الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

أين الشعب؟! - وائل عبد الفتاح

هل فقد الشعب عظمته لأنه لم يذهب إلى صناديق الانتخابات فى جولة الإعادة؟ هل تبخر وعْىُ الشعب فجأة وعاد إلى النوم؟ إنه إذن «عرس الديمقراطية»، هكذا خرجت الإكليشيهات من مخازن قديمة لتصف مشهدا جديدا بالكامل، شعبا يدخل مسرح السياسة من بوابة كسرتها الثورة، ونصف ثوار يملكون ميكروفونات يصرخون فيها: إن الثورة لم تقم إلا من أجل تحرير الصندوق. تصوُّر يختصر الثورة فى قفزة للحكم ينجح فيها الأكثر تنظيما أو قدرة على حشد الناس حول معركة خاطئة فيبدو الذهاب إلى الانتخابات كما لو كان استفتاء على الله أو اختبارا لمدى تدينك. هل تدافع عن إسلامك؟ هل هبط السلفيون والإخوان على بلد كافر ليصوروا أن فوزهم هو «الإسلام»؟ وكأن الإسلام سيدخل مصر مع فوز الإخوان وحزب النور.. أو كأن مصر كانت تنتظر المبشَّرين بالجنة.. وبصكوك تضع خاتم الإسلام الحقيقى. الإسلامى والليبرالى برنامج سياسى واقتصادى واحد تقريبا.. الاختلاف فقط عند الحرية الشخصية. بمعنى أن التصويت يتم فقط على مدى احترامك لحريتك وحرية جارك المختلف عنك. كلاهما: الإسلامى والليبرالى، يقدم حلوله من كتالوج اقتصاد السوق.. ويتعامل مع الفقراء على أنهم يستحقون «الخير» كما فى برنامج الإخوان، أو «القضاء على العشوائيات» كما فى برنامج «المصريين الأحرار». لا أحد يقدم سياسات اجتماعية مختلفة، تقوم على أفكار جديدة تنظر إلى السياسة من موقع طبقات فقيرة أو أخرى تقاوم السقوط فى مستنقع الفقر. السوق وحده سيد على الجميع، وهذا ما لا يراه الناخب المغيَّب فى دوامة تخص حياته الشخصية ومستقبله فى هذه البلاد.. الإسلاميون يوعدون المسلمين بتسيد البلاد على أن يكونوا حنونين مع جيرانهم المسيحيين. والليبراليون من نوع «المصريين الأحرار» يبحثون عن سوق أكثر حنانا وانفتاحا وعطفا على الفقراء. ومن السهل هنا أن يلعب المتطرف فى الإسلامى والليبرالى على غريزة الخوف ووهم القوة. المتطرف الإسلامى يلعب على فكرة شعور الجمهور الكبير بالعار والذنب.. لأنه خارج كتالوج الإسلام الحقيقى وهى أوهام، انقسم بسببها المسلمون منذ حادثة الفتنة الكبرى، حيث تظهر كل فترة جماعة ترى فى نفسها فرقة ناجية تحارب كل الفرق الأخرى من أجل أن تنشر إسلامها الكامل، ثم تظهر فرقة أخرى تعلن أن إسلامها حقيقى أكثر، وهكذا دورات تستهلك القدرات الحيوية لشعوب مهزومة فى معركة الحداثة وتشعر بغربة مع العالم. المتطرف الليبرالى يرى الدفاع عن حريته الشخصية هو الأسمى، بينما تغيب حريات سياسية مثل حرية تنظيم الأحزاب والنقابات وتقوية حقوق الدفاع عن طبقات، لا يمكنها الوصول إلى البرلمان، لأنها لا تملك مالا أو مجموعات ثرية تدفع مقابل تعبيرها عن مصالح هذه الطبقات التى تريد أن تعيش فى نعيم، بعيدا عن صداع الحقوق والعدالة الاجتماعية. الغريب أن الحرب الدينية هى الأكثر رواجا فى انتخابات شعب، يعانى من أزمات اجتماعية طاحنة ويدفع ملايين منه سنويا إلى ما تحت خط الفقر! أين الشعب؟ الانتخابات تم تلخيصها فى إعلانات عن جيوش للخلاص الدينى وتوظيف الفقراء للدفاع ضد مصالحهم والجميع تحدث باسم شعب، لا يمكن التعامل معه على أنه كتلة واحدة، هناك شعب دافع عن إرادته ونفس الشعب باع هذه الإرادة بأنبوبة بوتاجاز أو بخمسين جنيها. الشعب حاول النظر إلى المستقبل والشعب نفسه نظر إلى الماضى بقوة! كلٌّ حسب مقاس نظارته، فمنهم من استعاد مبارك ومنهم من استعاد زمن الدولة العباسية. الشعب فكرة استهلكتها السلطة فى تشكيل كيان غامض يسهل قيادته، وبالمعنى السياسى لا يمكن الحديث عن «شعب» إلا فى لحظات استثنائية، تتجمع فيها إرادات -ولو متصارعة- من أجل هدف واحد. لكن الشعب هو طبقات وشرائح ومصالح متعارضة، والأصل فى السياسة الصراع بينها، وليس توحيدها فى صفوف وحشود لتقول كلمة واحدة. التوحيد، والتوحُّد، والحشد، كلمات لها سحر فى لحظات الثورة، ولا يمكن استمرارها، لأن هذا أول الطريق إلى ديكتاتورية جديدة، تحصل على توكيل من الشعب لتعيده إلى النوم مبكرا.

الثلاثاء، 6 ديسمبر 2011

عذرًا.. لن ترى الثورة حقًا فى صورة فوتوغرافية - وائل جمال

«تبدو الأمور أحيانا وكأن الثورة قد وصلت طريقا ضيقا ويصبح مستحيلا لأى كان أن يعتمد عليها بأى درجة كانت من اليقين. إن الإضراب العام يندفع حينا كالموجة العارمة على امتداد البلد كلها. حينا يتفرع إلى شبكة كبيرة جدا من الروافد الصغيرة، حينا ينبثق من باطن الأرض كالنبع، وحينا يختفى فى جوف الأرض. إضرابات سياسية واقتصادية، إضرابات جماهيرية وإضرابات جزئية، إضرابات تظاهرية وإضرابات صدامية، إضرابات عامة فى فروع فردية من الصناعة وإضرابات عامة فى مدن معينة، نضالات سلمية من أجل الأجور ومذابح شوارع، قتال متاريس، كل هذه يسير الواحدة منها عبر الآخر، الواحد منها جنب الآخر، يقطع الواحد منها الآخر، يسير الواحد منها فى الآخر وفوق الآخر. إنه خضم من الظواهر يتغير ويتحرك بلا انقطاع». ليس هناك أدق ولا أوضح من تلك الكلمات التى خطتها إحدى قيادات الثورة الألمانية بين 1918 و1923 لوصف تلك الديناميكية وذلك التغير المستمر اللذين تتسم بهما الثورات الجماهيرية وتضفيهما على حياة المجتمعات. هذه وضعية، من لا يستطيع إدراكها وفهم تطوراتها فينزع إلى التركيز على لحظة ساكنة فى تطورات هذا المشهد المتغير ويجمدها فى صورة فوتوغرافية يحاول فيها تجميد ماهو غير جامد، فيفشل تمام الفشل فى تقدير الموقف وإمكانات تطوره. هذه الرؤية القاصرة هى وحدها تمكننا من تفسير ذلك الانتقال السريع العنيف لبعض القوى الثورية بين الانتصارية الاحتفالية مع مظاهرة واحدة ناجحة فى التحرير فيخيل إليهم وإليك أن الثورة انتصرت أو أنها على وشك خلق مجتمع الجنة الفاضلة غدا، وبين انهزامية كاملة إذا بدا أن نظام المصالح القديمة قد كسب هذه المعركة أو تلك، أو حتى خالفت مسارات الحركة ما يتخيله النشطاء أو السياسيون. ففجأة تكون الثورة قد انهزمت بلا رجعة، وتبدأ حفلات «الولولة» على تويتر وغيره. لذلك أيضا فإن من استكانوا بحكم المصالح أو بحكم الثقافة، إلى وضع مصر على مدى ثلاثين عاما كانت فيه ذلك الكائن الساكن الذى لا يحدث فيه شيء سوى مزيد من التدهور البطيء الثابت، دربنا النظام على قبوله والتآلف معه مسميا إياه الاستقرار، لن يشعروا بالرضاء أبدا ولن يجدوا أنفسهم مرة أخرى فى عالم ما بعد الثورة. فقد دخلنا عالم الحركة والتغير والمشاركة المباشرة لقوة الشعب فى تحديد مصيره، عالم المجتمعات الحية. هؤلاء من بينهم من يعلم أن هذا العالم الجديد يعنى أنه فقد أولوية مصالحه على مصالح الأغلبية، لكن من بينهم أيضا كمثل من يخاف من حوادث السيارات فلم يركب سيارة طوال حياته. (انظر إلى بعض شرائح الطبقة الوسطى المصرية الراغبة فى انتهاء كل ما يحدث فورا لتعود سريعا إلى أكوام القمامة واختناقات المرور ووظائف الواسطة والبحث العصى عن شقة لزواج الابن.. ألخ). الانتخابات توحد بين ثوريين ورجعيين الانتخابات الجارية الآن مثال على نوعية الاستنتاجات التى يمكن أن تأخذنا إليها هذه الرؤية الساكنة للعملية الثورية. فمن يتخيل ان البرلمان غاية المنى أو أن القوانين والدساتير تنهى المعارك بالضربة القاضية، يرى فى الصورة الفوتوغرافية التى لا تستوعب سوى لحظة واحدة، برلمانا يسيطر عليه غالبية من الإسلاميين، فيعتقد أن مصر الثورة صارت إمارة إسلامية. ينسى هؤلاء أن الانتخابات جزء من عملية، وأن الشرعية القانونية هى نتاج المعركة على الأرض لا العكس. يخوفنا هؤلاء من أن الإسلاميين سوف يلغون العملية الانتخابية ذاتها وسوف يسطرون دستورا على هواهم ولا يمثل غيرهم. لا يرى أصحاب هذه الرؤية القوة التى جلبت الانتخابات من الأصل وخلقت شرعيتها، ويتعاملون مع البرلمان وكأنه برلمان مبارك، هو بداية ونهاية العملية السياسية بلا منازع. وكأن هذا الشعب الذى أطاح بالديكتاتورية وأضرب دفاعا عن عيشه بمئات الآلاف ثم ذهب بالملايين فى جولة الانتخابات الأولى سوف يختفى بعد ذلك من الصورة إلى الأبد. هذه النتيجة الأخيرة هى بالضبط ما تسعى إليه قوى أخرى، تثبت لحظة البرلمان فى صورتها الفوتوغرافية الخاصة. هذه القوى، وعلى رأسها المجلس العسكرى، تحاول اختصار ماحدث كله فى هذا البرلمان. وعبر التضييق على صلاحياته أو عقد مساومة مع من يسيطرون عليه يمكن الإبقاء على جوهر النظام القديم. ولا يفلت بعض الثوريين المعتصمين فى التحرير من قصور هذه الرؤية إذ يرفضون خوض معركة الانتخابات لأنها خطوة للوراء أو «تجيء على دماء الشهداء» إلى آخره. يثبّت هؤلاء صورة التحرير الفوتوغرافية فلا يرون أن معارك الثورة لا تحددها ولا تجود بها قريحة منظر أو غريزة مناضل وانما هى النتاج المنطقى لمعركة المصالح المتواصلة فى بلادنا، وأنها تتحدد أساسا عبر توجهات القوة الأساسية التى صنعت كل شيء: قوة الشعب بعماله وفلاحيه وموظفيه وطلبته، ليس فى التحرير فقط وإنما فى دلتا مصر وصعيدها وسيناها، ومعركتها فى مواجهة من يعادون تطلعاتها. القوة المحركة التى ننساها فقط إذا نظرنا إلى الثورة كعملية، وكعملية مركبة تستغرق وقتا، يمكننا أن نرى إمكانات المستقبل ونعمل على دعمها ودفعها. إن مسار حركة الناس متعرج للغاية. ولا يُسقط المضطهدون الباحثون عن الحرية خيارا دون اختباره. لذلك ينتقل عمال المصنع من النضال على ساعات العمل وقيمة بدل الوجبة إلى النضال السياسى والعكس، وفى الرحلة يكتسبون وعيهم السياسى بمصالحهم وقدراتهم. وأهم ما فى الانتخابات البرلمانية هو الملايين الذين شاركوا فيها ودوافعهم وآمالهم من هذه المشاركة. المصريون ذهبوا لأنهم رأوا فيها طريقة لإرساء مصالحهم فى مجتمع جديد. لكنهم وهم يفعلون ذلك لم يسلموا أسلحتهم الأخرى للدفاع عن هذه المصالح: الميادين والإضراب. وبقدر ما يستجيب البرلمان القادم لمصالحهم وبقدر ما يسمح توازن القوى على الأرض بالضغط على هذه المؤسسة فى هذا الاتجاه، ستتحدد المعركة المقبلة القادمة لا محالة فى ظل أن البرلمانية نفسها فى أزمة هائلة فى العالم. وكيف ألا يحدث ذلك والثورة المصرية تلهم جماهير الديمقراطيات العتيدة فى أوروبا والولايات المتحدة، التى كشفت انحياز مؤسساتها المنتخبة ضدها وضد مصالحها؟ أما الخطيئة الأعظم التى تقودنا إليها الرؤى التى لا ترى هذا التعقيد والتشابك، عن مصلحة أو فقط عن قصور رؤية، فهى احتقار معارك الشعب. سواء كان ذلك لأنه يتظاهر ويضرب دفاعا عن حقه المشروع فى العيش كما رأينا فى دعاية المجلس العسكرى وإعلامه الذى يصور الإضرابات على أنه فعل أنانى أحمق، أم لأنه قرر أن ينتخب وألا يذهب للتحرير فى إحدى المليونيات، أم لأنه اختار قوة دون أخرى فى الانتخابات. من يقع فى هذه الخطيئة لن يفهم أبدا حياة الشهيد عادل إمام ولن يقف بجوار من هم مثله حين تحين لحظة الحسم. عادل شاب يعمل فنى لحام باليومية ربما لم يكن له اهتمام بالسياسة فى حياته قبل الثورة. وربما كان همه هو وظيفة وأجر معقول وفرصة لبناء بيت وأسرة. من يعلم كيف تغير عادل وما الذى دفعه ليربط أحلامه تلك بما يحدث فى محمد محمود ليذهب إلى هناك لحماية اعتصام مصابى الثورة، فينضم إلى ركب الشهداء الشريف. فيجد من حملوا جسده الطاهر فى جيبه إيصالا بقطن وشاش اشتراهم للميدان من أجره القليل. إن الطريقة الوحيدة لكى تتقدم الثورة نحو مطالبها فى الحرية والعدالة الاجتماعية هى الاستناد على القوة صاحبة المصلحة فى ذلك، ودعمها فى معاركها أيا كانت وأينما كانت، فهذه المعارك – على تفرعها وتبدلها المتواصل وتنوعها بين كر وفر - طريقها وطريقنا الوحيد للانتصار. ●●● فى قصيدته أنغام سبتمبرية، يحاول الشاعر الكبير صلاح جاهين أن يثبت شريط الذكريات بعد «انتهاء معمعة المواجهة» لاستخلاص العبر: عايز أشوف من تانى واتذكر ليه ضربة من ضرباتى صابت؟ وضربة من ضرباتى خابت؟ وضربة وقفت بالشريط فى وضع ثابت؟ قال المكنجى: رجوع مفيش عيش طول ما فيك أنفاس تعيش وبص شوف.. ركن الشباب فيه ألف مليون شب ●●● يا سادة.. لقد قام الشعب.. حقا قام

الاثنين، 5 ديسمبر 2011

إعلام العباسية! - طارق الشناوي

لا أوافق على ما انتهى إليه تحليل الزملاء فى جريدة «التحرير» قبل يومين من أن وزير الإعلام أسامة هيكل باقٍ لأن د.الجنزورى لم يعثر على من يقبل هذا المنصب بدلا منه.. لا شك أن ثورة الغضب التى اجتاحت ماسبيرو الآن إلى درجة التهديد بوقف البث سوف تجعل الإصرار على هيكل ضربا من العناد، إلا أننا يجب أن نضع فى معادلة القوى أن المجلس العسكرى يدافع حتى اللحظات الأخيرة عن رجاله المخلصين، وهيكل على رأس هؤلاء.

هل صحيح أن المجلس لا يجد بديلا لهيكل ينفذ تعليماته؟ من المؤكد أن هناك من يستطيع أن يلعب بكفاءة هذا الدور.. أن تكون خادما لمن بيده الأمر هى القاعدة التى زرعها نظام مبارك فى نفوس كل من تولى منصبا قياديا، ولا يزال كثيرون يطبقون تلك القاعدة.. إيجاد بديل لهيكل تنطبق عليه المواصفات ليس مشكلة لأن المجلس العسكرى لن يقبل أبدا التنازل عن الوزارة، فهى أحد أسلحته التى يسعى من خلالها للسيطرة على الرأى العام، ولا عن الرجل الذى يضمنون ولاءه لهم، وبقاؤه فى السلطة هو مكافأة يستحقها من وجهة نظرهم، كما أنه يحمل رسالة اطمئنان لكل خادم قادم آخر!

أسامة هيكل تتوفر فيه الصفات المطلوبة لرجل المرحلة القادمة التى تعنى التنفيذ الحرفى للأوامر التى تبث رسميا للجمهور كما كان يحدث قبل ثورة يناير، ورغم ذلك فأنا أطالب ببقاء إعلام الدولة على شرط أن يصبح إعلاما للدولة بكل أطيافها لا للسلطة الحاكمة.. الإعلام أيام مبارك كان هو المعبر عنه وأسرته، زوجته وابنه جمال لم يفسحوا الباب لعلاء إلا فقط فى واقعة الجزائر عندما أراد أن يهاجمهم وفقا لخطة تصاعدية تبدأ بعلاء وتنتقل إلى كل قطاعات الدولة.. كان الإعلام الرسمى يؤهل نفسه بكل ما أوتى من قوة لمعركة التوريث والكل كان ينتظر ساعة الصفر والإعلام الخاص فى القسط الأكبر منه كان جزءا من التمثيلية.. إعلام هيكل هو ابن شرعى لإعلام صفوت وأنس مع اختلاف فقط فى طبيعة المرحلة.

فى الفترة الوجيزة التى حمل فيها هيكل حقيبة الإعلام شاهدنا ماسبيرو وهو يقدم شهادات ملطخة بدماء الشهداء وعلى رأسها حادثة ماسبيرو التى كان ينبغى أن يقدم فيها الوزير للتحقيق باعتباره مسؤولا أدبيا عن التحريض العلنى الذى مارسه هذا الجهاز ضد أقباط مصر، ولكن ما حدث هو أن هيكل شكل لجنة برأت ساحة إعلام الدولة، وهو ما حدث مرة أخرى مؤخرا قبل ساعات قليلة من إعلان التعديل الوزارى حيث فوجئنا بلجنة أخرى تشهد لصالح العروسة وتعلن أن إعلام الدولة كان منصفا فى تغطية المرحلة الأولى للانتخابات.

أسامة هيكل المتهم بالتحريض على تأليب الرأى العام ضد الأقباط فى مذبحة ماسبيرو يوم 9 أكتوبر يقدم بعد شهر ونصف وبنفس العناصر إعلاما محايدا يقف على نفس المسافة من كل الاتجاهات ويستحق أن يصبح منهجا للقنوات الخاصة.

ثورة 25 يناير وشباب ميدان التحرير تُفتح عليهم النيران من عدد من القنوات الخاصة ولكن يظل دور الإعلام الرسمى لا يمكن التنازل عنه من أجل كسر روح الثورة.. السلطة العسكرية اختارت رجلها فى الإعلام، سيدافعون عن بقائه على رأس الجهاز رغم الفشل الإدارى والفنى الذى صاحبه، فلقد شكّل لجنة للنهوض بالأغنية واكتشفنا أن نصف أعضائها من الملحنين والشعراء اعتقدوا أن المطلوب هو النهوض بمستواهم الاقتصادى فتقدم عدد منهم بأغانيهم للجنة التى يرأسها عدد منهم فاحتجّ بعضهم على سلوك بعض وتقدموا باستقالاتهم!

ما الذى فعله بالدراما؟ لا شىء، المنوعات لا شىء، الأخبار لا شىء، ورغم ذلك هو باقٍ.. مع الأسف سوف يستطيع الوزير أن يعثر على مؤازرة جزء من الصحافة بكل أطيافها، عدد من الزملاء يستطيع أن يكتسبهم إلى جانبه لتجد أن هناك من يبارك ويؤيد قراراته، إلا أن الغليان لن يتوقف فى ماسبيرو.. الإعلام الذى خان المواطن المصرى فى قضاياه الوطنية، الذى راهن على حكم العسكر هو جزء من تلك المنظومة التى تخنق رقبة الثورة!

الرسالة الإعلامية التى يقدمها هيكل هى بالضبط الإعلام الذى يشبه السلطة العسكرية التى تهيمن الآن على مصير الوطن.. إنه إعلام العباسية!

عاش الناخب المصرى.. رؤية فى نتائج المرحلة الأولى - خالد البري

اعتقدت أن الأحزاب الإسلامجية ستحصل مجتمعة على ٤٠ فى المئة من الأصوات، بينما تتقاسم الستين فى المئة الأخرى أحزاب الديكور القديمة والأحزاب الجديدة من جهة، والفلول فى المقاعد الفردية أو القوائم من جهة ثانية. خطأ. الناخب المصرى أثبت أنه أكثر وعيا منى، وأسقط الفلول إسقاطا فى الجولة الأولى من الانتخابات. وأعلن باختياره الحر تبرؤه من النظام القديم.

لكنه فى الوقت نفسه أعطى نصيب الأسد من الأصوات التى سحبها من الفلول للأحزاب الإسلامجية. فلماذا؟

تخيلى نفسك ناخبة غير مسيسة، لا تنتمين إلى حزب معين، ولا تتبنين أيديولوجية معينة، قمت بواجبك «الثورى» ولم تصوتى للفلول، والآن تريدين أن تعطى صوتك لحزب من بين البدائل المتبقية، فلمن ستعطين صوتك؟

إنما مَثَل الانتخابات كمَثَل حفل نهائى لاختيار المسؤول النموذجى فى الحى. أحد المرشحَين جاء مبكرا، أخذ الحمام، جَهُز، ارتدى البدلة والكرافيت. بينما جاء الثانى متأخرا، فرغ بالكاد من الحمام وكان يجفف نفسه حين دق جرس الخروج إلى المنصة لمواجهة الجمهور. لو كانت الأحزاب الجديدة أعقل وأكفأ رجل فى الدنيا فإن مجرد رؤيته خارجا إلى الجمهور بالمنشفة سبب كافٍ لعدم التصويت له. ومن المنطقى جدا أن يختار الناخبون «المتأرجحون» المتسابق الثانى، الجاهز.

أريد أن أقول إن الأصوات التى حصل عليها حزب الحرية والعدالة من غير جمهوره هى أصوات كانت فى زمن آخر ستذهب إلى أبناء العائلات، المرتبطين عادة بالحزب الذى يستطيع رعاية مصالحهم، أو ستقف على الحياد ولا تصوت لأنها لا تناصر اتجاها سياسيا بعينه. لا أقول هذا انتقاصا من حزب الحرية والعدالة، بالعكس، بل مدح فى نجاحه فى إقناع الناخب المتأرجح (رمانة الميزان فى الانتخابات فى الدنيا كلها) بأنه الحزب القادر على القيام بالمهمة فى هذه المرحلة الصعبة.

هؤلاء اختاروا حزب الحرية والعدالة أيضا لأنهم يسمعون اسمه، وبالتالى يعرفونه. فهو الحزب الموجود فى قلب الأحداث، المذكور مدحا وذما فى كل قضية (والدعاية السيئة هى دعاية جيدة، كما تقول القاعدة التسويقية)، المطروح فى كل حى شعبى من خلال أنشطة جماعته الدعوية، المرضى عنه من شيوخ المساجد بحكم الأمر الواقع، فإن لم يدعُ له فلن يدعو عليه. صورة متكاملة لـ«العريس المناسب» حتى لو لم يكن الزواج مبنيا على الحب. و«الحب ييجى بعد الانتخاب»، ما دام الرجل محترما ويقدر يصونك. سيكون لزاما على أى حزب يريد أن ينافس الحرية والعدالة فى الانتخابات القادمة أن يقنع هؤلاء الناخبين من غير جمهور الحزب بأنه سيقدم أداء أحسن.

طيب، هل كان هذا خيانة لمبادئ الثورة وللشباب الذين قاموا بها؟ أبدا. هذا وفاء لمبادئ الحياة اليومية، الشغل الشاغل للناخب فى أى مكان.

لو اعتبرنا الثورة ظاهرة استثنائية، كمطر غزير فى الصحراء، فلا بد أن نشير إلى أن أثر ظاهرة كتلك يكون محدودا جدا إن لم يكن فى الصحراء المعنية أناس يتولون أمرها، ويستفيدون من هذا الماء الهدية. هذا ما حدث فى مصر. حين نزل الغوث لم نكن مستعدين لـ«اليوم التالى»، وارتبكنا، لا لعيب موروث فينا، وإنما لأن هذا هو النتيجة المنطقية الوحيدة لعهود من الاستبداد والفشل السياسى. كان الأقل ارتباكا من بيننا الإسلامجيون المنظمون. ومن هنا كان منطقيا جدا أن يختارهم الناخب، الذى كان من الوعى بحيث يبدِّى الحرية والعدالة السياسى، البراجماتى، على حزب النور السلفى، بنسبة كبيرة. لكن الناخب أعطى حزب النور السلفى الكاره للديمقرطية عشرين فى المئة. هل يُعقل هذا؟ هذه نسبة متكررة للمتشددين فى بلاد أكثر منا تقدما ووعيا. حصل عليها جان مارى لوبان فى فرنسا، وحصل على أكثر منها جورج هايدر فى النمسا. وكلاهما يقود حزبا فاشيا متعصبا كارها للأجانب. أضف إلى ذلك تنسيقه مع حزب الحرية والعدالة، وهى خطوة سياسية قد يدفع حزب الحرية والعدالة ثمنها مستقبلا، وسننتظر المرحلة الثانية من الانتخابات لنعلم إن كان قد تنبه لخطرها.

نتائج الانتخابات لم تكن على هوى الثوار، لكن يجب أن يتجردوا ويقرؤوا اختيارات الناخبين بطريقة إيجابية لكى يستفيدوا منها، ولو كنت مكانهم لتفاءلت وعقدت الهمة: شعب يكره الفلول (هزمهم فى الصناديق)، لا يثق بالأحزاب القديمة، ويصوت للحزب الأكثر تنظيما، وتتجرأ نسبة لا بأس بها منه وتصوت لأحزاب جديدة تماما، كرما منه، وتشجيعا لها.

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

رأيى فيما يحدث - حالد الخميسي

كان مشروع التوريث مرفوضا من قبل كل من: الولايات المتحدة الأمريكية، والجيش المصرى، والمخابرات المصرية ومن قوى مصرية عديدة. وعندما بدأ مبارك فى طلب الرضا السامى من واشنطن، رفعت أمريكا بطاقة الفيتو على مشروع جمال مبارك.هذا الفيتو أدى إلى قيام مبارك ــ لأول وآخر مرة ــ بتحدى الامبراطورية الأمريكية (التى بدأ استعمارها رسميا لمصر منذ ثورة التصحيح فى مايو 1971). رفضت أمريكا مشروع التوريث لأنها رأت أن فى مصلحتها أن يكون الجيش المصرى هو حاكم البلاد. وعندما قامت الثورة المصرية ــ التى كانت ثورة مصرية شعبية لم تمولها أو تدعمها أمريكا كما قيل من البعض ــ قام الجيش بالاتفاق مع المخابرات المصرية بعمل الشىء المنطقى الوحيد حينذاك، وهو إزاحة مبارك باعتباره ورقة محروقة، والبدء فى مشروع تأسيس نظام جديد يتمتع (بشكل) ديمقراطى ويظل مواليا للولايات المتحدة الأمريكية وللسياسات الاقتصادية التى تم فرضها علينا من النظام الدولى ويحمى مصالح الأصدقاء الإقليميين والدوليين، كما يحمى المصالح الاقتصادية المتشابكة للقوات المسلحة. ولو أن الجيش سلك دربا مخالفا لذلك لتعرضت مصالح القوى السياسية الدولية والقوى المالية المهيمنة على الكون إلى الخطر فى هذه المنطقة. ولو تم ترك الحراك الثورى مستمرا لكان هذا الأمر يعنى بالنسبة إلى تلك القوى المحلية والدولية وقوع مصر فى مهب الريح، بل وإمكانية ــ والعياذ بالله ــ وقوع البلاد تحت سيطرة حكم «قوى وطنية ثورية».



●●●



فما الذى يستطيع الجيش فعله وهو يفتقر إلى الخبرة السياسية كما أنه لا يمتلك آليات العلاقة مع الجماهير؟

كان على الجيش العثور فورا على «جسر» أو «وسيط» بينه وبين الشعب وبين القوى السياسية الأخرى إن لزم الأمر، كى يسهل له تمرير ما يريد من رسائل سياسية لتأسيس النظام المطلوب فى هذه الظروف.

كان الحل الوحيد المطروح هو إدارة حوار مع القوى السياسية القائمة ثم عقد اتفاق بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين قوة بعينها لتقوم بدور الجسر.



وكان الإخوان المسلمون هم الأقرب. فهم من جهة تنظيم اشتهر بعقد الصفقات السياسية مع مختلف النظم السياسية عبر تاريخه منذ حكم الملك فاروق حتى يومنا هذا، من جهة ثانية يحتفظ بوجه نضالى مقبول من فئات عدة، ومن جهة ثالثة كان جزءا فاعلا فى النظام السياسى العام لحقبة مبارك، ومن جهة رابعة فان عددا كبيرا من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يشاركون الإخوان توجههم المحافظ (من «حفظ» أى الحفاظ على النظام القديم. وهو عكس التيار المطالب بالتغيير). حيث أن الاثنين ينظران إلى قضية الحريات والعدالة الاجتماعية بقدر من الحذر باعتبارها من الموضوعات التى ينبغى استبدالها بقضايا أخرى، مثل العودة إلى القيم القديمة والدفاع عن أمن مصر، وغيرها من القضايا الفضفاضة التى يمزجونها بمطالب الثورة.



وافق الأمريكان على الصفقة مع الإخوان. وبدأنا فى هذه الأيام نستمع ــ بصورة شبه يومية ــ إلى مباركة أوباما للفوز الإخوانى المحتمل فى الانتخابات التشريعية. وقد بدأت منذ فبراير حملة فى الإعلام المصرى تقوم بالدعاية للإخوان المسلمين، وتسلط الأضواء على نضالهم السياسى، والثمن الباهظ الذى دفعوه ممثلا فى التنكيل بأعضائهم والزج بهم فى سجون العادلى. وبالطبع فإن هذا الأمر يجرى دون ذكر أخبار رجال الإخوان فى المجالس النيابية السابقة وعلاقاتهم المشبوهة مع نظام مبارك، ولا علاقات رجال أعمالهم مع النظام المالى الإقليمى والمحلى، وشبكة علاقاتهم المعقدة مع السعودية الحليف الرئيسى لأمريكا فى المنطقة.



وماذا بعد؟ ما الذى يمكن فعله لاحتواء الثورة وتحويل مطالبها إلى «أسياخ من الحديد المطاوع» الذى يسهل تغيير شكله؟



●●●



هناك قضية الدستور، وقضية الانتخابات، والشكل الديمقراطى، وقضية الثائرين فى الشارع المطالبين بالتغيير الحقيقى. إذن، لابد أن يسير الحل عبر أكثر من درب وهذه هى الدروب الذى سرنا فيها مع المجلس العسكرى:



ــ البدء باختيار المستشار طارق البشرى ــ القريب من التيار الإسلامى ــ رئيسا للجنة تعديل الدستور (ومن المحتمل أن ذلك الأمر قد مثل جزءا من الصفقة مع الاخوان)



ــ صياغة مشروع الاستفتاء كما عرفناه (وكان الأداء السياسى كارثيا، واعتبر العسكر نتيجته تأييدا لهم).

ــ تأصيل مفهموم «فوقية القرارات»: فعلى الجميع الاستجداء عند أعتاب المجلس الأعلى للقوات المسلحة طلبا للرضا السامى، وهذا تم بمباركة القوى السياسية المصرية التقليدية كلها.



ــ زرع متفجرات دائمة ليصبح الفعل الثورى رد فعل لهذه المتفجرات، والترويج لقضايا خلافية بعيدة كل البعد عن أولويات العمل السياسى.



ــ البدء فى فض الاعتصامات بالعنف.



ــ تقييد الإعلام من خلال قدر من الحنكة فى إدارة علاقات مع القوى المالية والسياسية المهيمنة على الإعلام.



ــ الاستمرار فى مشروع «الفتنة الطائفية» بنفس الأداء الذى بدأه أنور السادات فى الزاوية الحمراء فى يونيو 1981، حيث توالت المشاهد المرعبة واحدا بعد الآخر منذ فبراير، وفى كل مرة كان يجرى إعلاء الخطاب الدينى عبر إرسال مجموعة من الدعاة للحوار، كبديل عن الخطاب السياسى الواجب وكبديل عن اتخاذ القرارات الحاسمة.



ــ بعد الاطمئنان من نتائج الحوار مع القوى السياسية التقليدية، بدأ الجيش حملته ضد القوى السياسية الشابة والجديدة وبدأ القبض على الناشطين السياسيين.



ــ زرع بالونات اختبار متعددة الألوان، استهدفت من ضمن ما استهدفت شغل الإعلام يوميا بمختلف القضايا التافهة.



ــ تمرير رسائل خوف متصلة وهى الرسائل المرتبطة بالكارثة الاقتصادية القادمة، والاخطار الدولية المحتملة، وتزامن مع الترويج لسياسات الخوف الانسحاب الأمنى الداخلى لإيقاف المد الثورى والحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير.



واستمر الإخوان المسلمون خلال ذلك الوقت باللعب ببراعة بلعبة الوجوه المتعددة، حيث أثبتوا جدارة شديدة فى لعبة الإعلام، وذلك من خلال خطاب ديماجوجى يليق بما وصلنا إليه من إنحطاط بعد عقود من التخلف السياسى.



ــ والرسالة الأهم التى كان على المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحلفائه التحضير لها ــ وقد نجحوا فيها إلى حد كبير ــ هى التأكيد على فكرة أن الثورة المصرية قامت من أجل انتخابات أكثر نزاهة (من انتخابات أحمد عز). ما الذى تريدونه أيها الثوار؟ هل تريدون الديمقراطية؟ وما معنى الديمقراطية؟ إن معناها انتخاب الرئيس مرتين ثم تغييره، معناها القيام بانتخابات برلمانية نزيهة (نسبيا)، وبالطبع الفصل بين السلطات الثلاث فى إطار دستور ابن حلال. حسنا، سوف نلبى تلك الطلبات.



هى رسالة ذكية تم التأكيد عليها عبر الاعلام وفى نفس الوقت بعيدة كل البعد عن مطالب الثورة، حيث إن المطلب الرئيسى للثورة كان إسقاط ذلك النظام الذى انتهج سياسة اقتصادية فجة لصالح الأغنياء ضد الفقراء، نظام مارس القمع والإرهاب بشتى صوره (ومازال مستمرا فيه حتى يومنا هذا)، نظام خنق الحريات وقضى على التعليم وأعلى من سطوة الأمن، وخنق الحلم داخل روح كل مصرى، نظام يفرق بين المصرى والمصرى على ألف أساس وأساس، نظام انهارت فيه القيم وانتشر الجهل والتعصب والقبح. وفى سبيل القضاء على مثل ذلك النظام، فنحن نحتاج إلى أكثر بكثير من انتخابات برلمانية ورئيس يتغير كل أربع أو ثمان سنوات. لقد استمروا فى تأصيل الفكرة الأساسية التى عمل عليها نظام مبارك: «الشكل دون الجوهر».



وتم الاستمرار فى تمرير الرسالة المهمة والخطيرة، والمتمثلة فى أن الانتخابات هى أهم الأشياء فى تاريخ الثورة المصرية، وهى منتهى آماله وغاية طموحاته. ويستكمل العسكر خارطتهم فى إعادة تشكيل الحديد المطاوع. أولا: التمسك بنسبة الـ50% عمال وفلاحين. (فهؤلاء النواب سوف يسهل التعامل معهم)، ثانيا: التمسك بنسبة الفردى خارج القوائم الحزبية. ثالثا: إقامة الانتخابات التشريعية القادمة على مراحل. وهى تبدو فكرة رائعة للسيطرة على النتائج، حيث تتيح التعرف على محصلة كل مرحلة، والتصرف فى المرحلة التالية لها طبقا لتلك النتائج.



●●●



هل هناك إمكانية لعقد اتفاق استراتيجى بين المجلس للأعلى للقوات المسلحة والإخوان؟ إنه أمر مستحيل يعلمه الطرفان جيدا، وتظل الخلافات قائمة بينهما، والصفقة مرتبطة بزمن بعينه وظروف بعينها، كما أن الجيش يعتمد على ولاء رئيس الجمهورية القادم له. وهذا هو الأمر الأساسى فى المرحلة الحالية. ولكى يضمن الجيش ولاء الرئيس القادم له، فلا بد أن يستمر فى منع الاعتصامات والسيطرة على الإعلام، واستخدام سلاح البلطجية التاريخى، والاستمرار فى القبض على الناشطين السياسيين، ومحاولة إيقاف أى عمل ثورى، والاستمرار فى الانفلات الأمنى، وفى طلب العون من حلفائه المحليين والدوليين.



هل يفكر الجيش فى عملية خروج آمن مثل تلك التى عرضت على مبارك منذ عامين ورفضها؟ لا أظن، فهم بالتأكيد قلقون على أوضاعهم الأمنية والاقتصادية، لكنهم مستمرون فى مشروعهم لخلق نظام سياسى مصرى أليف وموالى للامبراطورية الأمريكية وللنظام المالى المرتبط بها. وهم مطمئنون إلى الأداء الممتاز للإعلام المصرى فى غسيل عقول نسبة كبيرة من المصريين لخلق تيار جماهيرى يدافع عن إنجازاتهم. لكنهم لا يرون أن الشمس قد بدأت بالغروب عن أمريكا، وأن أزمة النظام الرأسمالى فى أوجها. ويبدو أن أخبار اليونان وأسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا وانجلترا وغيرها لم تصل مصر بعد، ولا حتى تلك المظاهرات التى تموج فى أمريكا، أظن أنهم يشعرون الآن بانتصارهم القادم. فى الوقت الذى يعتقدون فيه (بصدق) أنهم يقومون على خدمة مصر بشرف، وعلى حمايتها من شر التغيير، لأن الاستقرار (فى رأيهم) هو بر الأمان فى زمن صعب.



●●●



هل من المقدر النجاح للنظام المصرى الأليف المقبل؟ «فى المشمش». ربما ينجح فى الانتخابات القادمة، لكن مصر والعالم سوف يسلكون دربا مختلفا تماما، حيث إننا على أعتاب عصر جديد. فالعصر الحالى الذى بدأ باختراع الطباعة يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليبدأ عصر جديد مواكبا للطريق الذى شقه الانترنت. فنحن على أعتاب مرحلة «موت السياسة» كما عرفناها، وسيطرة تشكيلات اجتماعية جديدة على مقدرات الكون عبر الخمسين عاما القادمة، وفى هذه المرحلة القادمة لن يصبح هناك بالتأكيد موقع لحكم الجيوش ولا لفكر الإخوان المحافظ والرجعى. فالعصر الجديد سوف يحكم فيه الثوار القابعون الآن فى السجون، ومعهم جميع من ظل فى الشوارع حتى الآن يطالب بالتغيير.

الاختبار الميدانى لمقولات علاء الأسوانى – تانى

احترامى لهذا الرجل كبير منذ أن كنت أقرأ له من سنوات فى جريدة العربى الناصرى، وكان يكتب كلاما لا يقول به إلا وطنى شجاع جرىء مغامر. وحين تعرفت عليه أكثر بعد كتاباته فى جريدة «الشروق» وجدت أن الشخص الكامن خلف الكلمات ينطبق تماما مع الظاهر من صفاته. انطباق ينم عن أصالة وجرأة فى الحق تغفر أى صغيرة هنا أو هناك إن حدثت.



كتب الرجل كثيرا عن تدين المصريين الشكلى، ولأننى آتٍ من خلفية معرفية مختلفة، فقد وجدتها فرصة فى الماضى أن أتعلم منه بأن أختبر مقولاته فوجدت أكثر استنتاجاته صحيحة بشأن تأثير التدين الشكلى على توجهات المصريين مستندا فى ذلك إلى استطلاع رأى تجريه جامعة ميشجان الأمريكية. وكتبت آنذاك مقالا بنفس عنوان هذا المقال. ولهذا جعلت عنوان مقال اليوم مختوما بعبارة «تانى» كى أتعلم منه مرة أخرى.



والحقيقة أن ما يقوله الدكتور علاء الأسوانى، وهو الخبير بهذه الأمور، قد يختطفه آخرون ويكررونه منسوبا لأنفسهم، وهو ما لم يقلقنى، ولكن بدا لى فى الأسابيع القليلة الماضى أن هناك نزعة لدى البعض أن يكرروا عبارات تحتاج لاختبار ميدانى. ولو كانوا قالوها منفردين لما ألقيت لهما بالا. لكن بما أن المتحدث هو الدكتور الأسوانى، فهى ليست طلقات طائشة أو رصاصات صوت. ولابد أن تؤخذ بالجدية التى تليق بجدية صاحبها.



إلى الموضوع، إذن.



كتب الدكتور علاء بجريدة «المصرى اليوم» الشقيقة، بتاريخ 15 نوفمبر العبارة التالية:



«فى كل الدنيا عندما يريد الشعب أن يكتب الدستور فهو يفعل تماما مثل الطلبة الذين يسكنون معا. كل طائفة أو جماعة فى المجتمع تنتخب ممثلين لها يشكلون الجمعية التأسيسية التى تقترح مواد للدستور تتم مناقشتها على الملأ ثم طرحها على الشعب للاستفتاء العام». وقدم حجته التى قد أختلف أو أتفق معها بقوله: «لأننا عندما نعهد إلى البرلمان بكتابة الدستور نقع فى تضارب للمصالح، لأن الدستور هو الذى يحدد صلاحيات مجلس الشعب فلا يمكن أن نطلب من أعضاء مجلس الشعب أن يحددوا صلاحياتهم بأنفسهم. فإذا كان نصف مجلس الشعب من العمال والفلاحين فلا يمكن أن نتخيل أنهم سيوافقون فى الدستور الجديد على إلغاء شرط أن يكون نصف أعضاء البرلمان من العمال والفلاحين. إن الأغلبية السياسية عندما تفوز بالانتخابات من حقها أن تفرض برنامجها السياسى على الأقلية».



من حسن حظنا أن دارسى العلوم السياسية فى العالم قد بحثوا هذه القضية ميدانية ليتبينوا مدى أفضلية عدم الاعتماد على المجلس التشريعى المنتخب فى وضع الدساتير. فقد قام فريق بحثى بقيادة أستاذة أمريكية متميزة بجامعة برينستون بدراسة الـ200 دستور، التى ظهرت فى دول العالم المختلفة فى الفترة من 1975 وحتى 2003. وقد وجدت أن هناك تسع طرق لكتابة الدساتير عرفتها دول العالم المختلفة. وقد كان الأكثر استخداما فيها هو أن تعهد هذه الدول إلى البرلمان المنتخب كى يقوم بذاته بصياغة الدستور (42 بالمائة من الحالات)، أو عبر هيئة تأسيسية معينة من قبل البرلمان (9 بالمائة من الحالات). أى أن أغلب دول العالم أخذت بما أخذنا به. والدراسة موجودة على موقع الجامعة المشار إليه بالأسفل.



ويشير صديقى العزيز المهندس أحمد أبوبكر إلى مفارقة فى كلام أخى العزيز د. علاء الأسوانى وما يقترحه فريق من فقهاء القانون والمثقفين المصريين من أن «العالم كله ينتخب جمعية تأسيسية بعيدة عن البرلمان». وبالاختبار الميدانى لصحة هذه المقولة بما فيها من تعميم صارخ، تبين، وفقا للمصدر السابق، أن هذا لم يحدث إلا فى 17 بالمائة من حالات كتابة الدساتير فى العالم منذ عام 1975 حتى الآن، وأن ما يرفضه البعض على أنه من غير المقبول عرفته 51 بالمائة من مجتمعات العالم.



ومع ذلك، فالحس الوطنى للدكتور الأسوانى، ولمن يسيرون على نفس المنهج، أصاب الكثير من الحقيقة حين أشار إلى مخاطر حقيقة لو ظنت الأغلبية أنها مطلقة اليد فى تحديد مصير الحياة السياسية عبر دستور إما شديد الجمود وغير قابل للتعديل إلا بثورة أخرى، أو أن يتحول إلى دستور أقرب إلى قانون مؤقت يتم تغييره مع كل برلمان جديد بأغلبية مختلفة. لذلك علينا أن نعود إلى عدد التجارب الأخرى حتى نتحسب لبعض المخاطر المحتملة. إن دولة مثل بولندا فعلت تقريبا ما نفعل بالضبط، ولكن حدث تعثر بسبب بعض الأخطاء فى التطبيق بسبب التشرذم الشديد فى توزيع مقاعد الهيئة التأسيسية للدستور. فقد تم انتخاب مجلس تشريعى يتكون من مجلسين بمجموع 560 عضوا فى عام 1990. قام هؤلاء بتكوين لجنة من 56 شخصا لصياغة، وللتباين الشديد فى التوجهات الأيديولوجية فشلت اللجنة مع الهيئة التأسيسية فى الوصول إلى نتيجة، فتراضوا على ما أسموه «The Little Constitution» أو الدستور البسيط بعد عامين من المناقشات.



وبعد انتخابات أخرى فى عام 1993 تم تشكيل لجنة جديدة منبثقة مرة أخرى من المجلس المنتخب، استمعت إلى جميع وجهات النظر بما فيها الأحزاب التى لم تفز فى الانتخابات، لكنها كانت تعبر عن التيار الرئيسى فى المجتمع بالأساس. انتهت إلى مشروع دستور، تم التصويت عليه فى البرلمان، حصل على أغلبية 90 بالمائة فى البرلمان، ثم تم عرضه فى استفتاء عام على الشعب صاحب السيادة عندهم، وحصل على دعم 57 بالمائة من الأصوات. وأرجو ملاحظة أن التوافق لم يكن موجودا فى الاستفتاء الشعبى حتى لا نعتقد أن نتيجة الاستفتاء لو جاءت بأقل من 80 بالمائة فهذا سيعنى حربا أهلية من وجهة نظر البعض.



ما الدروس المستفادة من كل ما سبق؟



ما فعلناه ليس بدعا من الطرق، وأرجو أن نكتفى بما سبق من حديث عن الماضى ولنتحدث عن المستقبل.



لو كان النمط السائد أن النخبة المثقفة كلما وجدت نفسها فى موقع الأقلية فستشيع الذعر فى المجتمع (والكلام ليس عن الدكتور الأسوانى قطعا، فتوازن طرحه موضع احترامى)، إذن لا مجال للحديث عن الديمقراطية، ولنسلم بما سبق وأن قاله مبارك ورجاله بأن المصريين ليسوا جاهزين للديمقراطية، وربما تحتاج الجملة لتعديل بسيط وهو «أن نخبة مصر المثقفة ليست مستعدة لتحمل أعباء الديمقراطية».



نحن معزولون عن الشارع. «نحن» هذه هى كاتب هذه السطور ابتداء والكثير ممن يظنون أن المجتمع يستيقظ كل يوم ليقول: «يا ترى كيف سأفكر اليوم؟ يا ترى ما هى منظومة القيمة التى ستحكم معتقداتى السياسية خلال هذا الشهر؟» المصريون لهم حساباتهم المختلفة تماما عما يتصوره أحاد الناس.



كما هو الحال فى الكثير من المفاصل التاريخية البعض يرفع شعار «نظريتى فى مقابل تاريخك» بمعنى أن التاريخ حدث ولا يمكن تغيير أى متغيرات فيه، أما نظريتى فأنا أستطيع أن أحرك كل افتراضاتها كما أشاء. ولهذا من اختاروا بديل «نعم» للتعديلات الدستورية سيظلون فى وضع انتقاد شبه دائم ممن لم ترتض نفوسهم أو تقبل عقولهم بنتيجة الاستفتاء. وأسوأ ما فى حالتنا أن أهل «نعم» لن يُنتَقدوا على ما اختاروه بالفعل وإنما على نتيجة مشوهة جمعت بين نصائح وفزّاعات بعض أهل «لا» مع قرارات إدارة انتقالية حائرة ومتخبطة.



«ولتكن شدتنا فى الحق شدتين» كان عنوان مقالى بعد نتيجة الاستفتاء مستحضرا كيف أن اختلف الصحابيان العظيمان أبوبكر وعمر بشأن حروب الردة، وكيف أنهم فى النهاية احتكما لما فيه مصلحة الأمة. وحدة الأمة على قيمها العظمى فرض، أما الوسيلة فهى نفل. ولو كنا نخبة بجد، فلا نضيع الفرض من أجل النفل.



شكرا للدكتور علاء الأسوانى، ولكل من يجتهد حبا لهذا الوطن وحرصا على صالحه. ولتعلو مصر.

الموقع المشار إليه: HYPERLINK



www.princeton.edu/~pcwcr/about/index.html

www.princeton.edu/~pcwcr/about/index.html

الأحد، 30 أكتوبر 2011

قبل أن يكون حقاً.. «آخر كلام» - يسري فودة

بادرنى اللواء إسماعيل عتمان باتصال هاتفى بعد ظهر الثلاثاء ١١ أكتوبر الماضى، امتد أكثر من ساعة، حمل لى أثناءها تقريباً كل ما جاء، بعد ذلك بأربع وعشرين ساعة، فى المؤتمر الصحفى الذى شرح فيه المجلس العسكرى وجهة نظره فى أحداث الأحد الدامى.. أحداث ماسبيرو.

كان الرجل، كعادته، بسيطاً ودوداً، وبين يديه ما بدا عتاباً: «إحنا زعلناك فى حاجة يا راجل؟».. لم أفهم تماماً مقصده، وإن كان ذهنى أخذنى لأول وهلة إلى حلقة الليلة السابقة من «آخر كلام» التى، فى سياقها، فرضت الحقائق نفسها إدانة لموقف ماسبيرو من أحداث ماسبيرو.

ورغم أن حديث أى مصدر عن أى شىء مع أى صحفى قابل للنشر، إلا إذا طلب المصدر بصورة واضحة عدم النشر، فإننى - إمعاناً فى التيقن - أطبق القاعدة العكسية فى معظم الوقت: إن كل محادثة غير قابلة للنشر إلا بإذن. ومن ثم سأتعرض هنا فقط لما اختار اللواء عتمان، من حديثه معى أثناء ذلك الاتصال، أن يكرره بنفسه على الملأ فى مناسبات لاحقة.

كان من الواضح أن الحديث وصل بنا بعد جدال طويل إلى طريق مسدود، فهو يحيى تغطية تليفزيون الدولة بلا تحفظ، وأنا أنتقدها بلا تحفظ. هو يرى أن التليفزيون فعل شيئاً لم يفعله قبل ذلك عندما تقرر له أن يبث ما كان يحدث على الهواء مباشرة. وأنا أرى - رغم أن هذا صحيح، على الأقل فى جانب من جوانب الصورة - أن ما صاحب الصورة من تعليقات، شفوية ومكتوبة، كان العنصر الحاسم، وإلا لماذا اقتحمت الشرطة العسكرية برشاشاتها فى مشهد درامى استوديوهات قناتين أخريين لا تخضعان لسيطرة ماسبيرو لمنعهما من بث المشهد نفسه على الهواء؟

هناك مبدأ صغير فى صناعتنا يقول: «إن كنت تخشى من الكاميرا فلابد أن لديك ما تخشاه». وهناك مبدأ كبير فى الدنيا وفى الدين يقول: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون». وبين هذا وذاك مبدأ يساعدنا على الاستمرار فى العيش معاً: إن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية. لكن الاختلاف فى هذه الحالة هو فقط أحد تجليات فجوة فى الرؤية كانت قد بدأت فى الاتساع على مدى الشهور القليلة الماضية.

فجوة فى الرؤية

اجتمع عدد من الأسباب على إفساح المجال أمام هذه الفجوة كى تتعمق، من أهمها: أولاً، أن الحياة المدنية تسير أفقياً فى إطار من الأخذ والرد، بينما تسير الحياة العسكرية رأسياً فى إطار من الأمر والطاعة. وثانياً، أن رسالة المجلس العسكرى لم تصل إلى الناس، ليس لنقص فى الخبرة بالشؤون المدنية وحسب، بل لأن الرسالة تفقد نصف مفعولها قبل أن تبدأ إذا لم يستطع مرسلها سلفاً تحديد الجمهور المستهدف بدقة.

وأكاد أجزم أن كل مسؤول عسكرى تحدث إلينا حتى الآن كان موزعاً، فى ذهنه وفى لسانه، بين جمهور الشارع وجمهور الثكنات. ولا يمكن انتظار تأثير فاعل لرسالة واحدة تتوجه إلى جمهورين مختلفين إلى هذا الحد. ومن ثم أزعم أن هذه رسالة مفقودة حتماً فى ثنايا الجمع بين مستحيل النقيضين: لين الأخذ والرد مع المدنى الذى يتوقع أحياناً اعتذاراً عن خطأ، من ناحية، وحزم الأمر والطاعة مع العسكرى الذى يتوقع دائماً أن قائده منزه عن الخطأ، من ناحية أخرى.

و ثالثاً، أن تعاقب الأيام والأسابيع والشهور، بينما تمر الأطراف جميعها بعملية تعلم قاسية فى معظم الأحيان، ألقى بنا جميعاً - ومن بيننا المجلس العسكرى - إلى حالة من الإرهاق الجسدى والذهنى والعصبى كانت لها نتائج. من بين هذه النتائج، فى حالة المجلس العسكرى، جنوحه إلى تغيير مسار التعاطى مع الموقف، الذى كان قد سلكه فى البداية، إلى مسار يبدو له أقصر وأكثر سهولة، وربما أيضاً ساهمت طبيعته العسكرية البحتة فى هذا الجنوح.

تجليات مسار جديد

كان من تجليات هذا المسار، أولاً، نشوء جفوة بين المجلس العسكرى من ناحية والنخبة الأقرب إلى ضمير الوطن من الساسة والمثقفين والنشطاء والإعلاميين بعد مرحلة ثرية واعدة من الحوار، المعلن وغير المعلن. وكان لابد أن تنشأ عن هذه الجفوة فجوة، وهى فجوة لا يمكن أن تبقى فارغة، وهى فجوة لا يملؤها عادةً إلا المنافقون وأصحاب المصلحة الخاصة. وهو ما أضاع على المجلس «مستشاراً» صادقاً وإن كان متعباً، وأكسبه «مستشاراً» مريحاً وإن كان لا يمثل إلا نفسه.

وثانياً، ساهم هذا فى تشكيل طريقة جديدة قديمة تؤمن بأنه «إذا لم تكن الكاميرا هناك فإن شيئاً لم يحدث».. طريقة تبدو أقصر وأسهل تؤمن بمعالجة الأمور إعلامياً وحسب، لأن الإعلام فى نظرها يمكن أن ينفى واقعاً موجوداً على الأرض كما يمكن أن يخترع واقعاً لا وجود له، وهكذا تتبخر المشاكل. ومن نوافل القول أنها نظرية أكل عليها الدهر وشرب، والأهم من هذا أنها أثبتت ضررها بجميع أطراف المجتمع، حاكماً ومحكوماً.

الجديد هذه المرة، والمثير للمفارقة فى الوقت نفسه، أن «الكاميرا كانت هناك»، فى أحداث ماسبيرو وفى غيرها، وكان علينا رغم ذلك أن نقتنع بأن شيئاً لم يحدث، وبأنه إن كانت هناك مشكلة فهى فى الواقع ليست تلك التى تراها بأم عينيك الآن وتسمعها بأبى أذنيك.

عبرة «قناة الجزيرة»

هكذا يراد لنا أن نعود إلى الوراء خمسة عشر عاماً على الأقل عندما ظهرت قناة الجزيرة لأول مرة، وقتها اضطررنا إلى المرور بثلاث مراحل قبل أن تبدأ الفكرة فى الوصول إلى أذهان الأنظمة العربية. كانت المرحلة الأولى صدمة مباشرة أسفرت عن تحرك سياسى مكثف اتخذ أشكالاً مختلفة، من بينها إرسال الوزراء والمبعوثين إلى الدوحة «لتعقيل» أميرها الجديد، ثم سحب السفراء منها للضغط عليه، ولما لم تفلح هذه المحاولات انتقلنا إلى المرحلة الثانية، وهى مرحلة تكسير العظام، والضرب تحت الحزام أحياناً، ومن تجلياتها إغلاق مكاتب الجزيرة وتوقيف مراسليها وشن حملات مسمومة فى وسائل الإعلام المحلية والدولية، ولما لم تفلح هذه ولا تلك انتقلنا إلى المرحلة الثالثة، وهى مرحلة «إن لم تستطع أن تغلبهم انضم إليهم». وينبغى أن نضيف إلى هذا العنوان جملة أخرى: «ولكن لا تصدق نفسك كثيراً».

ورغم ذلك، فقد كان وصول الأنظمة العربية، ولو مضطرة صاغرة غير صادقة، إلى هذه المرحلة الثالثة إيذاناً بانطلاقة أزعم أنها علامة فارقة ليس فى تاريخ الإعلام وحسب، بل فى الحياة اليومية للمواطن العربى من المحيط إلى الخليج. ذلك أن الناس عادةً لا تفتقد ما لا تعرف. الآن هم يعرفون، لخمس عشرة سنة يعرفون، والآن هم إذا فقدوا سيفتقدون، وحين يفتقدون سيفعلون كل ما فى وسعهم للحصول على ما فقدوه بأى وسيلة كانت. إن تجربة الحرية، بمعنى من المعانى، تشبه تجربة الموت. نعم، يمكنك أن تزور الموت، ولكن لا يمكنك الرجوع. وكذلك الحرية.

لا آل سعود بكل ما أوتوا من مال ومن نفوذ، ولا نظام مبارك بكل ما أوتى من حيل ومن بلطجية، ولا الأنظمة العربية كلها مجتمعة استطاعت أن تقف فى وجه هذا الطوفان الذى يمكن تلخيصه فى كلمتين: حتميات العصر. لكن فى مصر الآن من يبدو أنه لم يستوعب هذا الدرس الكبير. فى مصر الآن من يبدو أنه لا يعلم أن فى استطاعة أى هاوٍ إطلاق خمس قنوات فضائية من جهاز كمبيوتر متنقل من غرفة النوم، فى مصر الآن من يبدو أنه لا يفهم أن رسائل «بى بى إم» القصيرة أشعلت خمس مدن فى بريطانيا فى لحظة واحدة قبل أسابيع قليلة. فى مصر الآن من لا يدرك أن فى مصر الآن جيلاً جديداً ملماً بحتميات العصر متذوقاً حلاوة الإرادة والحرية. فى مصر الأن، ببساطة، من لم يدرك بعد أن فى مصر ثورة.

هذا هو المناخ العام الذى بدأ يفرض نفسه من جديد على مدى الشهور القليلة الماضية منذ إصبع اللواء محسن الفنجرى، وقد كان له ما كان من التقدير فى قلوب أسر الشهداء وفى قلوبنا جميعاً، مروراً بما نعرفه جميعاً من إيقاف واستدعاء وإنذار وتخويف وتشويه وتدجين وإغراء ومحاباة، وصولاً فى نهاية المطاف إلى اقتحام وغلق وإرهاب بالرشاشات على الهواء. ويكون الأمر سهلاً أمام حقيقة أن مصر موزعة إعلامياً بين ما يتبع الدولة، وهو فى قبضة الحاكم بصورة مباشرة، وما يتبع القطاع الخاص، وهو أيضاً فى قبضته وإن كان بصورة غير مباشرة مشوقة فى كثير من جوانبها.

هشاشة الإعلام الخاص

تسمح الأنظمة العربية، خاصة فى مصر، لنفسها بهذا الافتراض الذهنى: «أنك إذا استطعت أن تجمع مالاً ونحن فى الحكم فأنت مدين لنا»، شىء أشبه بإتاوة فتوة الحارة، وإن كانت إتاوة فى دفتر مفتوح إلى ما لا نهاية يدفعها فى الواقع غلابة الحارة، ولأن علاقة أصحاب السلطة بأصحاب المال أكثر تعقيداً من هذا بكثير، خاصة فى مصر، فإننى لا أرى أن من واجبى أن أدافع عن هذا ولا عن ذاك وأنا لا أدرى تماماً دهاليز العلاقة. وإنما - مثلى مثل كثير من زملائى - يعنينى فقط ما يمس قدرتى كمواطن وكإعلامى على استثمار فرصة أتيحت أمامنا عندما فرضت «حتميات العصر» على السلطة أن تسمح ببعض النوافذ الإعلامية من خلال مجموعة من رجال الأعمال. ومثلى مثل كثير من زملائى، لا يهمنى فى هذا «الفرح» كله إلا أن أكون قادراً على القيام بواجبى أمام الله وأمام الوطن.

يفرض هذا الواجب، أول ما يفرض، على النفس اعترافاً مبدئياً: أننا أمام نظام إعلامى هش، تبلغ هشاشته فى بعض الأحيان حداً مضحكاً مبكياً فى آنٍ معاً. وهو أيضاً نظام يجعل مما هو مفترض أن يكون الحد الأدنى من الأمانة المهنية - مثل تغطيتنا لأحداث جمعة الغضب يوم ٢٨ يناير - عملاً أقرب إلى أعمال الانتحار الجماعى على قارعة الطريق. كما يفرض هذا الواجب على النفس اعترافاً آخر: أننا إذا كنا فى الإعلام الخاص متضررين من هشاشة الوضع، فإن زملاءنا فيما يعرف بإعلام الدولة ضحايا.

وبطبيعة الحال، فإن جزراً من ألوان مختلفة توجد فى داخل كل من هذين النمطين بما يصعب معه التعميم. لكننا نتحدث عن نمطين عريضين على أى حال، وما يهمنا هنا هو أن المجلس العسكرى بقى قريباً من الشارع ما بقى قريباً من جزر بعينها فى النمطين، خاصة فى نمط الإعلام الخاص. لكن هذا الإعلام الخاص تحول فى إطار المناخ المشار إليه سلفاً، من وجهة نظر المجلس العسكرى، إلى شىء أقرب إلى العبء منه إلى الذخر، أو حتى منه إلى مجرد المعبر. وترافق ذلك مع وتيرة متصاعدة من الضغوط التى اتخذت أشكالاً مختلفة وأساليب متنوعة، بعضها موروث وبعضها الآخر مبتكر، وإن كانت جميعاً تعمد إلى توفير ما يكفى من الدوافع لدى الإعلامى فى نهاية السلسلة كى يتطوع بممارسة المزيد من الرقابة الذاتية.

تفرق إيه يعنى؟

ماذا إذن حدث تحديداً فأدى إلى إلغاء حلقة «آخر كلام» مع الكاتبين الكبيرين، علاء الأسوانى وإبراهيم عيسى؟.. يسألنى الناس. بعد هذا كله يسألنى الناس؟ ورغم تقديرى الشديد لشغف الناس بالتفاصيل فإننى أشعر أحياناً برغبة كوميدية سوداء فى أن أخبط رأسى فى الحائط وأنا أصيح: «تفرق إيه يعنى؟.. تفرق إيه يعنى لو أن زيداً، مش عمرواً، هو الذى اقترح؟ تفرق إيه يعنى لو أن تليفوناً، مش اجتماعاً، كان السبب؟ تفرق إيه يعنى لو أن شبرا، مش مصر الجديدة، كانت مسرحاً للحديث؟»، الذى يفرق عندى، أولاً، أن يدرك الناس حقيقة أن وقف برنامج كهذا لم يكن قراراً سهلاً، وثانياً، أن المشكلة الرئيسية ليست بالضرورة فى أشخاص وإنما فى نظام كامل.

وكى تستريح القلوب، دعونى أبسط أمامكم هذه الحقائق: أولاً، أنا الذى اتخذ قراراً بوقف الحلقة وتعليق البرنامج إلى أجل غير مسمى. ثانياً، أننى اتخذت هذا القرار لأن ثمة ما دفعنى إليه، وما دفعنى إليه هو إدراكى حقيقة أن ثمة حداً أقصى لممارسة الرقابة الذاتية، وإلا فقد الرجل احترامه لذاته ولجمهوره ولمهنته ولوطنه. وثالثاً، أن الضغوط لم تأت من إدارة قناة «أون تى فى»، وإنما من المجلس العسكرى، بل إن إدارة القناة، ممثلة فى الزميلين ألبرت شفيق ويوسف شكرى، بقيت حتى آخر لحظة تحاول إقناعى بالاستمرار، أمام إصرار منى على تجنيب القناة حرج ضغوط إضافية. رابعاً، أن إصرارى على قرارى لم يكن الهدف منه أبداً إثبات بطولة فارغة أو إلقاء «كرسى فى الكلوب». خامساً، أننى كنت فى حاجة إلى عزل نفسى عن القناة، ولو مؤقتاً، كى لا تتحمل القناة عبء ما قررت أنه صار من واجبى أن أتعرض له كمواطن وكإعلامى.

وأخيراً، لم يكن لقرارى هذا أى علاقة من قريب أو من بعيد بظهور عضوى المجلس العسكرى، اللواء محمد العصار واللواء محمود حجازى، فى برنامج غير برنامجى أو على قناة غير قناتى كما أراد البعض أن يشوه الهدف، عن حسن نية أو عن غير ذلك. فعلى حد علمى أنا الصحفى الوحيد الذى استأذن فى إلغاء مشروع حلقة كان متفقاً عليها مع أعضاء فى المجلس العسكرى، قبل ذلك، عندما أدركت أنها لن تخضع للحد الأدنى مما أراه شروطاً مهنية، مع كامل احترامى لأعضاء المجلس واعتزازى بالزميلين إبراهيم عيسى ومنى الشاذلى. أنا أيضاً الذى التمس من «أون تى فى» أن تذيع حلقة معادة من برنامجى الذى كان سيذاع على الهواء فى نفس توقيت لقاء المجلس العسكرى مع «منى» و«إبراهيم»، بل إننى دعوت أصدقائى على «فيس بوك» و«تويتر» لمتابعة هذا اللقاء، لأنه ببساطة حدث يعلو فوق أى منافسة.

أما فيما يخص اتصال اللواء إسماعيل عتمان على الهواء، بعد ذلك بيومين، بزميلتى العزيزة ريم ماجد، فإن ما بينه وبيننا، نحن الإعلاميين، من علاقة مهنية تكسوها بساطة الريف المصرى بما فيه من أصالة وعشم، يسمح لى بأن أبعث إليه بهذه الابتسامة التى لم أستطع مقاومتها عندما شعرت كأننى «عيّل تايه» وهو ينادى عبر الأثير: «عُد يا يسرى.. نحن فى حاجة إليك». ولكن، من منطلق أكثر جدية، لم أكن أتمنى أن يلخص المسألة برمتها فى احتمال وجود خلاف بينى والقناة، بينما يستبعد تماماً، ولو من باب الاحتمال، اختلافاً فى وجهات النظر أو فى تقدير المواقف مع المجلس العسكرى. وهذا، فى حد ذاته، مؤشر آخر إلى طبيعة تلك الفجوة التى أشرنا إليها سلفاً فى هذا المقال.

خلاصة القصة

ببساطة، كنت أتمنى - ومازلت أتمنى - أن يفتح اضطرارى إلى خنق برنامجى بيدىّ باباً إلى غرفة هادئة مضيئة لها نافذتان. النافذة الأولى تطل على المجلس العسكرى بمجموعة من الرسائل من أهمها، أولاً، أنه لن يحمى الوطن، خاصة فى أوقات الأزمات، شىء قدر إعلام حر صادق قوى، ولنا فى الفارق بين إعلام ٦٧ وإعلام ٧٣ عظة كبرى، وأن لهذا الإعلام دوراً مهماً، إن لم يكن حاسماً، فى هذه اللحظات وفى مستقبل قريب واعد منذر فى آنٍ معاً. وثانياً، أن مصر الآن لا تتحمل غياب القدرة على استيعاب درس إعلامى ضخم لم يستطع الرئيس المخلوع استيعابه فى زمنه، وأنه سقط فى نهاية المطاف لأنه فضل الطريق الأسهل، ولأنه آمن باللافعل. وثالثاً، أن الوسائل المتاحة فى عالم اليوم، أمام جيل صنع ثورة، لا تعد ولا تحصى، وخير لنا جميعاً أن نحتضن «حتميات العصر» قبل أن تدوس هى علينا بامتهان.

أما النافذة الثانية فتطل علينا - نحن الإعلاميين - بفرصة للتأمل. نحن أصحاب الإعلام، ولا أحد غيرنا صاحبه. لا السلطة ولا حتى صاحب القناة أو الجريدة، نحن أصحابه، هذه حقيقة بسيطة بديهية لكنها تتوه منا كثيراً وسط الزحام. ومن واجبنا، تجاه أنفسنا وتجاه الوطن، وفوق هذا وذاك، تجاه الله، أن نقول الحق ولو كان الثمن أرزاقنا وأعناقنا. أقارن زماننا - وفيه ما فيه من بدائل لا حصر لها تجعلنا محظوظين مدللين - بأزمنة جاهد فيها أسلاف لنا ولم يكن أمامهم من بديل. أقارن ما نحن فيه بما أحاط محمود عوض، على سبيل المثال، من ظلام، فلا جوجل ولا إيميل ولا بلاك بيرى ولا آيباد ولا هاتف ولا فضائيات ولا غيره، وأرى نتاج يديه فى الستينيات والسبعينيات متفوقاً بصورة مدهشة على كثير من نتاج اليوم. أراه وقد أحاط به ما أحاطه من ظلم فى الثمانينيات والتسعينيات، من السلطة ومن منافقيها، فلم يكن ذلك إلا وقوداً إضافياً ملك به زمام أمره بيديه فاحتفظ باحترامه لذاته ولجمهوره ولوطنه فانتصر، وحين مات كان قد عاش.

هذا إعلامنا ونحن أصحابه، ومما يبعث فى النفس أملاً أن بعضاً منا بدأ يدرك ذلك عملياً فبدأ التفكير فى الأيام القليلة الماضية فى مجموعة من المبادرات، من بينها مبادرة لإطلاق قناة يملكها الشعب، عن طريق الاكتتاب المباشر، يشارك فى حمل لوائها الزميل العزيز بلال فضل مع مجموعة من الزملاء المحترفين الوطنيين. ومبادرة أخرى، أشارك مع الزملاء فى حمل لوائها مثلما أشارك فى مشروع القناة، تهدف إلى خلق جبهة وطنية دائمة لحماية الإعلام الحر، وتكون لها باتفاق أعضائها من الإعلاميين أسنان تضمن هذه الحماية. هذه المبادرات ليست موجهة ضد أحد، بل إن من شأنها شد أزر ما لدينا من إيجابيات ومن بدائل، ومساعدة الجميع على استيعاب حقيقة أن عصراً جديداً لا تصلح معه الأساليب القديمة.

هل أعود بعد هذا إلى «آخر كلام»... نعم أعود.

انتهى