غيبوبة. بعضهم يمكنه أن يستيقظ إن قرر أن يكسر خوفه من الحياة، وإن أراد أن يدرك أن الخوف من الفشل - أو من الاعتراف بالحقيقة ثم تقبلها والتغير على أساسها تباعًا، كليهما - أسوأ من الفشل ذاته. إلا أنني أدركت أيضًا أن البعض يحتاج صاعقة من الخارج لتفيقهم، وأحيانًا هذه الصاعقة لابد أن تكون أنت، كما أنني تعلمت أن البكاء ليس عيبًا، إلا أن تعود البكاء عيب.

عشت طفولتي معتقدًا أن مصر هي مركز الكون بسبب «موقعها الجغرافي المتميز ومناخها الحار جاف صيفًا ودافئ ممطر شتاء» كما قاموا بتحفيظنا بالمدارس، واعتقدت أن حسني مبارك هو أعظم رؤساء العالم كما كان يكتبون في الأهرام وتقول القناة الأولى، واعتقدت أنه لا يمكن أن يكون هناك بشر جيدون بعيدًا عمن كانت عقيدتهم كعقيدتي. ثم سافرت، ونطق لساني اثنتي عشرة لغة، وسمعت أذناي مائة وعشرين. ورأيت أوروبا وأمريكا والهند والصين ودول العرب، فرأيت من يسب رئيس دولته في الإعلام في أعظم الدول تقدمًا، ورأيت أن المجتمع يرى أن هذا ثمن مقبول للحرية، وأن من يترشح ضد ذلك الرئيس ويقول بفشله أمام العالم كله لا يجد نفسه قابعًا في زنزانة بعد الانتخابات. رأيت أحزابًا وتيارات تتنافس من أجل الفوز بثقة وأصوات شعوبها عن طريق التنافس على خدمتهم ودون تقسيم لأفراد الشعب إلى أعداء وحلفاء، ورأيت - مصدومًا - أن بعض الدول لا ترى أن الرئيس مبارك هو أعظم رؤساء العالم كما كانوا يقولون في الأهرام وتقول القناة الأولى، بل إن بعضهم لا يعرف حتى من هو حسني مبارك، وأن الكثير من الأنظمة تحاول أن تقنع شعوبها بأنها مركز الكون وأن حكومتها وزعيمها هما الأهم في العالم. ثم رأيت الشعب ذاته - وأنا منضم إليه - يثور ليُسقِط مبارك ونظامه، فإذا بذات الأهرام وذات القناة الأولى تحتفلان بسقوط ذات الطاغية الذي كانتا ترددان اسمه منذ أيام!

كما عرفت أن الحدود من صنع البشر، وأنك فردًا من البشرية قبل أن تكون فرنسيًا أو صينيًا أو أمريكيًا، وأن الوطنية العمياء هي فكرة من الماضي، وأن القدر هو السبب أنك وُلدت كما وُلدت.

كما قابلت هندوسًا وبوذيين ومسيحيين ويهودًا ولا دينيين ومن لا يزالون يبحثون وغيرهم، وقابلت ذوي البشرة البيضاء والسمراء والصفراء والحمراء والبنية وبين البينين وما يصعب تصنيفها، ووجدتهم كلهم بشرًا مثلي، منهم من هو أفضل مني ومنهم من لا أريد أن أكون مثله، وصرنا أصدقاء وصرت كإنسان أكثر ثراء، وأدركت أن البشر شيء واحد، وأن التعايش ممكن، وأننا لابد أن نلفظ دعاة الكراهية بيننا، وأننا سنحقق بالقلم والكلمة أكثر وأسرع بالكثير مما سنحققه بالأسلحة والجعجعة، وأننا علينا أن نسمو فوق قادتنا وجماعاتنا وأحزابنا وحكوماتنا ومصالحهم. وبالإضافة، فقد صرت أكره كل محاولات تصنيف البشر إلى أيديولوجيات ومجموعات محددة ومعلبة مسبقًا، فذاك ليبرالي وذاك يساري وذاك إخواني وذاك أناركو-سينديكالي، وكأنه لا يوجد من يمكنه أن يؤمن بخليط من تلك الأفكار، أو من يمكنه أن يبتكر فكرة جديدة، مع إدراكي أن بعض البشر ليسوا مولعين بالضرورة، في بادئ الأمر، بالأفكار الجديدة أيًّا كانت. كما تعلمت أننا كلنا تقريبًا، على اختلافنا، قد أدركنا القاعدة الذهبية للإنسانية: أن تفعل لغيرك ما تريده لذاتك، أيًّا كان، وألا تفعل في غيرك ما لا تريده لذاتك، أيًّا كان، وأن ما تفعله سوف يُرد إليك أضعافًا مضاعفة، المر والحلو منه.

تعلمت أنه لن يمكنك مساعدة غيرك دون أن تساعد نفسك أولاً، إلا أنني أدركت أن أعظم شرف يمكن أن يحدث لك هو أن تأتي لك فرصة حقيقية لأن تساعد ولأن تُسعد إنسانًا آخر.

أدركت أنه ليس من حق أحد البشر أن يتحكم في بشر مثله إلا فيما لا يؤذي غيره، وأننا أقوى بكثير من الظروف بأكثر مما تصورت. أدركت أنه ليس من حق أحد أن يُِسكِت أحدًا أو أن يتحكم فيما يقرأ أو يعرف، فهو بشر مثله مثل غيره وليس أفضل من غيره لكي يتحكم فيه إن كانت الأدوار معكوسة. كما أدركت أن الحرية ليست فقط هي الحرية من قيود السلطة والقوانين المجحفة، ولكنها أيضًا الحرية من قيود توقعات الغير لك، والتوقعات غير المنطقية للذات، وألا تخلط بين ما تريده أنت وما يريده من حولك والقريبون منك لك، وبين ما يعتقد المجتمع أنه هو الصواب الأصوب لك وللكل، وأن تختار أنت بذاتك ما تريده أنت لذاتك، حتى ولو كان كل ما سابق ذاته. كما تأكدت أنه إن قام المرء بالسكوت يومًا عن ظلم وقع لغيره لأنه لا يعنيه مباشرة أو لأن ذلك الظلم قد يفيده أو يريحه بصورة ما، فسيأتي اليوم الذي يقع فيه الظلم ذاته أو أسوأ منه على ذات المرء، ولن يتحدث أو يأتي أحد دفاعًا عنه، وسوف يحس المرء بمرارة الشعور باستحقاقه لما يحدث له.

وأدركت أن أغلب من يتحدثون بغضب وصوت عالٍ عن أفكارهم دون داعٍ هم خائفون ومهزوزون. ووجدت أغلب البشر شديدي الثقة بشكل مستفز في أيديولوجياتهم وأفكارهم السياسية والاقتصادية والفلسفية، وكأن كل من حولهم غبي مخدوع أو ساذج أو سيئ، وأنهم هم وحدهم من أدركوا كل شيء، وأدركت أنه لا يوجد إنسان واحد يجيد تحييد تحيزاته الإنسانية قبيل قيامه باتخاذ قرار أو تبني موقف، فكل إنسان لديه ما سيريحه بحياته ولن يختار بسهولة الحقيقة إن أبعدته عما يرتاح إليه، وسيقوم تلقائيًّا بالبحث عن الحقيقة في أي شيء بالشكل الذي يوصله إلى ما يريد مسبقًا الوصول إليه. وعرفت أن مقولة «لا أعرف، ولست متأكدًا، وربما لن يمكنني التأكد تمامًا» هي موقف مقبول جدًا، فأنا لن أعرف كل شيء، ولن أفهم كل شيء، وإن حاولت أيهما فلن أجد الوقت لفعل أي شيء. كما أدركت أنني عليَّ أن أراجع ذاتي إن وجدت نفسي دائمًا متفقًا مع من حولي ومشابهًا لهم، أو إن وجدت نفسي دائمًا أختلف معهم ولا أشابههم. وتأكدت أنني مهما كنت مقتنعًا ومنبهرًا برجل علم أو فكر، فيجب أن أفكر في كل ما يقول، وأن أقتنع بكلامه عن حق إن استحق ذلك، وأن أفكر أكثر وأعمق في الأقوال كلما زاد تعلقي بذلك المعلم. واكتشفت أنه من الأفضل أن أفكر قبل أن أنطق، بدلاً من أن أفكر في ندم بعد أن أنطق، فالكلمة تظل إلى الأبد، كما أن الله قد خلقنا بفم واحد وأذنين اثنين، لكي ننصت ضِعف ما نقول.

تعلمت ألا أحسد إنسانًا، وأن أكون على دراية مستمرة بما أنعم الله عليَّ به، وأن أتذكر كلما ساءت الظروف أن هناك من ظروفه هي أكثر سوءًا مني. تعلمت أن أغلى ما لدي هي صحتي وإرادتي وعزيمتي وعلمي، وأنه يوجد شيء واحد فقط أغلى منها: أهلك وأسرتك وأصدقاؤك الحقيقيون ومن يحبك. أما العلم، فكل منا عليه أن يبحث عن العلم بكل صوره، وأن يقرأ ويلتهم الكتب والأشعار والموسيقى والعلوم، وأن يعرف شيئًا ما عن كل شيء وأن يعرف كل شيء عن شيء ما. وأما العزيمة تجاه شيء ما فلا يتفوق عليها سوى العزيمة لشيء أهم. وأما الصحة، فهي ليست فقط واجبًا لك من أجل ذاتك، بل هي أيضًا من أجل من تحب ومن يهمك ومن يحتاج إليك؛ وأما الصديق والأهل والحبيب، فلتدافع بشراسة عن أصدقائك الحقيقيين وعن بقائهم في حياتك ولا تنشغل أكثر مما ينبغي عنهم، وكن هناك فورًا إن احتاجوا إليك؛ ولتعمل من أجل إسعاد أسرتك وتشريفهم ورفع رأسهم عاليًا أمام الدنيا، مهما تطلب الأمر، ولتحفظ شرف من تحب ولتعمل من إجل إسعاده في وجوده أو في غير وجوده. هؤلاء هم أعظم وأثمن ما يمكن أن تعثر عليه في حياتك، ولا تدخر جهدًا من أجل إسعادهم، ولا تجعل الرغبة التي هي في غير محلها بالشعور بالكرامة تبني - أحيانًا - جدارًا أحمق عازلاً بينكم، ولا تدع أي إنسان أو أي شيء يقوم بتفريقكم، وإن قال لك شخص ما إن أحد هؤلاء الأقربين قد أساء إليك، فتأكد أولاً، ثم اغفر ما يمكن غفرانه. وإن أسأت إلى أحد منهم، فلا تنم دون مصالحته، فقد لا تجد تلك الفرصة غدًا وسوف تندم طوال عمرك.

علمت أن الحياة دون هدف كالقارب دون وجهة، تعصف بها الرياح كما تشاء. الحلم هو أحلى ما في الحياة، والحياة دون حلم كالهيكل العظمي الذي ليس له ملامح، وأن الحلم غير المبني على الواقع والواقعية سيصير كابوسًا يسقط بك من أعلى، وأن الحلم الذي لا يتحدى الواقع ولو قليلا قد يكون حلمًا غير كاف. وتعلمت أن أسير إلى الأمام إلى هذا الحلم والهدف كل يوم، ولو كان ذلك بخطوة واحدة، بدلاً من أن أهرول يومًا وأن أقف يومًا وأن أتراجع يومًا، وأن الطريق أمتع من الوجهة. وتعلمت أن أتقبل كل ما حدث في حياتي، وما لا يمكنني تغييره اليوم، وأن أغير ما يمكنني تغييره، وأن أعرف الفارق بينهما. كما تعلمت أنني يمكنني أن أتغير إلى الأحسن، مهما تقدم بي العمر، وأن الشباب والشيخوخة هما حالتان في الذهن قبل أن يكونا حالتين في الجسد، وأن أحاول أن أستيقظ كل يوم إنسانًا أفضل من اليوم الذي سبقه، ولو كان ذلك بمقدار بسيط، وأن أفعل ذلك كله مبتسمًا ولو رغمًا عني، فالابتسامة تبقيك وتبقي غيرك أحياء، والابتسامة صدقة.

الخميس، 25 أكتوبر 2012

رسالة مفتوحة لسيادة رئيس الجمهورية - منى مينا

الشروق - 12/اكتوبر 2012

سيادة رئيس الجمهورية.. تحية طيبة وبعد..



أرسل هذه الرسالة لسيادتكم كطبيبة مصرية، وكمواطنة مصرية..



أرسل هذه الرسالة لسيادتكم كأول رئيس مدنى منتخب، وكرئيس جاء بعد ثورة، أملنا جميعا أن تصلح أحوالا طال إعوجاجها.



رسالتى حول آمال قطاع الصحة والأطباء والعاملين بالصحة فى حل لمشاكل مزمنة، طالما تحدثنا عنها قبل الثورة وبعد الثورة دون مجيب.. حيث وصلت الأوضاع فى المستشفيات لوضع كارثى، تغرق مستشفياتنا فى الفوضى والعجز والقذارة، يكرهها المريض الذى يلجأ لها مرغما إذا كان لا يملك القدرة المادية على العلاج الخاص، ونقف فيها نحن الأطباء ومقدمو الخدمة الصحية، ليس لنقدم خدمة سامية كنا نتمنى أن نستطيع تقديمها فعلا، ولكن لنكون حائط صد لغضب المواطنين المحتاجين لخدمات تعجزنا الإمكانيات المتدنية بالمستشفيات عن تقديمها.



●●●



سيادة الرئيس.. بحت أصواتنا ونحن نتحدث عن هذه المشاكل لسنوات، وعندما لم يجد الكلام آذانا صاغية، قمنا بعمل مؤتمرات ووقفات ومسيرات واعتصامات، وصل الأمر ببعض الزملاء لعمل إضراب عن الطعام.. ولكننا لم نجد أى استجابة لمطالبنا التى نشعر أنها عادلة وبسيطة.. وممكنة التحقيق.. لذلك بدأنا من الاثنين 1 أكتوبر إضرابنا الجزئى المفتوح.. للمطالبة بتأمين المستشفيات.. ورفع نصيب الصحة من الموازنة العامة.. وتطبيق كادر مالى وإدارى للأطباء والعاملين بالصحة يمكنهم من الحياة بكرامة.. ومن القيام بعملهم بصورة يرضون عنها.



سيادة الرئيس.. يصور البعض إضرابنا من أجل مطالبنا المشروعة والضرورية، يصور البعض هذا الإضراب وكأنه محاولة لإحراج حكومتكم أو تحديها.. والحقيقة أن هذا الإضراب هو فرصة لحكومتكم لتحل ــ أو تبدأ فى حل ــ مشاكل طال تراكمها، وتصلح فسادا طال تجاهل مواجهته.



●●●



سيادة الرئيس.. البعض يتعجل برد تقليدى «مطالبكم مشروعة.. ولكن يجب أن تراعوا ظروف البلد.. للأسف ليس لدينا الإمكانيات للاستجابة لها الآن»، والحقيقة أن هذا الرد المتعجل يتجاهل منافذ لحلول عملية وتفصيلية، يهمنا أن نعرضها على سيادتكم..



أولا: بخصوص مطلبنا الخاص بتأمين المستشفيات، من الممكن أن يصدر من سيادتكم مرسوم بقانون لتغليظ عقوبة التعدى على المستشفيات والمنشآت الصحية كمنشآت تقدم خدمة هامة وحيوية لا يمكن الاستغناء عنها، هذا القرار سيساعد فى عودة الهيبة والأمان للمستشفيات، ولن يحمل الدولة أية أعباء إضافية.



ثانيا: بخصوص رفع نصيب الصحة من موازنة الدولة، حتى تصبح المستشفيات أماكن قادرة على تقديم خدمة صحية حقيقية، يمكن لسيادتكم إصدار تعهدات مكتوبة وموثقة بجدول زمنى لزيادة تدريجية لنصيب الصحة خلال السنوات القادمة (مثلا العام المالى القادم ترفع ميزانية الصحة إلى 7% والتالى إلى 9% والتالى إلى 12% والتالى إلى 15%)، مع ترشيد فورى للإنفاق فى وزارة الصحة، وإيقاف لنزيف الأموال فيما يسمى القوافل الطبية، وتوجيه تمويلها فورا لخدمات الطوارئ التى تعانى عجزا رهيبا، يمكن أيضا للدولة أن تقطع من احتياطى الموازنة 5 مليارات، وتوجهها لقطاع الطوارئ فى وزارة الصحة، حتى يتمكن المواطن من الحصول على خدمات الطوارئ، التى لا تحتمل التأجيل دون أن نطلب منه دفع مقابل دخول العناية المركزة، أو مقابل الجبس أو شائعات الطوارئ، فى المستشفيات الحكومية، وأعتقد سيادة الرئيس أن جميع المواطنين سيسعدون بهذا القرار الذى لا يخص العاملين بالصحة فقط.. ولكنه سيخفف عذاب البحث عن العلاج لجميع المواطنين.



ثالثا: بالنسبة للكادر المالى والإدارى للأطباء والمهن الطبية، والذى يقف حجر عثرة فى طريقه مشكلة (من أين نأتى بالتمويل؟)، أطمئن سيادتكم أن بند الأجور والمكافآت فى وزارة الصحة (13.4مليار تبعا للبيانات وزارة المالية للعام المالى 2012/2013)، يكفى لتمويل الكادر إذا تم إقراره، حيث إن إجمالى العاملين بالصحة، تبعا لآخر إحصاء معلن للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، سنة 2010 هو 227 ألفا من العاملين، من الطبيب وحتى العامل، وبذلك يكون متوسط أجر أى من العاملين بالصحة حوالى 5000 شهريا، وبذلك نستطيع أن نقر هيكل أجور يبدأ بـ1200 كحد أدنى للأجر للعامل، وينتهى بـ50 ألفا للوزير (أكثر من 40 ضعفا للحد الأدنى)، ونستطيع أن نمول كادر الأطباء والمهن الطبية بسهولة.



●●●

هناك حجة أخرى توجه ضد مطالبنا العادلة، أن الاستجابة لمطالب الأطباء تفتح الباب للكثير من الفئات للدخول فى إضرابات واحتجاجات للحصول على مكاسب مماثلة.. ولكن سيادة الرئيس، إذا كانت هناك فئات أخرى تقدم اقتراحات عملية لوقف نزيف الفساد فى قطاعاتها، ولتحسين خدمات حيوية تقدم للمواطنين، ولضمان حياة كريمة للعاملين بهذه القطاعات، عن طريق مجرد توزيع عادل للأجور داخل نفس القطاع.. إذا كانت هناك مطالب لفئات أخرى، بهذه العدالة والضرورة وسهولة التنفيذ.. فهل هناك أى غضاضة فى بحثها والاستجابة لها؟ أليست هذه هى العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية التى وقفنا أمام الرصاص الحى طلبا لها.



●●●



مع تحياتى وأملى فى استجابة سريعة ترد الحق والاعتبار لقطاع الصحة الذى طال إهماله..


الثلاثاء، 23 أكتوبر 2012

عن هيبة الدولة ورموز الوطن - علاء الأسواني

المصري اليوم 22/10/2012

حدث ذلك منذ سنوات طويلة..

كنت حديث التخرج أعمل نائباً (طبيب مقيم) فى قسم جراحة الفم بجامعة القاهرة وكنت أتدرب على إجراء الجراحات. ذات يوم كنت أجرى جراحة فى فم أحد المرضى عندما مر مدرس بالقسم معروف بشراسته. انتظر المدرس حتى انتهيت من الجراحة ثم قال لى:

ــــ الطريقة التى أجريت بها الجراحة غلط.

دخلت مع المدرس فى مناقشة علمية طويلة دافعت فيه عن وجهة نظرى لكنه أصر على أن ما فعلته خطأ. أثناء الحديث لمحت أحد أساتذة القسم فطلبت منه أن يتدخل ليحكم بيننا. عرضت للأستاذ وجهتى النظر (بدون أن أحدد من منا يتبنى أى رأى). فوجئت بالأستاذ يتطلع نحو المدرس ويسأله:

ــ إنت رأيك إيه..؟

قال المدرس رأيه فقال له الأستاذ:

ــ إنت رأيك صح.

أحسست بالقهر والغضب، وفى اليوم التالى أحضرت معى كتابا شهيراً فى الجراحة وذهبت إلى مكتب الأستاذ وما إن رآنى ومعى المرجع حتى قال ساخراً:

ــ إنت جايب لى الكتاب عشان تثبت رأيك.. ؟! أنا عارف إن رأيك صح.

ــ لكن حضرتك قلت إن رأيى غلط؟

تطلع إلىَّ الأستاذ وقال بلهجة من يلقى بحكمة عميقة:

- أنت مازلت نائباً، وهو مدرس أكبر منك بعشر سنوات على الأقل.لا يمكن أقول له إنه غلطان قدامك. لازم أحتفظ له بالهيبة.

لم أجد فائدة فى الحديث مع الأستاذ فشكرته وانصرفت. بعد شهور سنحت لى الفرصة فسافرت للدراسة فى جامعة إلينوى بالولايات المتحدة وأسعدنى الحظ بالعمل مع واحد من أهم علماء الهيستولوجى (علم الأنسجة) فى العالم هو الدكتور دنيس ويبر. كنا مجموعة بحثية من طلبة الماجستير والدكتوراه يشرف علينا الدكتور ويبر الذى جمعنا بعد شهر وقال:

ــ اسمعوا. أريد أن أستمع إلى أفكاركم. إذا كان هناك ما يضايقكم فى العمل أو كنتم تعتقدون أننى قد ارتكبت أخطاء أرجوكم قولوا لى.

كان الموقف فوق قدرتى على الاستيعاب فلذت بالصمت، أما زملائى فقد اشتدوا فى نقد الدكتور ويبر، وراح كل واحد منهم يدلل على نقده بأمثلة عملية فى عملنا البحثى. ظل العالم الكبير هادئاً يسجل كل الملاحظات وفى النهاية قام بالرد عليها واحدة واحدة وشرح لنا خطة العمل بالتفصيل واعترف ببعض التقصير وتعهد بإصلاحه ثم شكرنا وأنهى الاجتماع. ظللت أياماً أراقب علاقة الدكتور ويبر بالطلبة الذين انتقدوه بقسوة فوجدت معاملته الطيبة لهم لم تتغير.

هاتان الواقعتان أتذكرهما معاً. فى جامعة القاهرة الأستاذ دائما على حق حتى لو أخطأ حفاظا على هيبته أمام الأطباء الشبان، وفى جامعة إلينوى يطلب منك أستاذ كبير أن تقول ملاحظاتك السلبية على عمله ثم يستمع ويشرح ويعترف بتقصيره ويعد بإصلاحه.

هذا هو الفرق بين الاستبداد والديمقراطية. لو أنك بحثت فى كل وسائل الإعلام الغربية عن كلمة «هيبة الدولة» فلن تجدها أبداً لأن الهيبة الوحيدة للقانون. أما فى مصر فإن مصطلح الهيبة شائع ومتكرر وهو يخفى دائماً ظلماً وتعسفاً.. هيبة الدولة معناها الاستبداد بحياة المواطنين وهيبة الشرطة معناها قمع المواطنين وضربهم وتعذيبهم وتلفيق التهم لهم إذا اعترضوا.

هيبة القضاة معناها ألا تجرؤ على أن تنقد قاضياً حتى لو اشترك فى تزوير الانتخابات أو ثبت أن له علاقة بأمن الدولة. هيبة الرئيس معناها أن يحاكم ويسجن أى شخص بتهمة إهانة الرئيس، بل إن مفهوم الهيبة ينتقل كالعدوى. بعد أن صار رئيس مصر من الإخوان انتقل الإحساس بالهيبة إلى قياديى الإخوان فصاروا يتعاملون مع خلق الله باستعلاء وغطرسة. منذ أيام أجرى القيادى الإخوانى عصام العريان مداخلة تليفزيونية مع مذيعة من أفضل الإعلاميين المصريين هى جيهان منصور ولما احتدم النقاش اتهم «العريان» المذيعة بالرشوة وأكد أنها تقبض من جهات ما لتهاجم الإخوان.

لا يوجد فى العالم الديمقراطى ما يسمى «هيبة الدولة أو رموز الوطن».. هذه مصطلحات الاستبداد. فى الديمقراطية لا توجد هيبة إلا هيبة القانون ولا يوجد رمز للوطن إلا المواطن نفسه. الإنسان الذى أنشئت الدولة أساساً لحماية حقوقه وكرامته.. الحاكم فى مجتمع الاستبداد هو رمز الوطن لأنه بمثابة شيخ القبيلة، فهو يعرف مصلحتنا أكثر منا ويقرر بالنيابة عنا وهو يأمرنا فنطيع وغالبا ما يكون ظالماً وفاسداً لكننا لا نجرؤ على محاسبته لأن ذلك يعد مساساً بهيبة الدولة وتطاولاً على رموز الوطن.. فى البلاد الديمقراطية الحاكم خادم الشعب بمعنى الكلمة، من حق أبسط مواطن ولو كان كناساً فى الشارع أن يحاسب الرئيس وأن يشتد فى نقده فلا يعاقبه أحد، بل إن القانون فى البلاد الديمقراطية يحمى المواطن العادى من السب والقذف ولا يحمى رئيس الدولة.

لو أنك قلت لجارك أمام الشهود: «أنت كذاب وأفاك» يستطيع أن يقاضيك ويحصل على تعويض أما لو ظهرت فى التليفزيون وقلت إن رئيس الوزراء أفاك وكذاب فلن يعاقبك القانون لأنه يسمح بنقد المسؤول الحكومى مهما كان النقد قاسياً ومقذعاً تحقيقاً للصالح العام. فى مصر يبدو الرئيس مرسى مستمتعاً بمحاكمة المصريين وحبسهم بتهمة إهانة الرئيس. هناك مواطن اسمه بيشوى البحيرى يقضى عامين فى السجن لأنه أهان الرئيس مرسى على موقع فيس بوك وكأن رئيس الدولة ذات مقدسة لا تمس. الرئيس مرسى نفسه تربى فى جماعة الإخوان المسلمين التى ينشأ أعضاؤها على الطاعة المطلقة وتقبيل يد المرشد، ولقد رأينا فى تسجيل فيديو كيف يتزاحم أعضاء الإخوان حتى يفوز المحظوظ منهم بوضع الحذاء فى قدم المرشد الكريمة الطاهرة. من تربى فى هذا الجو سوف يحمل ثقافة الاستبداد قطعاً. بعد أن نجح الرئيس مرسى فى تنحية المجلس العسكرى عن السلطة دعا إلى القصر الجمهورى بعض الشخصيات العامة كنت بينهم. ذلك اليوم وجهت إلى الرئيس سؤالاً محدداً:

ــ لماذا قمت بتكريم المشير طنطاوى والفريق عنان بينما تطالب القوى الثورية بمحاكمتهما على المذابح التى حدثت فى عهدهما..؟! وهل يعتبر تكريمك لهما نوعاً من الاتفاق معهما على الخروج الآمن بحيث تضمن لهما عدم ملاحقتهما قانونياً..؟!

عندئذ أجاب الرئيس مرسى بحماس:

ــ أريد أن أؤكد لكم جميعاً أنه بعد الثورة لا يوجد أى شخص فوق المحاكمة حتى لو كان المشير طنطاوى أو الفريق عنان.

هذا ما قاله الرئيس أمام شهود كثيرين وكالعادة فعل عكس ما يقول. فى الأسبوع الماضى تدفقت البلاغات ضد المشير طنطاوى والفريق عنان تتهمهما بالكسب غير المشروع وتضخم الثروة بينما هما موظفان عموميان لهما رواتب ثابتة وتتهمهما أيضا بالمسؤولية عن قتل المصريين فى المذابح التى حدثت فى عهدهما.. كل هذه اتهامات جدية تستدعى المحاكمة لكن الجيش أصدر بيانا يدين فيه إحالة طنطاوى وعنان إلى المحاكمة ويعتبر ذلك تعدياً على هيبة القوات المسلحة وإهانة لرموز الوطن..

أما الرئيس مرسى فقد تملّكه الخوف وأعلن فى اليوم التالى أنه لن يسمح أبداً بإهانة رموز الجيش ولا قياداته الحالية أو السابقة.. كما أكد الرئيس أنه يريد أن يطمئن الجيش على مخصصاته وميزانيته ومشروعاته التى لن يمسها أحد.. إن المنطق الذى يقدمه بيان الجيش وهو يرفض محاكمة طنطاوى وعنان يعنى ببساطة أن المصريين ليسوا سواء أمام القانون. مادمت ضابطاً كبيراً فى الجيش فمن حقك أن تفعل ما تشاء وليس لأحد أن يحاسبك لأنك أصبحت رمزاً للوطن. من حق أى قائد للجيش، إذن، أن يأمر جنوده فيقتلوا المتظاهرين ويلقوا بجثثهم فى القمامة ويسحقوهم بالمدرعات ويهتكوا أعراض البنات ويسحلوهن فى الشوارع. وليس من حقنا أن نحاسب أحداً على هذه الجرائم حفاظاً على هيبة الجيش.

من حق قائد الجيش أن يقتنى القصور والأراضى الشاسعة ويراكم ثروة ضخمة ولا يجرؤ أحد على سؤاله «من أين لك هذا؟!»، لأنه صار رمزاً للوطن لا تجوز مساءلته.. فى مصر التى يعيش نصف سكانها تحت خط الفقر تنشئ القوات المسلحة مشروعات بالمليارات لا نعرف عنها شيئاً. أموال طائلة نرى آثارها على بعض قادة الجيش ولا نعرف أبداً حجمها ولا مصدرها ولا طريقة توزيعها وكأن الجيش قد صار دولة داخل الدولة. إن احترامنا واعتزازنا بالقوات المسلحة ثابت وعميق لكن حماية المخطئين لأنهم عسكريون سلوك ظالم لا يمكن قبوله فى دولة محترمة. إذا كان الرئيس مرسى يرى فى محاكمة المشير طنطاوى والفريق عنان مساساً بهيبة الجيش فلماذا يوافق على محاكمة أحمد

شفيق الذى كان قائدا للطيران وبالتالى يعتبر رمزا للوطن مثل طنطاوى..؟! وإذا كان ذلك منطق مرسى فلماذا يوافق على محاكمة مبارك.. ألا يعتبر أيضاً رمزاً للوطن؟!

وهل يجوز محاكمة جمال وعلاء مبارك.. ألا يعتبران أيضاً رمزين (ولو صغيرين) للوطن مثل أبيهما.. فلنتعلم من الآن فصاعدا أن الوطن ليس له رموز.رمز الوطن الوحيد هو المواطن. الدولة ليس لها هيبة لكنها تستمد هيبتها من قوة القانون وليس من حماية القتلة والفاسدين.. إن صورة الرئيس مرسى الآن أوضح من أى وقت مضى. الرئيس مرسى رجل يعد ولا يفى أبداً وهو يقول كلاماً جميلاً ويأتى بأفعال قبيحة. الرئيس مرسى مصر على إبقاء الإخوان المسلمين كتنظيم خارج القانون وفوق المحاسبة. إننا لا نعرف ميزانية الإخوان ولا نعرف إذا كانوا يتلقون تمويلاً من داخل مصر أو خارجها، بل إننا لا نعرف إن كان الرئيس مرسى يتخذ قراراته بنفسه أم أنه يتلقى تعليماته من مرشد الإخوان الذى قد يكون الحاكم الفعلى لمصر، بل يتضح الآن لنا ما هو أخطر: لقد عقد الرئيس مرسى اتفاقاً للخروج الآمن مع المجلس العسكرى ضمن فيه عدم ملاحقة أعضائه قضائياً وهكذا تنكر الرئيس لدماء الشهداء وأعطى عفواً لا يملكه إلى من لا يستحق.. مرة أخرى تخلى الإخوان عن الثورة وباعوا مبادئها من أجل السلطة.

لقد قامت الثورة المصرية من أجل الحق والعدل.. لن تسمح الثورة بأن يكون أحد فوق المحاسبة مهما يكن منصبه فى الدولة.. الثورة مستمرة حتى تتحقق أهدافها كاملة.

الديمقراطية هى الحل.

السبت، 20 أكتوبر 2012

قميص عثمان - نجاد البرعي

المصري اليوم 19/10/2012

يحيى الرفاعى وأحمد مكى قاضيان ذاع صيتهما عندما نظما مؤتمر العدالة الأول فى ثمانينيات القرن الماضى، صدعا بكلمات الحق الطيبات فى وجه الرئيس مبارك، العدل أساس الملك، لا يقوم عليه إلا قضاء مستقل. سلسلة متصلة من القضاة العظام لا تبدأ بـ«ممتاز نصار»، ولم تقف عند «وجدى عبدالصمد». مع «يحيى الرفاعى» و«أحمد مكى» خرجت مجموعة من أفضل القضاة وأنبلهم: زكريا عبدالعزيز، حسام الغريانى، ناجى دربالة، محمود مكى، هشام البسطويسى، يحيى جلال، محمود الخضيرى، زغلول البلشى، هشام جنينة، وغيرهم مئات صدقوا ما عاهدوا الله عليه، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. مدرسة الرفاعى - مكى ربطت النضال من أجل استقلال القضاء بالنضال من أجل الحرية والديمقراطية، قضيتهم قضية وطن يعانى من الفساد والاستبداد، استقلال القضاء يظل منقوصاً ما ظل المستبدون فى الحكم.

لم يسقط الاستبداد فى يناير ٢٠١١، بدأسقوطه يوم أصدرت دائرة المستشار حسام الغريانى ومعه المستشارون عبدالرحمن هيكل وناجى دربالة وهشام البسطويسى ومحمود مكى فى مايو ٢٠٠٣ حكماً ببطلان انتخابات مجلس الشعب بدائرة الزيتون، الفائز هو السيد زكريا عزمى، رفضوا تدخل رئيس محكمة النقض فى قرارهم دفاعاً عن استقلال القضاء. تضعضعت أركان النظام المستبد فى مايو ٢٠٠٥ عندما وقف أحمد مكى وزكريا عبدالعزيز وحسام الغريانى والمئات من شيوخ القضاة وشبابهم على درج دار القضاء العالى مرتدين أوسمتهم، يلفهم علم ضخم لمصر، بلغ طوله ثلاثين مترا، لم يكونوا يطالبون باستقلال القضاء فحسب ولكن بالحرية والديمقراطية للمصريين كلهم. لم يكن طريقهم مفروشاً بالورود، دفعوا ثمناً لمواقفهم يوم كان غيرهم يلتقط الفتات من يد الجلاد. فى إبريل ٢٠٠٦، أحيل محمود مكى وهشام البسطويسى إلى لجنة الصلاحية تمهيدا لفصلهما، وبعدهما أحيل حسام الغريانى ويحيى جلال وعاصم عبدالجبار وناجى دربالة إلى التحقيق عقاباً لهم على مطالبتهم باستقلال القضاء.

لا يمكن لمن أفنوا زهرة شبابهم دفاعا عن استقلال القضاء أن يكونوا أعوانا للسلطة فى النيل من هذا الاستقلال. الرجال الذين رفضوا عطايا الرئيس مبارك وقت أن كان يعطى بسخاء للتفريط فى استقلال القضاء، لن يقبلوا وهم شيوخ عطايا غيره. ليست مشكلة أحمد مكى أنه خان استقلال القضاء، مشكلته أنه قرر أن يحارب الفساد، اختار يحيى جلال للكسب غير المشروع، وجاء بهشام جنينة للجهاز المركزى للمحاسبات. يوم الحساب اقترب، وأى حصانة ما عادت كافية لحماية الفاسدين. إخوة «يوسف» جاءوا على قميصه بدم كذب علّهم يفلتون بجرائمهم.. ستكون غلطة لن تغتفر لو اعتبر بعضنا الهجوم على «مكى» ورفاقه هجوماً على الإخوان المسلمين ونيلاً من حكمهم، ليسوا سواء. لا تقدموا للفساد فرصة كى يفلت بجرائمه، لو كان لدينا قضاء مستقل ونزيه، حقيقة ما ظهر الفساد فى البر والبحر. الفساد هو المعركة، واستقلال القضاء هو فقط قميص عثمان.

http://today.almasryalyoum.com/article2.aspx?ArticleID=357386&IssueID=2659