الأحد، 14 أكتوبر 2012

نظرة إلى المحاكمات الجنائية لجرائم الثورة - محمد عماد النجار

الشروق 13 اكتوبر 2012

صدر حكم محكمة جنايات القاهرة فى قضية العصر معلنا عن إدانة رئيس الجمهورية السابق ووزير داخليته بالسجن المؤبد، وبراءة جميع مساعدى وزير الداخلية من تهم قتل المتظاهرين، كما صدر حكم محكمة الجنايات فى قضية موقعة الجمل ببراءة جميع المتهمين، وقد لاقى كلا الحكمين فضلا عن أحكام البراءة الأخرى حالة عامة من خيبة الأمل لدى قطاع عريض فى الشارع المصرى، وهو ما يمكن إرجاعه إلى أسباب عدة. أهمها:



أسباب صدمة المجتمع:



أولا: أن من المتيقن أن بعضا ممن قضى ببراءتهم متورطون فى ارتكاب جرائم قتل الثوار السلميين، وعديد من الجرائم السابقة عليها، والتى كانت وقود الثورة، إذ الثابت أن الفترة السابقة على اشتعال نيران الثورة كانت تشهد افتئاتا جسيما على الحقوق والحريات، بلغ فى بعض الأحيان حدود جرائم القتل بالدم البارد كان ضحيتها العديد من المواطنين الشرفاء، ولا شك أن هذه الجرائم سواء منها السابق على الثورة أم اللاحق عليها لم تكن إلا بتدبير، أو أمر، أو علم، بعض الأيدى التى قضى ببراءتها أو بتواطؤ منها، إذ إن عقيدة المجتمع قد اتفقت على أن هذه الجرائم ما كانت لترتكب لولا أوامر صدرت من أكابر رؤسائهم الذين قدموا للمحاكمة وبرئوا منها، وبغض النظر عن مسئولية أى منهم على انفراد عن تنفيذ هذه الجرائم، فإن أحدهم أو بعضهم أو جميعهم هو من أصدر أو أصدروا الأمر بارتكاب هذه الجريمة، ومن هنا كانت الصدمة إذ جاء هذا الحكم مطهرا ــ على خلاف الحقيقة ــ لأيديهم من دماء المصريين.



ثانيا: أن المجتمع حبس أنفاسه إزاء أحكام البراءات التى صدرت فى الجرائم التى وقعت فى محيط الأقسام فى أثناء الثورة استنادا إلى قاعدة الدفاع الشرعى، ذلك أن ظاهر الحال يشهد بأن وقوع الجريمة فى محيط الأقسام من ضباط بداخلها يكشف عن أن الضباط كانوا فى أوضاع الدفاع الشرعى عن أقسامهم ما ينفى عن أفعالهم معنى الجريمة، إلا أن هذا الوضع كان يبرر من جانب آخر تهيئ المجتمع لمسئولية الضباط عن الجرائم التى ارتكبت بعيدا عن تلك الأقسام، على متظاهرين سلميين وأريقت فيها دماء بريئة، ولقد كان المجال الخصب لهذه المسئولية فى قضية العصر التى اتهم فيها رموز هذا النظام، ومن ثم فقد كانت خيبة الأمل بالغة عند القضاء ببراءة رموز وقر فى يقين المجتمع مسئوليتهم عن هذه الجرائم وتورطهم فيها من غير شك.



ثالثا: أن الفساد المالى والسياسى لم يكن ببعيد عن بعض من هذه الأسماء، فكانت تشهد ظواهر الحال أن البعض منهم كون ثروات طائلة من المال الذى تحوطه شبهة الكسب غير المشروع. وأن ذلك كان بمثابة مكافأة من النظام السابق على صنيعهم فى توطيد أركانه خصما من حقوق وحريات الأفراد.



رابعا: أن أحكام البراءة حملت رسالة مرعبة إلى المجتمع حاصلها، أن سياط السلطة الغاشمة مازالت رغم الثورة فى مأمن من العدالة، وهذا نذير سوء فى المقبل من الأحداث، فإذا كان فى وسع رجال الدولة القديمة أن يتواطأوا على إخفاء الأدلة فى جريمة العصر عن أعين ثورة وشعب بأكمله، فإذن ما ينتظر قابل الأمر مزيد من الجرائم بما يعنى استدامة عناصر الجريمة السياسية وقدرة رموز هذا النظام على طمس الحقائق ومواصلة سيرها نحو الاستبداد.



•هل عجز النظام القضائى المصرى عن تحقيق العدالة؟



ـ والحقيقة أن المنطق القضائى الذى يتبناه المجتمع لم يصمد بحججه التليدة أمام هذه الآلام، ولا أمام تشوف الشعب وتشوقه إلى روح العدالة وبعث الطمأنينة فى نفسه إزاء المستقبل.



فإذا كان القضاء ينطلق من مسلمة أن الأصل فى الإنسان البراءة، ولأن يخطئ القاضى فى العفو خيرا له من أن يخطئ فى العقاب، ولأن يبرأ ألف مجرم خير من أن يظلم واحد بجريرة لم يرتكبها، كل ذلك لم يشفع لدى الرأى العام فى تبرير قبول هذا الحكم. ذلك أن اللحظة كانت لحظة حسم لتصفية ميراث ثقيل من الظلم، واستشرف فيها المجتمع المصرى متنفسا له من ماضٍ مؤلم، طامحا لبدء صفحة جديدة من العدالة، فإذ به يصدم فى عجز النظام القضائى عن تحقيق العدالة.



لقد تعالت الأصوات مطالبة بمحاكمة استثنائية أمام محكمة ثورية تلبى طموحات الرأى العام، إلا أن هذه الدعوات هى الأخرى لم تلق قبولا بالنظر لما هو معلوم من أنها تكون على حساب العدالة، ومن ثم فهى وإن حققت الإدانة فإن ذلك سيكون على حساب الضمير العام إذ سيكون معلوما مقدما أن ذلك خصما من رصيد العدالة. وهو الأمر الذى كان دافعا لكاتب هذا المقال لأن يقف على رؤية قانونية تحقق عدالة المحاكمة ولا تفلت الجانى من العقاب.



المعالم الرئيسة للنظام الإجرائى المصرى



الحقيقة أن الأمر يقتضى الوقوف على المفردات الأساسية التى اعتنقتها المدرسة التى اتبعها النظام الإجرائى المصرى، ومعلوم للكافة أن النظام الإجرائى المصرى مأخوذ من النظام اللاتينى المتبع فى فرنسا وإيطاليا حتى فترة قريبة، ويقوم هذا النظام على العناصر الآتية:



أن الدولة هى الكيان المؤتمن على الدعوى العمومية، وأن أجهزتها بما فيها النيابة العامة هى التى تقبض على أدوات إقامة الدليل على الجريمة، وهى التى تستأثر بسلطة تحريك الدعوى الجنائية أمام القضاء، وأن القضاة المعينين من قبل الدولة هم من يستطيعون الفصل فى تقويم هذه الأدلة والقضاء بإدانة المتهم أو ببراءته، ثم تحديد العقوبة المناسبة للفعل فى ضوء ما ينتهى إليه قرار المحكمة. ويؤسس لهذا النظام فى الفكر الجنائى اللاتينى بأن الجريمة فى حقيقة الأمر لم تقع على المجنى عليه وحده وإنما وقعت على المجتمع بأثره، ومن ثم فهو الذى يحق له أن يمسك بناصية الدعوى الجنائية قبل المتهم ولو قعد المجنى عليه عن ذلك وأداته فى ذلك النيابة العامة.



وإذا كان هذا النظام قد عرف بعض الاستثناءات أقر فيها للمجنى عليه أن يباشر دورا فى تحريك الدعوى الجنائية فى ظل نظام الإدعاء المباشر، فإن هذا الدور ظل محددا، فاقتصر على سلطة تحريك الدعوى الجنائية فى بعض الجنح أو طلب التعويض من المحكمة الجنائية فى الجنايات، إلا أن هذا الاستثناء لم يكن يسلم له بأى قدر فى تحقيق الدعوى أو جمع الأدلة القائمة على الجريمة، ولا بأى دور اجتماعى لأفراد المجتمع فى تقرير الإدانة.



فى المعالم الرئيسية للنظام الأنجلوسكسونى



ويقابل هذا النظام، النظام الأنجلوسكسونى وهو السائد فى بريطانيا والولايات المتحدة، وهو نظام يقوم على أن الجريمة وإن كانت تمس من حق المجتمع فإنها فى حقيقة أمرها وقعت على المجنى عليه، وهو الطرف المضرور الرئيسى فيها، ومن ثم فإن له الحق الأكبر فى تحريك إجراءات الدعوى جنبا إلى جنب مع أجهزة الدولة، بل وتظهر حقيقة سلطته حال تقاعس أجهزة الدولة عن تحريك الدعوى فى مراحلها المختلفة.



ويخلص هذا النظام إلى النتائج الآتية:



1ــ حق المجنى عليه فى البحث عن أدلة الجريمة جنبا إلى جنب مع أجهزة الدولة، وهو لهذا له أن يستعين بشركات التحقيق الخاصة التى تتولى البحث عن الأدلة فى الجريمة لتباشر عملا قانونيا معترفا به ويمكن أن ينبنى عليه حكم الإدانة.



2ــ حق المجنى عليه فى تحريك الدعوى الجنائية استقلالا سواء أمام المحكمة فى القضايا البسيطة، أو أمام قاضى التحقيق فى الدعاوى الجسيمة.



3ــ علانية أعمال قضاة التحقيق «كأصل عام» أمام الجمهور بما يتيح للرأى العام مراقبتها، وأحيانا مساعدتها، بإمدادها بالأدلة اللازمة لإثبات الجريمة.



4 ــ الفصل بين قضاء الإدانة، وبين الحكم بالعقوبة، فيختص المحلفون، وهم من الشعب يختارون وفق ضوابط موضوعية، ولكن بطريقة عشوائية، فتتحدد الطوائف الاجتماعية التى يمثل منها المحلفون سواء من حيث السن أو الجنس أو المهنة، ثم يأتى الاختيار بعد ذلك عشوائيا من بين هذه الطوائف، وتختص هيئة المحلفين بالفصل فى مسألة الإدانة من عدمها، فتفصل فى صحة وقوع الجريمة ونسبتها إلى فاعلها ومسئوليته عنها، بينما تتولى المحكمة إذا ما قضى بالإدانة، القضاء بالعقوبة المناسبة، ويمكن أن يؤسس لفكرة اختيار المحلفين من أبناء الشعب أن تكون سلطة القضاء مصدرها الشعب، فهو الذى يقر فى يقينه ويقين أبنائه ما إذا كان الفعل المنسوب إلى المتهم ثابتا فى حقه من عدمه، وحتى لا يحقق الحكم أى صدمة اجتماعية نتيجة عدم توافقه مع توقعات الشعب، ولا شك أن عمل المحلفين، وعلانية جلسات التحقيق، وهى التى تهيئ إلى توقع الحكم توقعا صحيحا بحيث تكون أدلته قد اختمرت فى الضمير العام وتشكلت ردود الأفعال عليها من خلال التعاطى فى تقويم قوتها وما يقوم على مناقضتها ويضعف من أثرها فى الإثبات، كل ذلك من شانه أن يُكَوِّنَ رأيا عاما ناضجا يصلح لتلقى الحكم الذى يتنبأه المجتمع بحسب الأغلب الأعم، ليكون دور القاضى بعد ذلك محدودا فى تقويم المسائل القانونية كأسباب الإباحة وموانع المسئولية وغيرها، وتقدير العقوبة المناسبة للعمل الذى أثبته المحلفون على المتهم.



ولقد كان هذا النظام دوما فى مصر موضعا للعديد من سهام النقد، فيقال عنه إنه يوكل أمر الخصومة الجنائية إلى غير المتخصصين ممن يغلب تعرضهم للتأثير العاطفى وقوة الرأى العام على قراراتهم، ويعدد البعض أحوالا كان فيها قرار هيئة المحلفين قد خالف حقيقة الواقع متأثرا بالاعتبارات العاطفية والوقوع تحت حبائل الدفاع وضجيج التأثير الإعلامى فى المجتمع، وغير ذلك من أسباب تؤثر فى حيدة قرار هيئة المحلفين عن جادة الصواب، والحق أن ما يقال من نقائض هذا النظام يصدق وبذات الدرجة على النظام القضائى الذى تتبعه النظم الآخذة عن النظام اللاتينى، وقد يزيد عليها بعيب الانغلاق، إذ إن العزلة الدائمة التى تفرضها التقاليد القضائية على القضاة قد تؤدى إلى ابتعادهم عن نبض الحياة فى الوطن على نحو يحول دون تلبية الشعور العام للمجتمع بالعدالة، وهو ما ينال من الثقة العامة فى المجتمع والعدالة، ولعل هذا السبب هو الذى برر لنظام عتيد يعد من الركائز الأساسية للنظام اللاتينى، وهو النظام الإيطالى، لأن يتحول تحولا دراماتيكيا صوب النظام الأنجلوسكسونى عندما أصدر القانون رقم 447 بتاريخ 16 فبراير سنة 1988 متبنيا العناصر الأساسية للنظام الأنجلوسكسونى، معليا من حق المضرور فى الجريمة فى مشاركة مجتمعه فى البحث عن أدلتها، ومقرا له بحقه فى توجيه الخصومة جنبا إلى جنب مع أجهزة الدولة الرسمية، ومعليا كذلك من حق المجتمع فى المشاركة فى عملية المحاكمة الجنائية سواء بالمراقبة أثناء مرحلة التحقيق، أو المساهمة فى تقرير الإدانة من خلال نظام المحلفين، ثم إتاحة الفرصة أمام جهات التحقيق لأن تتفاوض مع بعض الجناة قصد الكشف عن أدلة أخرى ومجرمين آخرين فيما يعرف باتفاقيات الحماية القضائية، وقبول معاملة تفضيلية للجناة الذين يعترفون بجرائمهم.



مقترحات تطوير النظام القضائى المصرى



إذ كان الأمر كذلك، وكان البين للرأى العام فى هذه الفترة المفصلية الحرجة أن التقوقع حول مفردات النظام اللاتينى يعد خصما من مصداقية النظام القضائى الجنائى، فضلا عن انه يعد إلى حد بعيد عاجزا عن بلوغ غايات النظام الجنائى، ومن ثم فإننا نرى وجوبا إعادة النظر فى هذا النظام برمته لاختيار أوفق الحلول القانونية التى تحقق الرضا العام وتوثق مصداقية القضاء فى الوطن، إلا أننا نقترح على وجه العجل، وبصورة لا تحتمل الإرجاء إصدار تشريع لمحاكمات الثورة يتبنى مفردات النظام الأنجلوسكسونى، ويكون قوام ذلك العناصر الآتية:



1ــ إنشاء نظام قضاة التحقيق وفقا لأسس التحقيق العلنية التى يتاح فيها للجمهور المشاهدة الحية لأعمال التحقيق، ومتابعة إجراءاتها منذ باكورة أعمالهم.



2ــ السماح للجمهور بالمشاركة بتقديم ما لديهم من أدلة، سواء أكانت شهادات أو مقاطع تصويرية، أو أعمال خبرة، أو غيرها مما يساهم فى تضامن أبناء المجتمع فى حشد الأدلة على الاتهام، ويمكن تنظيما لذلك أن تكون هذه المساهمات بناء على طلبات تقدم إلى قضاة التحقيق العلنى تسجل فى دفاتر معدة لذلك، ويكون رفض سماع الدليل أو الحرمان من طرحه مقرونا بقرار مسبب يبين فيه القاضى عند تصرفه فى الدعوى سواء بالإحالة أو الحفظ سبب رفض سماع هذا الدليل.



3ــ تمكين قضاة التحقيق العلنى من إجراء مفاوضات سرية مع بعض المتهمين يدلى بمقتضاها المتهم باعترافات عن متهمين آخرين ويكون من شأنها كشف أدلة لم تكن معلومة من قبل سواء تعلقت بجرائم أخرى، أو بذات الجريمة، ويكون ذلك لقاء اتفاق ملزم من المعترف يخوله الحماية القضائية من مسئوليته عن الجريمة التى ارتكبها واعترف بها.



4ــ تخويل المتهم المعترف بجريمته معاملة عقابية أخف من المتهم المنكر، ويكون لقاضى التحقيق العلنى الحق فى إبرام تعاقد معه يحدد مقدار هذه المعاملة العقابية الأخف منظورا فى هذا الاتفاق مقدار خفاء المعلومات التى اعترف بها المتهم عن أجهزة التحقيق.



5ــ أن يكون لقاضى التحقيق العلنى أن يصدر أمرا إما بحفظ الدعوى (وهو ما يعرف قانونا بألا وجه لإقامة الدعوى)، وإما بإحالتها إلى هيئة المحلفين، ويحدد لها الواقعة القانونية التى تدعى إلى الفصل فيها.



6ــ تتشكل هيئة المحلفين ــ فى جرائم الثورة ــ من عدد فردى نرى أن رقم (19) يكون أوفق لما له من اتساع عددى يسمح بتضمينها عددا كبيرا من المحلفين يكون أقرب للتعبير عن الرأى العام، وإذا كان نظام المحلفين بحسب الأصل يكون من كل أبناء الشعب دون تمييز، فيحسن فى هذه التجربة الوليدة أن يقتصر تشكيلها على الجامعيين من تخصصات مختلفة تتسع لتشمل رجال القانون والطب والهندسة والجيش والشرطة والزراعة ورجال الصناعة والرأسماليين وغيرهم، ولا بأس بأن يكون اختيارهم فى أول الأمر انتقائيا من عناصر مشهود لها بالحيدة. وتختص هيئة المحلفين إما بتقرير إدانة المتهم من حيث المبدأ أو براءته، فإذا قررت إدانته فإنها تحيل الدعوى إلى قاضى الحكم الذى يتولى الفصل فى مسألة وجود سبب إباحة أو مانع مسئولية ثم يتولى تقدير العقوبة فى ضوء العناصر العامة لذلك.


فإذا أثبت هذا النظام نجاحه فى هذه التجربة المحدودة، فإن ذلك يصلح لأن يكون سندا لتعديل شامل لقانون الإجراءات الجنائية، بما يحقق أهداف النظام الجنائى فى العدالة الناجزة.

والله الموفق والمستعان..

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=13102012&id=6b33f865-e50d-47d6-b239-ad4b84371dec

الأربعاء، 3 أكتوبر 2012

ماذا أهم من إضراب الأطباء؟ - تامر وجيه

المصري اليوم 2/10/2012

حتى تعيش بكرامة لابد أن تعيش أولًا. لا شيء يسبق الحق في الحياة.

لذلك فأنا لم أفهم أبدًا كيف يمكن أن يسمح المجتمع بأن يموت إنسان، أو يعيش كالميت، لأنه لم يجد المال الكافي لـ«شراء» حقه في الحياة.

قد أفهم أن يُحرم إنسان من حقه العادل في أن يذهب في رحلة صيفية على شاطئ البحر مع أسرته أسبوعًا واحدًا كل عام. قد أفهم كونه لا يجد فائضًا ليشتري ملابس جديدة بدلًا من تلك التي اهترأت. بل حتى قد أفهم حرمانه من التعليم لأنه فقير ولا يجد قوت يومه. لكني لا أفهم مطلقًا كيف يُمنع عنه أبسط حقوقه: حقه في الحياة؟

يعيش المصريون في ظل نظام اجتماعي يندى له جبين الإنسانية. ففي العقد الثاني من المائة الأولى من الألفية الثالثة بعد ميلاد السيد المسيح لا يجد فقراء هذا البلد، بل كذلك الكثيرون من متوسطي حالها، الحد الأدنى من الرعاية الصحية المقبولة.

في عام 2009 أُصيب صديق أجنبي مقيم عندي بأزمة قلبية حادة. وبعد أن طلبنا الإسعاف الحكومي الذي جاء متلكئًا، ظللنا نَدُور على المستشفيات، ومريضنا بين الحياة والموت، علّ واحدا منها يقبله في قسم الرعاية المركزة. لم نجد سريرًا واحدًا شاغرًا يقبل المريض، فمات وهو حائر على الطرقات، وذلك رغم أني أقيم في إحدى ضواحي الطبقة الوسطى العليا بالقاهرة، وكنت مستعدًا لدفع كثير من المال لإنقاذ حياته.

ورغم أني لا أحب أن أحوّل هذا المقال إلى مرثية شخصية، إلا أني أشعر أنه يتوجب عليّ الإشارة إلى تجربتي الشخصية مع المرض. فمنذ أن أصبت عام 2006 بأزمة قلبية وأنا أحتاج شهريًا إلى حوالي 300 جنيه مصاريف أدوية، هذا عدا تكلفة زيارات الطبيب والأشّعات الدورية. كم مصريًا يمكنه تحمل هذه التكلفة؟ والأهم: كم مصريًا مصابا، في زمننا السعيد هذا، بهذا المرض المزمن أو ذاك، من القلب إلى السكر إلى الضغط إلى الفيروس الكبدي؟ إنها كارثة ولا شك.

جريمة

إن نظامنا الصحي جريمة تُرتكب في حق المصريين؛ جريمة لها فاعل، ومحرضون ومستفيدون، وضحايا. الفاعل هو الدولة، والمحرضون والمستفيدون هم الرأسماليون ومهندسو نظام السوق الحرة، والضحايا هم الشعب الكادح وغالبية الأطباء.

على مدار الأعوام الأربعين الماضية، كان المسؤولون عن السياسة الصحية في مصر يعملون بدأب واجتهاد على تحويل الطب من خدمة إلى سلعة.

فحقيقة أن ميزانية الصحة لا تزيد على 4,8% من ميزانية الدولة (أقل من ثُلث النسبة المقررة عالميًا وهي 15%)، وحقيقة أن حوالي ربع هذه الميزانية يذهب إلى ديوان وزارة الصحة (خاصة رواتب وحوافز وبدلات كبار موظفيها)، وحقيقة أن جزءًا لا بأس به من هذه الميزانية يتم نهبه وإهداره بطرق مختلفة، تعني بالضرورة طرد أطراف العملية الطبية من دائرة «الخدمة الإنسانية» وإجبارهم على الالتحاق بدائرة «المنافسة في الأسواق».

فبما أن الميزانية الهزيلة، والمنهوب جزء كبير منها، لا يمكنها أن تموّل ولو حتى جزءا بسيطا من احتياجات المواطنين في الخدمات الطبية معقولة المستوى، فإن قطاعًا كبيرًا من المرضى أصبح مضطرًا للبحث عن الخدمة في السوق الخاصة: العيادات الخاصة للأطباء، المستوصفات الخاصة (خيرية وغير خيرية)، والمستشفيات الخاصة. قطاع آخر من المرضى، القطاع الأكثر حظًا ماليًا وطبقيًا، بحث لنفسه عن مظلة تأمينية خاصة توفرها النقابات المهنية أو المؤسسات والشركات.

وبنفس المنطق، فإن الأطباء العاملين بالقطاع الحكومي مضطرون، نظرًا لتدني الأجور التي يحصلون عليها، إلى العمل في وظائف إضافية بالقطاع الخاص يعطونها معظم وقتهم وكل اهتمامهم.

وهكذا التقى العرض والطلب: مرضى لا يجدون الخدمة المجانية فيهرولون إلى الأسواق بحثًا عن السلعة المشتراة، وأطباء لا يجدون الأجر العادل فيسارعون إلى الأسواق لإقامة أودهم.

المرضى وغالبية الأطباء لا حكم لهم على الأسواق. من يتحكم في الأسواق هم كبار الرأسماليين ومتوسطيهم من ملاك المستشفيات والمستوصفات والعيادات الكبيرة. يعمل الأطباء الصغار لدى هؤلاء بأجور زهيدة، ويذهب المرضى إليهم بأسعار كشف باهظة. ويستفيد من هذا النظام كبار موظفي وزارة الصحة الذين يقتطعون من ميزانية الصحة جزءًا كبيرًا يدفئون به جيوبهم.

لا أظن أننا سنختلف إن قلت إن أحدًا من أطراف التحالف بين سادة الرأسمالية الطبية وكبار رجال الدولة ليس من مصلحته تغيير النظام القائم. فلو غيّرت الدولة أولوياتها وقلصت الإنفاق على القمع ودعم الرأسماليين ورواتب المستشارين وكبار البيروقراطيين، لو رفعت ميزانية الصحة فأعطت المريض الخدمة التي يستحقها والطبيب الأجر العادل، لبارت السلع الطبية المباعة في الأسواق وتراجعت أرباح تجار الحياة.

الإضراب

لو اعترفنا بأن الخدمة الطبية المقدمة في مستشفيات وزارة الصحة أكثر من سيئة، لعرفنا أن الإضراب الجزئي للعاملين بتلك المستشفيات ليس خطرًا على صحة المرضى، بل خطر على نظام تسليع الطب والمستفيدين منه.

أشعر بالفخر الشديد لأنه يوجد في بلدي أطباء بهذا الرقي والإنسانية. مطالب الأطباء والعاملين بالمهن الطبية مصممة خصيصًا لكسر الدائرة الجهنمية لتسليع الحق في الحياة. فهم يطلبون رفع ميزانية الصحة إلى 15%، ورفع أجور العاملين بالمجال الطبي، وتغيير نظام الإدارة الفاسد الحالي، إلى جانب تأمين المستشفيات من مخاطر البلطجة. هذه المطالب في مجموعها من شأنها، إذا ما تم تطبيقها، أن تقضي على الأسباب التي طردت المريض والطبيب من دائرة «الخدمة الإنسانية» وأجبرتهما على الالتحاق بدائرة «المنافسة في الأسواق».

يرى البعض أن مطلب رفع الأجور مطلب أناني، وأن الطبيب صاحب المهنة السامية لا يحق له أن يمتنع عن خدمة مريضه للضغط من أجل مكسب شخصي كهذا.

كثير من الرافضين لهذا المنطق والمؤيدين للإضراب يردون بأن «الطبيب إنسان كغيره ويحق له أن يطلب تحسين دخله».

أنا لا يعجبني هذا الرد كثيرًا رغم صحته. فأنا أعتقد أن مطلب رفع أجور العاملين بالمهن الطبية مطلب إنساني وليس شخصيًا، وأن تحقيقه سيعود على المجتمع بالنفع أكثر من عودته على الطبيب بالدخل.

فلو توفر للطبيب دخل كاف من عمله كخادم للمرضى في دائرة الخدمة الإنسانية المجانية، لما احتاج إلى اللجوء للسوق الرأسمالية لإقامة أوده، ولأصبح للمجتمع الحق في محاسبته على مدى تفانيه في عمله الخدمي. لو توفر للطبيب أجر عادل يدفعه له المجتمع من ميزانية الدولة، لما تحول إلى جزء من الآلة الشريرة التي تحول المريض إلى زبون مطلوب خداعه وامتصاص دمه للحصول على أكبر قدر من الأرباح.

هل هذا مطلب أناني؟ على العكس تمامًا. فإنقاذ الخدمة الطبية من شر الأسواق شرط أساسي لتحقيق إنسانيتها.

تخيلوا معي طبيبًا يعمل في ظل نظام يميز بين المريض الغني والمريض الفقير. فلو كان معك المال عالجناك، ولو كنت فقيرًا فسنتركك لتموت.

تخيلوا معي طبيبًا يعمل في ظل نظام تقوم إدارته على قاعدة الربح أولًا. فلو دفع المريض أكثر لكان هذا أفضل، ولو دفع أقل فهذه خسارة.

تخيلوا في المقابل نظاما فصل تمامًا بين مصدر دخل مقدمي الخدمة وبين الظروف الاجتماعية المالية لطالبيها؛ نظامًا لا يجعل دخل الطبيب يعتمد على مالية المريض ولا على مدى ابتزازه له؛ نظامًا يوفر الخدمة لأي وكل مريض بغض النظر عن دخله وإمكانياته.

أي نظام بين الاثنين أكثر إنسانية؟ أي نظام بين الاثنين أكثر خيرية؟

لا شك لدي في أن النظام الأخير – القائم على مبدأ أن الطب خدمة وليس سلعة – هو النظام الذي يحرر صحة الإنسان من شر الأسواق وبؤس الليبرالية الجديدة.

لهذا فأنا أدعم إضراب الأطباء، وأدعم على وجه الخصوص مطلبهم الإنساني العادل برفع أجورهم وتحسين أوضاعهم.

http://www.almasryalyoum.com/node/1150666

الثلاثاء، 26 يونيو 2012

البيرة يا مرسى - وائل قنديل

الشروق - 26/6/2012

كما أن هناك متنطعين فى الدين، يوجد أيضا متنطعون فى السياسة، وكما يوجد تافهون وسطحيون فى الخطاب الإسلامى، هناك بالقدر نفسه أتفه منهم فى التعبير عن قيم الديمقراطية والليبرالية.

وكما واجهنا بكل أشكال الإدانة والتقزز هؤلاء الذين جلدوا واحدة من أشرف بنات مصر فى أحداث مجلس الوزراء بسؤالهم الخبيث «إيه اللى وداها وليه لابسة العباية بكباسين» فإن الواجب يقتضى التعبير عن الامتعاض والاستنكار لمسلك هؤلاء الذين اختزلوا مبادئ وأهداف الثورة فى مسيرة للقصر الرئاسى وتداعوا عبر مواقع التواصل الاجتماعى للخروج فيما أطلقه عليه «مسيرة ستيلا» رافعين أمام الرئيس الجديد شعار «البيرة خط أحمر».

إن أحدا لا يطالب بتقليص الحريات فى مصر، غير أن المشكلة أن البعض يختصر قيمة الحرية فى مظاهر شديدة الابتذال والسطحية، ويقيسها بمعايير مثيرة للضحك المرير، كأن يقال مثلا فى أسباب معارضة مرسى إنه لو جاء سيتم منع المايوه البكينى فى الشواطئ، وحظر الخمور فى المحلات والفنادق.. وكأن ثورة ٢٥ يناير قامت فقط من أجل تحقيق مثل هذه المطالب المضحكة.

وما يثير الدهشة أن هؤلاء الذين يخوضون معركة البيرة والمايوه ببسالة لم يحزنهم أو يثير غضبهم ــ على سبيل المثال ــ ما أقدمت عليه صحيفة الأهرام الأسبوع الماضى من جريمة فى حق حرية الإبداع، حين عبثت بواحدة من أشهر اللوحات فى تاريخ الفن التشكيلى المصرى وهى لوحة الفنان الراحل عبدالهادى الجزار «الكورس الشعبى» وغطت أجزاء منها وهو ما اعتبرته جبهة حرية الإبداع اعتداء مشينا على الفن والثقافة.

كما أننا لم نر هذه الروح القتالية الوثابة من المدافعين عن حرية البيرة والمايوه عندما كان الثوار الرائعون يدعون لمسيرات ووقفات دفاعا عن حريات المعتقلين أمام النيابة العسكرية، وفى المناسبات القليلة ــ عن تقصير منى ــ التى شاركت فيها استجابة لدعوات من مجموعة « لا للمحاكمات العسكرية» كانت أعداد الحاضرين منخفضة إلى حد يشعرك بالخجل والأسى، وكأن حرية التعاطى مقدمة على حرية الرأى والتعبير، فى نظر هؤلاء الغيورين على مستقبل « ستيلا والبيكينى» فى عصر الرئيس الجديد، وهو ما يجعل من غير المستبعد أن نصحو يوما على مؤتمر موسع فى أحد الفنادق الفاخرة بالقاهرة لبحث هذه القضية الجوهرية المفصلية فى حياة الشعب المصرى.

وإذا كان هؤلاء «الأحرار» قد وجدوا أن البيرة هى قضية مصر المحورية فى هذه اللحظة التاريخية فإن أحدا لا يصادر حقهم فى ترتيب أولوياتهم كما يشاءون، مع الوضع فى الاعتبار أنهم لا يمثلون سوى نقطة فى محيط هادر كان يهتف فى ميادين مصر أمس فور إعلان النتيجة «الشهدا يا مرسى»

إن معارضة الرئيس واجب ومراقبة أدائه فريضة، والكل له بالمرصاد إن اقترب من الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطن بسوء، لكن أن يجرى ابتذال المعارضة على هذا النحو الفج فهذا مؤشر خطر على أن جحا وولده أصبحا مصدر إلهام المعارضة الجديدة فى مصر، تلك التى من فرط شراستها تعتبر أن سمير جعجع مجرم صبرا وشاتيلا وصنيعة الاحتلال الصهيونى فى لبنان ملهمها وسيدها!

http://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=26062012&id=4a6adf85-ed8c-4534-9f19-dde7cbde9303

لماذا فاز محمد مرسى؟! - علاء الأسواني

المصري اليوم - 25/6/2012

عزيزى القارئ

كم مرة قلت أو استمعت لمن يقول إن الشعب المصرى لا يصلح للديمقراطية؟! كم مرة قلت أو استمعت لمن يقول إن المصرى يحتاج لمن يثقفه ويعلمه حتى يمارس حقوقه السياسية؟!

أنا استمعت إلى هذه الآراء عشرات المرات داخل مصر وخارجها، وفى كل مرة كنت أشرح لأصحاب هذه الآراء أن تاريخ مصر الحديث يؤكد أن الشعب المصرى تصرف دائما بوعى سياسى صحيح. كنت أقول لهؤلاء أنتم تتحدثون عن الشعب باعتباره فكرة أو تعبيراً نظرياً، بينما الشعب واقع حى. الشعب يعنى ملايين الأشخاص الذين قد يختلفون فى الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنهم فى لحظة ما يملكون شعورا واحدا وعقلا جمعيا يمكنهم من اتخاذ موقف موحد عادة ما يكون صحيحا. الشعب هو الذى صنع الثورات المصرية جميعا.

مازلت أذكر يوم 25 يناير عندما وصل آلاف المتظاهرين من إمبابة لينضموا إلى ميدان التحرير. هؤلاء البسطاء الفقراء هم الذين دافعوا عن المتظاهرين ضد اعتداءات جنود الأمن المركزى، ولولاهم ما نجحت الثورة. الشعب البطل الحقيقى فيما حدث يوم الأحد الماضى 24 يونيو. ذلك التاريخ الذى يشكل نقطة فارقة فى تاريخ مصر والعالم العربى كله. على مدى 16 شهرا نفذ المجلس العسكرى مخططا معداً بعناية من أجل إجهاض الثورة المصرية: انفلات أمنى وحوادث طائفية وترويع للمصريين، أقباطا ومسلمين، وأزمات معيشية مصطنعة، بالإضافة إلى حملات منظمة لتشويه الثورة ومذابح متوالية للثوار، سقط فيها شهداء كثيرون وتم انتهاك أعراض بنات مصر على أيدى أفراد الجيش والشرطة.

كان المخطط يستهدف الضغط على المواطن المصرى لدرجة تجعله يتعلق بأى شخص يستطيع أن يعيد الأمن.. وهكذا تم الدفع بأحمد شفيق وحمايته من 35 قضية فساد موثقة ومن قانون العزل السياسى.. وعندما أسفرت النتائج عن خوض شفيق ومرسى جولة الإعادة، كانت المؤشرات كلها تؤكد فوز شفيق. فقد خسر الإخوان تعاطف معظم الثوريين، نتيجة لتخاذلهم عن نصرة الثورة من أجل مصالحهم، كما أن قطاعا كبيرا من الأقباط أصابهم الفزع من الإخوان فقرروا التصويت لشفيق، بالإضافة إلى فلول النظام القديم الذين أغدقوا ملايينهم المنهوبة على شفيق، لأنه فرصتهم الأخير للعودة للسلطة. أضف إلى ذلك جهاز الدولة بالكامل، الذى ساند شفيق بكل قوته، بدءاً من كبار ضباط الداخلية وأمن الدولة إلى الوزارات والهيئات والإعلام الحكومى، الذى عاد إلى سيرته الأولى فى التضليل والكذب، والإعلام الخاص المملوك لرجال أعمال تفانى معظمهم فى الترويج لشفيق، حرصا على مصالحهم الضخمة.

قرر كثيرون - وأنا منهم - مقاطعة الانتخابات، اعتراضا على وجود شفيق بدلا من عزله ومحاكمته. فى ظل هذه الظروف كان فوز شفيق حتميا، لكن مفاجأة كبرى حدثت.. كانت طاقة الإخوان الانتخابية لا تزيد على 5 ملايين ناخب «الذين صوتوا لمرسى فى الجولة الأولى»، ولكن عندما جاءت الإعادة نزل 8 ملايين مصرى وقرروا التصويت لصالح مرسى، ليس لأنهم ينتمون للإخوان المسلمين، لكن لأنهم أدركوا أن النظام القديم لو عاد إلى الحكم، ممثلا فى شفيق تلميذ مبارك المخلص، فإن الثورة المصرية تكون قد انتهت.

إن تصويت الملايين لمرشح الإخوان كان مفاجأة شعبنا الواعى التى قلبت كل الموازين وأحبطت مخطط إجهاض الثورة. وقد وقع المجلس العسكرى فى ورطة، فأصدر إعلانا دستوريا مكملا يقلص صلاحيات الرئيس قبل إعلان النتيجة بساعات. تم تأجيل إعلان النتيجة النهائية للانتخابات إلى يوم الخميس، ثم إلى يوم الأحد، وهنا أدرك الشعب مرة أخرى أن شيئا ما يحاك فى الكواليس، فنزل الملايين إلى الشوارع - من المنتمين للإخوان وغيرهم - ليشكل احتشادهم عنصر الضغط على من يريد أن يزيف إرادة الناخبين.

سوف يكشف التاريخ يوما ما تفاصيل ما حدث فى اللجنة العليا للانتخابات قبل إعلان النتيجة، وقد تناثرت روايات كلها تؤكد حقيقة واحدة: بالرغم من أن النظام القضائى فى مصر غير مستقل وتابع للسلطة التنفيذية فإن لدينا قضاة مستقلين عندهم من الضمير والشجاعة ما يدفعهم لقول الحق مهما يكن الثمن.

لقد شكل المستشار زكريا عبدالعزيز مع مجموعة من القضاة جماعة «قضاة من أجل مصر»، وقاموا بمراقبة الانتخابات، وأكدوا فوز محمد مرسى بفارق عن شفيق يقترب من مليون صوت.. المستشار زكريا - كما أعرفه - لا يوافق على أفكار الإخوان ولا سياساتهم، لكنه قاض جليل لا يعرف إلا الحق. لقد كان تقرير القضاة المستقلين مبادرة نزيهة وشجاعة أحرجت الذين ألفوا تزوير إرادة الشعب.

الثورة المصرية حققت نصرا عظيما بإسقاط شفيق وفوز محمد مرسى، الذى - بغض النظر عن اختلافنا السياسى معه - هو أول رئيس جمهورية مدنى منتخب فى تاريخ مصر الحديث. هذا الانتصار لإرادة الشعب لن يؤثر فى مصر فقط وإنما سوف يدفع عجلة التغيير فى البلاد العربية التى تتطلع إلى التخلص من حكام مستبدين، فاسدين، جاثمين على أنفاس شعوبهم منذ عقود.

واجبنا أن نهنئ الرئيس مرسى، لكن واجبنا أيضا أن نذكره بعدة حقائق:

أولا: إن الرئيس الجديد لم ينجح بأصوات الإخوان فقط ولم تكن أصوات الإخوان وحدها قادرة على إنجاحه. لقد نجح بأصوات ملايين المصريين، الذين رأوا فى دعمه الوسيلة الوحيدة لمنع عودة نظام مبارك، وبالتالى فإن الرئيس مرسى مسؤول أمام المصريين جميعا، ونحن نطالبه بأن يقطع علاقته التنظيمية بالإخوان المسلمين تماما وفورا، وكما وعد يجب أن يشكل حكومة ائتلافية تضم وزراء الثورة من مختلف الاتجاهات السياسية.

ثانيا: على مدى عام ونصف العام، امتنع المجلس العسكرى عن تحقيق أهداف الثورة ورفض أى تغيير فى بنية نظام مبارك. الآن بعد فوز الرئيس المنتخب لا يمكن تأجيل التغيير: نتوقع من الرئيس مرسى أن يساعد على إقرار قانون السلطة القضائية حتى يستقل القضاء عن السلطة التنفيذية، نتوقع منه إلغاء الإعلان الدستورى المكمل، الذى يضع المجلس العسكرى فوق كل سلطات الدولة، لابد من محاكمة جميع المتهمين بالفساد - وأولهم أحمد شفيق - لابد من تطهير جهاز الشرطة من الفاسدين والجلادين وقتلة المتظاهرين.. لابد من إغلاق مباحث أمن الدولة ومنع قمع أجهزة الأمن للمواطنين.. لابد من منع محاكمة المدنيين أمام محاكم عسكرية والإفراج عن 12 ألف مدنى محبوسين فى السجن الحربى وإعادة محاكماتهم أمام قاضيهم الطبيعى.. لابد من تحديد الحدين الأدنى والأقصى للأجور والقضاء على الفقر والبطالة.. لقد قامت هذه الثورة من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. سيكتسب الرئيس مصداقيته أو يخسرها بقدر إخلاصه لمبادئ الثورة.

ثالثا: لم يكن لمحمد مرسى أن يصل إلى منصب الرئيس لولا 1200 شاب مصرى ضحوا بحياتهم أثناء الثورة، وألف مصرى مازالوا مفقودين «غالبا تم قتلهم ودفنهم فى أماكن مجهولة»، بالإضافة إلى آلاف المصابين، كثيرون منهم فقدوا عيونهم بالخرطوش.. هؤلاء أصحاب الفضل على مصر، بعد ربنا سبحانه وتعالى، ولولا تضحياتهم لما كان لنا أن نعيش هذه اللحظة. إن واجب الرئيس مرسى أن يبدأ فورا فى تحقيق القصاص العادل من قتلة الشهداء ورعاية أسرهم وعلاج المصابين على أعلى مستوى داخل مصر أو خارجها على نفقة الدولة. لا يجوز للرئيس الجديد أن يترك مصابى الثورة لرعاية فاعلى الخير. لا يجوز أن يترك قتلة الشهداء أحرارا محتفظين بوظائفهم وكأنهم لم يسفكوا دماء بريئة لشباب كل ذنبه أنه انتفض من أجل كرامة المصريين.

رابعا: أمام الرئيس طريقان لا ثالث لهما: إما أن يحقق أهداف الثورة للمصريين جميعا، وإما أن يحقق مصالح جماعة الإخوان المسلمين عن طريق اتفاقات سرية مع المجلس العسكرى.. أرجو ألا يكرر الإخوان أخطاءهم التاريخية، فقد كانوا للأسف، منذ إنشاء الجماعة عام 1928، يعتبرون أن مصلحة الجماعة هى ذاتها مصلحة الوطن، مما أوقعهم دائما فى تحالفات مع السلطة أضرت كثيرا بالحركة الوطنية.. كان آخرها تحالفهم مع المجلس العسكرى بعد الثورة، الذى أضاع علينا فرصة كتابة دستور جديد وأوقعنا فى هذه المحنة. إن مهمة مرسى لن تكون سهلة لأنه سيواجه نظام مبارك، الذى مازال مسيطرا على الدولة، وأتوقع أن يقاوم التغيير بشدة. فى معركته الضارية مع نظام مبارك سيحتاج الرئيس إلى دعم المصريين جميعا، ولن يحصل عليه إلا إذا ناضل من أجل مصر وليس من أجل الإخوان المسلمين.

خامسا: تعهد الرئيس مرسى دائما بالحفاظ على «مدنية الدولة»، وهذا التعبير يمكن تفسيره بطرق مختلفة. المقصود بمدنية الدولة فى رأيى تحقيق ركائز أربع:

الركيزة الأولى: حقوق المواطنة.. المواطن المصرى يجب أن يحصل على حقوقه كاملة بغض النظر عن دينه. كل حقوق الأقباط التى أهدرت أيام مبارك يجب أن يحصلوا عليها فى عهد الرئيس الجديد، كما يقضى الإسلام الحقيقى. الركيزة الثانية: حماية الحريات الشخصية المستقرة فى مصر منذ قرون. من مظاهر حضارة مصر أنك وحدك تحدد أسلوب حياتك فى حدود القانون، أما لو تم الاعتداء على الحريات الشخصية من أجل تنفيذ برنامج أخلاقى يحيل المواطنين إلى رعايا مقموعين تحت الوصاية، كما يحدث فى السودان والسعودية، فستكون هذه عودة إلى عصور الظلام وكارثة على مصر كلها.. الركيزة الثالثة: حماية حرية الفكر والإبداع، وهنا نحذر الرئيس من الاستماع إلى أصوات المتشددين المعادين للثقافة والفن. لقد كانت مصر دائما قلعة الفن والفكر فى الشرق.

لن نقبل أبدا بأن يخضع الإبداع لرقابة المتزمتين، لأن ذلك سيؤدى إلى ضياع تراثنا الفنى والقضاء على الإبداع المصرى، الذى نفخر به جميعا.. الفكر لا يواجه إلا بالفكر والإبداع، لا سلطان لأحد عليه إلا بالقانون. هذه هى القاعدة الذهبية لحماية الثقافة المصرية.. الركيزة الرابعة: أى محاولة لتطبيق الحدود طبقا للشريعة الآن ستؤدى إلى تمزق المجتمع المصرى، والدكتور مرسى يعرف جيدا أنه لا يمكن تطبيق العقوبات فى الشريعة قبل القضاء على الفقر والجهل والمرض. لا يجوز قطع أيدى السارقين قبل أن نوفر لهم حياة كريمة. هذه قاعدة إنسانية قبل أن تكون فقهية.

إن الشعب المصرى، الذى انتخب محمد مرسى، ينتظر منه الكثير، وسوف يسانده بقوة مادام يعمل لصالح مصر ويحقق أهداف الثورة.

الديمقراطية هى الحل.

http://www.almasryalyoum.com/node/945676

الاثنين، 25 يونيو 2012

رئيس مدني لمصر..أخيرا

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. كنت بالأمس متواجدا في ميدان التحرير وقت إعلان فوز مرسي بالرئاسة، بالطبع كانت لحظة لاتنسى، كان الميدان بآلافه المحتشدة وقت تلاوة بيان لجنة الانتخابات مترقبا و صامتا كأن على رؤوسهم الطير، لينفجر فجأة فرحٌ جماعيٌ وتقافزٌ وسجودٌ وبكاءٌ وتكبيرٌ وتهليلٌ وحمدٌ وأهازيج ورقصٌ عند إعلان حصول شفيق على 48% من الأصوات .. ووجدت الأحضان والقبلات والدموع تنهال عليّ ممن عرفت ومن لم أعرف، وأُطلقت الألعاب النارية في وضح النهار ثم بدأت السماء تمطر حلوى و مشروبات ومياه مثلجة للجميع من الجميع، يا إلهي ما أعذب هذه الروح، ما أدفأ هذه اللحظات الخالدة.

صديقي – رفيق – الذي كان معي بالميدان أشار لي أن أتبعه (حيث إننا لم نكن قادرين على سماع بعضنا لشدة صخب الاحتفال) لنسلم على شخص ما، فوجدت شابا في أواخر العشرينيات يغطي عينه اليسرى بعصابة جلدية سوداء، والناس متحلقون حوله يفعلون شيئا واحدا بنفس الطريقة: يحتضنونه ثم يقبلون رأسه مباركين وشاكرين، وعندما سألت صاحبي عن السبب أخبرني أنه من مصابي الثورة، ففعلت مثلما فعلوا ووجدته يبكي بحرارة يرتج لها جسده الهزيل شاكرا وحامدا، قلت له أنت عريسنا اليوم .. أنت رئيسنا و ملهمنا فإذا بمن حولي يرددون بما قلت.

بعد انكسار الحرارة وقبيل المغرب انفتحت شلالات البشر على الميدان، حتى لم يعد هناك موطئ لقدم، وامتد الاحتفال إلى أنفاق المترو في محطة أنور السادات، الكل يحتفل من الجنسين ومن كل الأعمار، ورغم الزحام غير المسبوق والتدافع الضاغط لم أسمع تذمرا أو مشادة أو غضبا، روح الفرح والبهجة تغمر الجميع. ربنا ولك الحمد.

وبعد أن تذهب السكرة و تأتي الفكرة يبقى أن أذكّر الرئيس الجديد وجماعة الإخوان المسلمين وحزبها ببعض النقاط:
1-     الفرحة العارمة التي عمّت الكثير من البيوت والشوارع والميادين لم يكن سببها بالدرجة الأولى نجاح محمد مرسي، وإنما خروج منصب الرئيس من قبضة العسكر المستبدة، وانتصار وعي الشعب ورغبته في التغيير و وفائه لشهداء ثورته ومصابيها على نظام مبارك القابض على مفاصل الدولة وجيشها وقضائها وإعلامها، وعلى المنتفعين من رجال الأعمال وأصحاب المصالح وملاك الإعلام الخاص والمنقلبين على الثورة الذين ملأوا الدنيا عويلا وصراخا تخويفا من الدولة الدينية المزعومة، وحاولوا إقناع الناس أن الاستبداد العسكري خير لهم وانفع، مستغلين في ذلك أخطاءً حقيقية وفادحةً وقع فيها ممثلو التيار الديني بعد دخولهم البرلمان!
2-     الكتلة التصويتية الحقيقية للإخوان المسلمين ظهرت في المرحلة الأولى لانتخابات الرئاسة، وكانت في حدود 5,6 مليون ناخب، تمثل المنتمين للجماعة والمخلصين لها، الذين سيؤيدونها مهما ارتكبت من أخطاء وخطايا، أما الملايين الثمانية التي أضيفت لمرسي في جولة الإعادة وتسببت في تفوقه على منافسه ووصوله لكرسي الرئاسة فكانت من خارج المنتمين للإخوان من الكتل الثورية الأخرى ومن عموم الرافضين لعودة النظام المستبد السابق، وأغلبهم – وأنا منهم – لم يصوتوا لمرسي حبا له أو اقتناعا ببرنامجه، وإنما حرصا على التخلص من الحكم العسكري ونظامه الفاسد.
3-     لم ألحظ أي تواجد مسيحي في ميدان التحرير أثناء الاحتفال بخروج شفيق ونجاح مرسي.
4-     بدأ الإعلام نقدا مكثفا – موضوعيا وغير موضوعي – لخطاب مرسي الرسمي الأول بعد إعلان النتيجة، رغم محاولة الرئيس الواضحة لطمأنة الجميع ولم شمل الفرقاء.

كل هذه الملاحظات تستوجب من الرئيس الجديد والإخوان المسلمين أن يكونوا أكثر حنكة وذكاءً وانفتاحا على باقي القوى الوطنية، وان يبنوا قراراتهم على التوافق لا الاستقواء، كما يتوجب عليهم الوفاء بماقطعوه من وعود سياسية في الفترة السابقة على إعلان النتيجة، وان يتجنبوا الوقوع في أخطاء مثل تلك التي ارتكبوها في الشهور القليلة الفائتة، و عليهم أن يدركوا أنهم بمفردهم غير قادرين على تحقيق أي تقدم أو نجاح.

الشعب المصري غير مستعد لخيبة أمل أخرى.

السبت، 2 يونيو 2012

حانت لحظة الحقيقة - أيمن الجندي

المصري اليوم - 2/6/2012

أهم من أن تكسب الانتخابات أن تكسب نفسك! لذلك أحلم أن يراجع الإخوان المسلمين مواقفهم. لو كنتُ مكانهم لقلتُها بملء الفم: «شكرا لك يا أحمد شفيق، لأنك وضعتنى أمام حقيقتى، وأخرجت المكنون من مشاعر الناس نحوى».

كيف أصبح الفارق بين مرسى وشفيق مائتى ألف صوت فقط؟. وصلتنى خطابات كثيرة، واستمعت إلى آراء كثيرة. اختلفتْ آراء الناس واتفقتْ! لكن المُجمع عليه من الناس العاديين أن الإخوان المسلمين «مصلحجية»، يتوددون إليك إذا كانوا فى حاجة إلى صوتك! لكنهم بعدها يتجاهلونك، ويستأثرون بالمغانم لأنفسهم، ويضربون مثلا بالانتخابات البرلمانية الأخيرة، وكيف استأثر أعضاؤهم بالوظائف المرموقة!

لو كان الإخوان المسلمين يظنون أن معظم مؤيدى شفيق من الفلول، فهم فى مشكلة! لأننى أعلم يقينا أن كثيرا منهم كانوا من مؤيدى الثورة. فقط هم يخشون إذا أمسك الإخوان بكل مفاصل الحكم، أن تصبح المناصب القيادية حكرا عليهم.

هذه لحظة الحقيقة. اليوم أدرك الإخوان أنهم فى أشد الحاجة إلى أصوات الشعب المصري. فهل أدركوا أيضا أننا لسنا أداة استخدام! ولن يقبل الشعب أن يظل «مفعولا به» إلى الأبد!؟

كان انحيازهم لبعضهم البعض مقبولا على المستوى الإنسانى فى فترة المحنة! ولكن تغيرت الظروف!. إذا كان الشاعر الوثنى يقولها فى شمم: «أغشى الوغى وأعف عند المغنم»، فماذا عن أهل التوحيد المتطلعين إلى ثواب الآخرة؟

أنا لا ألومهم على أنهم ينتمون لبعضهم البعض أكثر مما ينتمون إلينا. ولكن الحب شىء والمحاباة شىء آخر. لو وقر فى قلوبنا تواضعهم، وفى عقولنا عدالتهم، لكانت نحورنا اليوم فداءهم.

وأنا استمعت إلى تعهدات الدكتور مرسى. ولكن المسألة ليست فى تعهدات يقدمونها، وإنما فى تغيير حقيقى فى طريقة تفكيرهم. أقولها بحكمة رجل شارف الخمسين، توجد لحظات فارقة فى حياة الإنسان، يُقرّ فيها أنه مخطئ، وأنه يجب أن يتغير، وأن الكون لن يُغيّر نواميسه لمجرد إرضائه، وأن الناس ليسوا أباك وأمك!.

ربّ إنسان عاش ومات دون أن يواجه نفسه مرة واحدة. لا تكونوا مثل مبارك الذى ظل لآخر لحظة يعتقد أنه الوحيد الذى على حق، وحتى اللحظة ما زال يعاند.

أعظهم، وأعظ نفسى، أن يتأملوا فى هذا الكلام مليا، وألّا يغضبوا. فالإنسان مفطور على الانحياز لنفسه والغضب لذاته والاعتقاد فى سلامة مواقفه وصحة أفكاره.

أعرف جيدا أنهم ضحايا الغرف المغلقة على خلّانٍ لهم يشاركونهم نفس المشرب! وضحايا ثقافة الحصار التى وضعهم فيها النظام السابق، وضحايا الردود النفسية الدفاعية التى حتّمت عليهم الإعلاء من قيمة أنفسهم، ولكن تبقى الحقيقة التالية: الانحياز للنفس لا ينطوى على أى بطولة، وأبسط الناس قادرون على ذلك!

أما المتعطشون إلى البطولة، المتطلعون إلى العظمة، فهم وحدهم القادرون على فتح نوافذ الحقيقة واستنشاق الهواء النقى. المرضى يهابون فتح النوافذ، ويستسهلون استنشاق الهواء الراكد. أما من يفتح الشباك، فى عنفوان العواصف، فتلك علامة الصحة المتوثبة، ودليل مؤكد على قدوم العافية.

يفوز الإخوان المسلمين أو لا يفوزون، ليست تلك هى القضية. وإنما أن يراجعوا أنفسهم، ويعترفوا بأخطائهم، فما يزيدهم الاعتذار إلا عزاً.

http://www.almasryalyoum.com/node/886051

الخميس، 31 مايو 2012

مأتم الثورة




الإحباط الذي أعاني منه - ويعاني منه الكثيرون - ليس لأسباب شخصية والحمد لله، ولكن مرجعه حالة التراجع السياسي الرهيب الذي يعاني منه شعبنا. فبعد اقل من عام ونصف على الثورة، يخرج الملايين مؤيدين لنظام مبارك صامّين آذانهم عن فساده المستشري وظلمه البيّن، ومساندين لاستمرار حكم عسكري انتهى من اغلب دول العالم واختفى من الدولة المتقدمة والناهضة، رغم انه تسبب في تراجع مصر باحتقاره للمدنيين بشكل عام وتشككه في المعارضين واعتبارهم "أعداء" للوطن يستحقون التنكيل، ونظرته المستعلية للعلم والعلماء.



صحيح أن من قام بخلع مبارك - ولا أقول نظام مبارك - يقدر عددهم من 12-18 مليون نزلوا للميادين أيام الثورة المغدورة، وهم تقريبا الذين صوتوا لمرشحي الثورة في انتخابات الرئاسة، وهم أكثر عددا ممن صوتوا للنظام القديم، لكن تشرذمهم وتفرقهم في السبل (وهو ما ينطبق على كافة القوى السياسية طيلة الأشهر التالية للثورة) أعادنا للمربع الأول، بل أعادنا ليوم 24 يناير 2011، يوم كنا موقنين أن التغيير ضرب من الخيال، في الوقت الذي حشد العسكري لجنته المشرفة على انتخابات الرئاسة (التي خالفت صحيح القانون) و إعلامه الرسمي والخاص (الذي استغل أخطاءً حقيقية ارتكبها التيار الإسلامي وسلط عليها كل مجاهره وضخم صداها بكل مكبراته) وقوى حزبه الوطني الظلامية الطفيلية الفاسدة (التي بدأت تتحرك بسفور مستغلةً أخطاء البرلمان) لإرهاب عموم الشعب ودفعهم والعديد من القوى الثورية – للأسف- للتصويت لرجل النظام السابق أو على الأقل الامتناع عن المشاركة والعودة لأيام التزوير ولكن بصورة أقل تبجحا ووضوحا من نظام مبارك، تزوير يعتمد على تزييف "الإرادة" لا تزييف "الأصوات"، ولصالح من؟ لصالح رجل – بالإضافة لكونه ابنا مدللا للنظام القديم- لا يخفي اقتداءه بمبارك ولا انتصاره برجاله ولا نواياه لوأد الثورة والنكوص عن طريقها والعودة لزمن "أمن الدولة" المقيت وكبت الحريات وقمع الآراء المخالفة، واحتقار العلم وأهله.



وفي ذات الوقت نسمع من القريبين من دوائر صنع القرار (في العسكري أو البرلمان) عن تأخير متعمد في طريق وضع الدستور من قوى سياسية تسمي نفسها للأسف "ليبرالية" – مستغلين في ذلك الخطأ الذي وقع فيه الإخوان المسلمون و السلفيون بطمعهم في الاستئثار بكعكة الدستور – حتى يصل رجل مبارك لقصر الرئاسة ويُحَلّ البرلمان وتخلو الساحة لأبناء النظام القديم لوضع الدستور الذي يحفظ مصالحهم ورقابهم.



وأنا في كل ذلك لا ألوم عموم الشعب المصري الذي يتأثر – كباقي الشعوب – بالآلة الإعلامية التي يحركها الحاكم والموالون له من أصحاب المصالح ورجال الأعمال، ولكن فجيعتي فيمن يسمون أنفسهم "النخبة" ويستعلون على غيرهم ويصفون الإسلاميين بقلة الخبرة و "الغشم" السياسي، وقد كنت شخصيا أتحمس لآرائهم وانبهر – ذات يوم –  بمعارضتهم لنظام مبارك، لكن – وعلى ما يبدو – أن من اعتاد الأكل على كل الموائد والرضا بالفتات لا يستطيع أن يكون هو صاحب المطبخ الذي يقرر من يأكل وماذا يأكل. يفاجئني أشخاص كإبراهيم عيسى وأبي الغار – و قد كنت أعدهم من الأحرار – بتأييدهم لرجل النظام السابق، أما الأقل منهم "ارتدادا" مثل صباحي و حازم عبد العظيم والبرادعي فإنهم يعلنون حيادهم السلبي بعدم تأييدهم لأي طرف رغم خبرتهم السابقة مع نظام مبارك في أن المقاطعة لن تفي بنزع الشرعية عن الانتخابات ولن تسقط نتيجتها حتى لو قلت المشاركة عن العُشر!



بقي أن أؤكد أني لا أبرئ ممثلي التيار الإسلامي من الذنب، بل هم في الحقيقة يتحملون العبء الأكبر باستسلامهم لهوى السلطة وانخداعهم ببريق الحكم، وجريهم الحثيث وراء تحقيق حلم السيطرة على كامل مصر، ناسين أنها اكبر من أن يستولي عليها تيار أو يسيطر عليها اتجاه.



يقول ربنا "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون"، فإنا لله وإنا إليه راجعون.