الاثنين، 5 ديسمبر 2011

عاش الناخب المصرى.. رؤية فى نتائج المرحلة الأولى - خالد البري

اعتقدت أن الأحزاب الإسلامجية ستحصل مجتمعة على ٤٠ فى المئة من الأصوات، بينما تتقاسم الستين فى المئة الأخرى أحزاب الديكور القديمة والأحزاب الجديدة من جهة، والفلول فى المقاعد الفردية أو القوائم من جهة ثانية. خطأ. الناخب المصرى أثبت أنه أكثر وعيا منى، وأسقط الفلول إسقاطا فى الجولة الأولى من الانتخابات. وأعلن باختياره الحر تبرؤه من النظام القديم.

لكنه فى الوقت نفسه أعطى نصيب الأسد من الأصوات التى سحبها من الفلول للأحزاب الإسلامجية. فلماذا؟

تخيلى نفسك ناخبة غير مسيسة، لا تنتمين إلى حزب معين، ولا تتبنين أيديولوجية معينة، قمت بواجبك «الثورى» ولم تصوتى للفلول، والآن تريدين أن تعطى صوتك لحزب من بين البدائل المتبقية، فلمن ستعطين صوتك؟

إنما مَثَل الانتخابات كمَثَل حفل نهائى لاختيار المسؤول النموذجى فى الحى. أحد المرشحَين جاء مبكرا، أخذ الحمام، جَهُز، ارتدى البدلة والكرافيت. بينما جاء الثانى متأخرا، فرغ بالكاد من الحمام وكان يجفف نفسه حين دق جرس الخروج إلى المنصة لمواجهة الجمهور. لو كانت الأحزاب الجديدة أعقل وأكفأ رجل فى الدنيا فإن مجرد رؤيته خارجا إلى الجمهور بالمنشفة سبب كافٍ لعدم التصويت له. ومن المنطقى جدا أن يختار الناخبون «المتأرجحون» المتسابق الثانى، الجاهز.

أريد أن أقول إن الأصوات التى حصل عليها حزب الحرية والعدالة من غير جمهوره هى أصوات كانت فى زمن آخر ستذهب إلى أبناء العائلات، المرتبطين عادة بالحزب الذى يستطيع رعاية مصالحهم، أو ستقف على الحياد ولا تصوت لأنها لا تناصر اتجاها سياسيا بعينه. لا أقول هذا انتقاصا من حزب الحرية والعدالة، بالعكس، بل مدح فى نجاحه فى إقناع الناخب المتأرجح (رمانة الميزان فى الانتخابات فى الدنيا كلها) بأنه الحزب القادر على القيام بالمهمة فى هذه المرحلة الصعبة.

هؤلاء اختاروا حزب الحرية والعدالة أيضا لأنهم يسمعون اسمه، وبالتالى يعرفونه. فهو الحزب الموجود فى قلب الأحداث، المذكور مدحا وذما فى كل قضية (والدعاية السيئة هى دعاية جيدة، كما تقول القاعدة التسويقية)، المطروح فى كل حى شعبى من خلال أنشطة جماعته الدعوية، المرضى عنه من شيوخ المساجد بحكم الأمر الواقع، فإن لم يدعُ له فلن يدعو عليه. صورة متكاملة لـ«العريس المناسب» حتى لو لم يكن الزواج مبنيا على الحب. و«الحب ييجى بعد الانتخاب»، ما دام الرجل محترما ويقدر يصونك. سيكون لزاما على أى حزب يريد أن ينافس الحرية والعدالة فى الانتخابات القادمة أن يقنع هؤلاء الناخبين من غير جمهور الحزب بأنه سيقدم أداء أحسن.

طيب، هل كان هذا خيانة لمبادئ الثورة وللشباب الذين قاموا بها؟ أبدا. هذا وفاء لمبادئ الحياة اليومية، الشغل الشاغل للناخب فى أى مكان.

لو اعتبرنا الثورة ظاهرة استثنائية، كمطر غزير فى الصحراء، فلا بد أن نشير إلى أن أثر ظاهرة كتلك يكون محدودا جدا إن لم يكن فى الصحراء المعنية أناس يتولون أمرها، ويستفيدون من هذا الماء الهدية. هذا ما حدث فى مصر. حين نزل الغوث لم نكن مستعدين لـ«اليوم التالى»، وارتبكنا، لا لعيب موروث فينا، وإنما لأن هذا هو النتيجة المنطقية الوحيدة لعهود من الاستبداد والفشل السياسى. كان الأقل ارتباكا من بيننا الإسلامجيون المنظمون. ومن هنا كان منطقيا جدا أن يختارهم الناخب، الذى كان من الوعى بحيث يبدِّى الحرية والعدالة السياسى، البراجماتى، على حزب النور السلفى، بنسبة كبيرة. لكن الناخب أعطى حزب النور السلفى الكاره للديمقرطية عشرين فى المئة. هل يُعقل هذا؟ هذه نسبة متكررة للمتشددين فى بلاد أكثر منا تقدما ووعيا. حصل عليها جان مارى لوبان فى فرنسا، وحصل على أكثر منها جورج هايدر فى النمسا. وكلاهما يقود حزبا فاشيا متعصبا كارها للأجانب. أضف إلى ذلك تنسيقه مع حزب الحرية والعدالة، وهى خطوة سياسية قد يدفع حزب الحرية والعدالة ثمنها مستقبلا، وسننتظر المرحلة الثانية من الانتخابات لنعلم إن كان قد تنبه لخطرها.

نتائج الانتخابات لم تكن على هوى الثوار، لكن يجب أن يتجردوا ويقرؤوا اختيارات الناخبين بطريقة إيجابية لكى يستفيدوا منها، ولو كنت مكانهم لتفاءلت وعقدت الهمة: شعب يكره الفلول (هزمهم فى الصناديق)، لا يثق بالأحزاب القديمة، ويصوت للحزب الأكثر تنظيما، وتتجرأ نسبة لا بأس بها منه وتصوت لأحزاب جديدة تماما، كرما منه، وتشجيعا لها.

الاثنين، 21 نوفمبر 2011

رأيى فيما يحدث - حالد الخميسي

كان مشروع التوريث مرفوضا من قبل كل من: الولايات المتحدة الأمريكية، والجيش المصرى، والمخابرات المصرية ومن قوى مصرية عديدة. وعندما بدأ مبارك فى طلب الرضا السامى من واشنطن، رفعت أمريكا بطاقة الفيتو على مشروع جمال مبارك.هذا الفيتو أدى إلى قيام مبارك ــ لأول وآخر مرة ــ بتحدى الامبراطورية الأمريكية (التى بدأ استعمارها رسميا لمصر منذ ثورة التصحيح فى مايو 1971). رفضت أمريكا مشروع التوريث لأنها رأت أن فى مصلحتها أن يكون الجيش المصرى هو حاكم البلاد. وعندما قامت الثورة المصرية ــ التى كانت ثورة مصرية شعبية لم تمولها أو تدعمها أمريكا كما قيل من البعض ــ قام الجيش بالاتفاق مع المخابرات المصرية بعمل الشىء المنطقى الوحيد حينذاك، وهو إزاحة مبارك باعتباره ورقة محروقة، والبدء فى مشروع تأسيس نظام جديد يتمتع (بشكل) ديمقراطى ويظل مواليا للولايات المتحدة الأمريكية وللسياسات الاقتصادية التى تم فرضها علينا من النظام الدولى ويحمى مصالح الأصدقاء الإقليميين والدوليين، كما يحمى المصالح الاقتصادية المتشابكة للقوات المسلحة. ولو أن الجيش سلك دربا مخالفا لذلك لتعرضت مصالح القوى السياسية الدولية والقوى المالية المهيمنة على الكون إلى الخطر فى هذه المنطقة. ولو تم ترك الحراك الثورى مستمرا لكان هذا الأمر يعنى بالنسبة إلى تلك القوى المحلية والدولية وقوع مصر فى مهب الريح، بل وإمكانية ــ والعياذ بالله ــ وقوع البلاد تحت سيطرة حكم «قوى وطنية ثورية».



●●●



فما الذى يستطيع الجيش فعله وهو يفتقر إلى الخبرة السياسية كما أنه لا يمتلك آليات العلاقة مع الجماهير؟

كان على الجيش العثور فورا على «جسر» أو «وسيط» بينه وبين الشعب وبين القوى السياسية الأخرى إن لزم الأمر، كى يسهل له تمرير ما يريد من رسائل سياسية لتأسيس النظام المطلوب فى هذه الظروف.

كان الحل الوحيد المطروح هو إدارة حوار مع القوى السياسية القائمة ثم عقد اتفاق بين المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبين قوة بعينها لتقوم بدور الجسر.



وكان الإخوان المسلمون هم الأقرب. فهم من جهة تنظيم اشتهر بعقد الصفقات السياسية مع مختلف النظم السياسية عبر تاريخه منذ حكم الملك فاروق حتى يومنا هذا، من جهة ثانية يحتفظ بوجه نضالى مقبول من فئات عدة، ومن جهة ثالثة كان جزءا فاعلا فى النظام السياسى العام لحقبة مبارك، ومن جهة رابعة فان عددا كبيرا من أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة يشاركون الإخوان توجههم المحافظ (من «حفظ» أى الحفاظ على النظام القديم. وهو عكس التيار المطالب بالتغيير). حيث أن الاثنين ينظران إلى قضية الحريات والعدالة الاجتماعية بقدر من الحذر باعتبارها من الموضوعات التى ينبغى استبدالها بقضايا أخرى، مثل العودة إلى القيم القديمة والدفاع عن أمن مصر، وغيرها من القضايا الفضفاضة التى يمزجونها بمطالب الثورة.



وافق الأمريكان على الصفقة مع الإخوان. وبدأنا فى هذه الأيام نستمع ــ بصورة شبه يومية ــ إلى مباركة أوباما للفوز الإخوانى المحتمل فى الانتخابات التشريعية. وقد بدأت منذ فبراير حملة فى الإعلام المصرى تقوم بالدعاية للإخوان المسلمين، وتسلط الأضواء على نضالهم السياسى، والثمن الباهظ الذى دفعوه ممثلا فى التنكيل بأعضائهم والزج بهم فى سجون العادلى. وبالطبع فإن هذا الأمر يجرى دون ذكر أخبار رجال الإخوان فى المجالس النيابية السابقة وعلاقاتهم المشبوهة مع نظام مبارك، ولا علاقات رجال أعمالهم مع النظام المالى الإقليمى والمحلى، وشبكة علاقاتهم المعقدة مع السعودية الحليف الرئيسى لأمريكا فى المنطقة.



وماذا بعد؟ ما الذى يمكن فعله لاحتواء الثورة وتحويل مطالبها إلى «أسياخ من الحديد المطاوع» الذى يسهل تغيير شكله؟



●●●



هناك قضية الدستور، وقضية الانتخابات، والشكل الديمقراطى، وقضية الثائرين فى الشارع المطالبين بالتغيير الحقيقى. إذن، لابد أن يسير الحل عبر أكثر من درب وهذه هى الدروب الذى سرنا فيها مع المجلس العسكرى:



ــ البدء باختيار المستشار طارق البشرى ــ القريب من التيار الإسلامى ــ رئيسا للجنة تعديل الدستور (ومن المحتمل أن ذلك الأمر قد مثل جزءا من الصفقة مع الاخوان)



ــ صياغة مشروع الاستفتاء كما عرفناه (وكان الأداء السياسى كارثيا، واعتبر العسكر نتيجته تأييدا لهم).

ــ تأصيل مفهموم «فوقية القرارات»: فعلى الجميع الاستجداء عند أعتاب المجلس الأعلى للقوات المسلحة طلبا للرضا السامى، وهذا تم بمباركة القوى السياسية المصرية التقليدية كلها.



ــ زرع متفجرات دائمة ليصبح الفعل الثورى رد فعل لهذه المتفجرات، والترويج لقضايا خلافية بعيدة كل البعد عن أولويات العمل السياسى.



ــ البدء فى فض الاعتصامات بالعنف.



ــ تقييد الإعلام من خلال قدر من الحنكة فى إدارة علاقات مع القوى المالية والسياسية المهيمنة على الإعلام.



ــ الاستمرار فى مشروع «الفتنة الطائفية» بنفس الأداء الذى بدأه أنور السادات فى الزاوية الحمراء فى يونيو 1981، حيث توالت المشاهد المرعبة واحدا بعد الآخر منذ فبراير، وفى كل مرة كان يجرى إعلاء الخطاب الدينى عبر إرسال مجموعة من الدعاة للحوار، كبديل عن الخطاب السياسى الواجب وكبديل عن اتخاذ القرارات الحاسمة.



ــ بعد الاطمئنان من نتائج الحوار مع القوى السياسية التقليدية، بدأ الجيش حملته ضد القوى السياسية الشابة والجديدة وبدأ القبض على الناشطين السياسيين.



ــ زرع بالونات اختبار متعددة الألوان، استهدفت من ضمن ما استهدفت شغل الإعلام يوميا بمختلف القضايا التافهة.



ــ تمرير رسائل خوف متصلة وهى الرسائل المرتبطة بالكارثة الاقتصادية القادمة، والاخطار الدولية المحتملة، وتزامن مع الترويج لسياسات الخوف الانسحاب الأمنى الداخلى لإيقاف المد الثورى والحركات الاجتماعية المطالبة بالتغيير.



واستمر الإخوان المسلمون خلال ذلك الوقت باللعب ببراعة بلعبة الوجوه المتعددة، حيث أثبتوا جدارة شديدة فى لعبة الإعلام، وذلك من خلال خطاب ديماجوجى يليق بما وصلنا إليه من إنحطاط بعد عقود من التخلف السياسى.



ــ والرسالة الأهم التى كان على المجلس الأعلى للقوات المسلحة وحلفائه التحضير لها ــ وقد نجحوا فيها إلى حد كبير ــ هى التأكيد على فكرة أن الثورة المصرية قامت من أجل انتخابات أكثر نزاهة (من انتخابات أحمد عز). ما الذى تريدونه أيها الثوار؟ هل تريدون الديمقراطية؟ وما معنى الديمقراطية؟ إن معناها انتخاب الرئيس مرتين ثم تغييره، معناها القيام بانتخابات برلمانية نزيهة (نسبيا)، وبالطبع الفصل بين السلطات الثلاث فى إطار دستور ابن حلال. حسنا، سوف نلبى تلك الطلبات.



هى رسالة ذكية تم التأكيد عليها عبر الاعلام وفى نفس الوقت بعيدة كل البعد عن مطالب الثورة، حيث إن المطلب الرئيسى للثورة كان إسقاط ذلك النظام الذى انتهج سياسة اقتصادية فجة لصالح الأغنياء ضد الفقراء، نظام مارس القمع والإرهاب بشتى صوره (ومازال مستمرا فيه حتى يومنا هذا)، نظام خنق الحريات وقضى على التعليم وأعلى من سطوة الأمن، وخنق الحلم داخل روح كل مصرى، نظام يفرق بين المصرى والمصرى على ألف أساس وأساس، نظام انهارت فيه القيم وانتشر الجهل والتعصب والقبح. وفى سبيل القضاء على مثل ذلك النظام، فنحن نحتاج إلى أكثر بكثير من انتخابات برلمانية ورئيس يتغير كل أربع أو ثمان سنوات. لقد استمروا فى تأصيل الفكرة الأساسية التى عمل عليها نظام مبارك: «الشكل دون الجوهر».



وتم الاستمرار فى تمرير الرسالة المهمة والخطيرة، والمتمثلة فى أن الانتخابات هى أهم الأشياء فى تاريخ الثورة المصرية، وهى منتهى آماله وغاية طموحاته. ويستكمل العسكر خارطتهم فى إعادة تشكيل الحديد المطاوع. أولا: التمسك بنسبة الـ50% عمال وفلاحين. (فهؤلاء النواب سوف يسهل التعامل معهم)، ثانيا: التمسك بنسبة الفردى خارج القوائم الحزبية. ثالثا: إقامة الانتخابات التشريعية القادمة على مراحل. وهى تبدو فكرة رائعة للسيطرة على النتائج، حيث تتيح التعرف على محصلة كل مرحلة، والتصرف فى المرحلة التالية لها طبقا لتلك النتائج.



●●●



هل هناك إمكانية لعقد اتفاق استراتيجى بين المجلس للأعلى للقوات المسلحة والإخوان؟ إنه أمر مستحيل يعلمه الطرفان جيدا، وتظل الخلافات قائمة بينهما، والصفقة مرتبطة بزمن بعينه وظروف بعينها، كما أن الجيش يعتمد على ولاء رئيس الجمهورية القادم له. وهذا هو الأمر الأساسى فى المرحلة الحالية. ولكى يضمن الجيش ولاء الرئيس القادم له، فلا بد أن يستمر فى منع الاعتصامات والسيطرة على الإعلام، واستخدام سلاح البلطجية التاريخى، والاستمرار فى القبض على الناشطين السياسيين، ومحاولة إيقاف أى عمل ثورى، والاستمرار فى الانفلات الأمنى، وفى طلب العون من حلفائه المحليين والدوليين.



هل يفكر الجيش فى عملية خروج آمن مثل تلك التى عرضت على مبارك منذ عامين ورفضها؟ لا أظن، فهم بالتأكيد قلقون على أوضاعهم الأمنية والاقتصادية، لكنهم مستمرون فى مشروعهم لخلق نظام سياسى مصرى أليف وموالى للامبراطورية الأمريكية وللنظام المالى المرتبط بها. وهم مطمئنون إلى الأداء الممتاز للإعلام المصرى فى غسيل عقول نسبة كبيرة من المصريين لخلق تيار جماهيرى يدافع عن إنجازاتهم. لكنهم لا يرون أن الشمس قد بدأت بالغروب عن أمريكا، وأن أزمة النظام الرأسمالى فى أوجها. ويبدو أن أخبار اليونان وأسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا وانجلترا وغيرها لم تصل مصر بعد، ولا حتى تلك المظاهرات التى تموج فى أمريكا، أظن أنهم يشعرون الآن بانتصارهم القادم. فى الوقت الذى يعتقدون فيه (بصدق) أنهم يقومون على خدمة مصر بشرف، وعلى حمايتها من شر التغيير، لأن الاستقرار (فى رأيهم) هو بر الأمان فى زمن صعب.



●●●



هل من المقدر النجاح للنظام المصرى الأليف المقبل؟ «فى المشمش». ربما ينجح فى الانتخابات القادمة، لكن مصر والعالم سوف يسلكون دربا مختلفا تماما، حيث إننا على أعتاب عصر جديد. فالعصر الحالى الذى بدأ باختراع الطباعة يلفظ أنفاسه الأخيرة، ليبدأ عصر جديد مواكبا للطريق الذى شقه الانترنت. فنحن على أعتاب مرحلة «موت السياسة» كما عرفناها، وسيطرة تشكيلات اجتماعية جديدة على مقدرات الكون عبر الخمسين عاما القادمة، وفى هذه المرحلة القادمة لن يصبح هناك بالتأكيد موقع لحكم الجيوش ولا لفكر الإخوان المحافظ والرجعى. فالعصر الجديد سوف يحكم فيه الثوار القابعون الآن فى السجون، ومعهم جميع من ظل فى الشوارع حتى الآن يطالب بالتغيير.

الاختبار الميدانى لمقولات علاء الأسوانى – تانى

احترامى لهذا الرجل كبير منذ أن كنت أقرأ له من سنوات فى جريدة العربى الناصرى، وكان يكتب كلاما لا يقول به إلا وطنى شجاع جرىء مغامر. وحين تعرفت عليه أكثر بعد كتاباته فى جريدة «الشروق» وجدت أن الشخص الكامن خلف الكلمات ينطبق تماما مع الظاهر من صفاته. انطباق ينم عن أصالة وجرأة فى الحق تغفر أى صغيرة هنا أو هناك إن حدثت.



كتب الرجل كثيرا عن تدين المصريين الشكلى، ولأننى آتٍ من خلفية معرفية مختلفة، فقد وجدتها فرصة فى الماضى أن أتعلم منه بأن أختبر مقولاته فوجدت أكثر استنتاجاته صحيحة بشأن تأثير التدين الشكلى على توجهات المصريين مستندا فى ذلك إلى استطلاع رأى تجريه جامعة ميشجان الأمريكية. وكتبت آنذاك مقالا بنفس عنوان هذا المقال. ولهذا جعلت عنوان مقال اليوم مختوما بعبارة «تانى» كى أتعلم منه مرة أخرى.



والحقيقة أن ما يقوله الدكتور علاء الأسوانى، وهو الخبير بهذه الأمور، قد يختطفه آخرون ويكررونه منسوبا لأنفسهم، وهو ما لم يقلقنى، ولكن بدا لى فى الأسابيع القليلة الماضى أن هناك نزعة لدى البعض أن يكرروا عبارات تحتاج لاختبار ميدانى. ولو كانوا قالوها منفردين لما ألقيت لهما بالا. لكن بما أن المتحدث هو الدكتور الأسوانى، فهى ليست طلقات طائشة أو رصاصات صوت. ولابد أن تؤخذ بالجدية التى تليق بجدية صاحبها.



إلى الموضوع، إذن.



كتب الدكتور علاء بجريدة «المصرى اليوم» الشقيقة، بتاريخ 15 نوفمبر العبارة التالية:



«فى كل الدنيا عندما يريد الشعب أن يكتب الدستور فهو يفعل تماما مثل الطلبة الذين يسكنون معا. كل طائفة أو جماعة فى المجتمع تنتخب ممثلين لها يشكلون الجمعية التأسيسية التى تقترح مواد للدستور تتم مناقشتها على الملأ ثم طرحها على الشعب للاستفتاء العام». وقدم حجته التى قد أختلف أو أتفق معها بقوله: «لأننا عندما نعهد إلى البرلمان بكتابة الدستور نقع فى تضارب للمصالح، لأن الدستور هو الذى يحدد صلاحيات مجلس الشعب فلا يمكن أن نطلب من أعضاء مجلس الشعب أن يحددوا صلاحياتهم بأنفسهم. فإذا كان نصف مجلس الشعب من العمال والفلاحين فلا يمكن أن نتخيل أنهم سيوافقون فى الدستور الجديد على إلغاء شرط أن يكون نصف أعضاء البرلمان من العمال والفلاحين. إن الأغلبية السياسية عندما تفوز بالانتخابات من حقها أن تفرض برنامجها السياسى على الأقلية».



من حسن حظنا أن دارسى العلوم السياسية فى العالم قد بحثوا هذه القضية ميدانية ليتبينوا مدى أفضلية عدم الاعتماد على المجلس التشريعى المنتخب فى وضع الدساتير. فقد قام فريق بحثى بقيادة أستاذة أمريكية متميزة بجامعة برينستون بدراسة الـ200 دستور، التى ظهرت فى دول العالم المختلفة فى الفترة من 1975 وحتى 2003. وقد وجدت أن هناك تسع طرق لكتابة الدساتير عرفتها دول العالم المختلفة. وقد كان الأكثر استخداما فيها هو أن تعهد هذه الدول إلى البرلمان المنتخب كى يقوم بذاته بصياغة الدستور (42 بالمائة من الحالات)، أو عبر هيئة تأسيسية معينة من قبل البرلمان (9 بالمائة من الحالات). أى أن أغلب دول العالم أخذت بما أخذنا به. والدراسة موجودة على موقع الجامعة المشار إليه بالأسفل.



ويشير صديقى العزيز المهندس أحمد أبوبكر إلى مفارقة فى كلام أخى العزيز د. علاء الأسوانى وما يقترحه فريق من فقهاء القانون والمثقفين المصريين من أن «العالم كله ينتخب جمعية تأسيسية بعيدة عن البرلمان». وبالاختبار الميدانى لصحة هذه المقولة بما فيها من تعميم صارخ، تبين، وفقا للمصدر السابق، أن هذا لم يحدث إلا فى 17 بالمائة من حالات كتابة الدساتير فى العالم منذ عام 1975 حتى الآن، وأن ما يرفضه البعض على أنه من غير المقبول عرفته 51 بالمائة من مجتمعات العالم.



ومع ذلك، فالحس الوطنى للدكتور الأسوانى، ولمن يسيرون على نفس المنهج، أصاب الكثير من الحقيقة حين أشار إلى مخاطر حقيقة لو ظنت الأغلبية أنها مطلقة اليد فى تحديد مصير الحياة السياسية عبر دستور إما شديد الجمود وغير قابل للتعديل إلا بثورة أخرى، أو أن يتحول إلى دستور أقرب إلى قانون مؤقت يتم تغييره مع كل برلمان جديد بأغلبية مختلفة. لذلك علينا أن نعود إلى عدد التجارب الأخرى حتى نتحسب لبعض المخاطر المحتملة. إن دولة مثل بولندا فعلت تقريبا ما نفعل بالضبط، ولكن حدث تعثر بسبب بعض الأخطاء فى التطبيق بسبب التشرذم الشديد فى توزيع مقاعد الهيئة التأسيسية للدستور. فقد تم انتخاب مجلس تشريعى يتكون من مجلسين بمجموع 560 عضوا فى عام 1990. قام هؤلاء بتكوين لجنة من 56 شخصا لصياغة، وللتباين الشديد فى التوجهات الأيديولوجية فشلت اللجنة مع الهيئة التأسيسية فى الوصول إلى نتيجة، فتراضوا على ما أسموه «The Little Constitution» أو الدستور البسيط بعد عامين من المناقشات.



وبعد انتخابات أخرى فى عام 1993 تم تشكيل لجنة جديدة منبثقة مرة أخرى من المجلس المنتخب، استمعت إلى جميع وجهات النظر بما فيها الأحزاب التى لم تفز فى الانتخابات، لكنها كانت تعبر عن التيار الرئيسى فى المجتمع بالأساس. انتهت إلى مشروع دستور، تم التصويت عليه فى البرلمان، حصل على أغلبية 90 بالمائة فى البرلمان، ثم تم عرضه فى استفتاء عام على الشعب صاحب السيادة عندهم، وحصل على دعم 57 بالمائة من الأصوات. وأرجو ملاحظة أن التوافق لم يكن موجودا فى الاستفتاء الشعبى حتى لا نعتقد أن نتيجة الاستفتاء لو جاءت بأقل من 80 بالمائة فهذا سيعنى حربا أهلية من وجهة نظر البعض.



ما الدروس المستفادة من كل ما سبق؟



ما فعلناه ليس بدعا من الطرق، وأرجو أن نكتفى بما سبق من حديث عن الماضى ولنتحدث عن المستقبل.



لو كان النمط السائد أن النخبة المثقفة كلما وجدت نفسها فى موقع الأقلية فستشيع الذعر فى المجتمع (والكلام ليس عن الدكتور الأسوانى قطعا، فتوازن طرحه موضع احترامى)، إذن لا مجال للحديث عن الديمقراطية، ولنسلم بما سبق وأن قاله مبارك ورجاله بأن المصريين ليسوا جاهزين للديمقراطية، وربما تحتاج الجملة لتعديل بسيط وهو «أن نخبة مصر المثقفة ليست مستعدة لتحمل أعباء الديمقراطية».



نحن معزولون عن الشارع. «نحن» هذه هى كاتب هذه السطور ابتداء والكثير ممن يظنون أن المجتمع يستيقظ كل يوم ليقول: «يا ترى كيف سأفكر اليوم؟ يا ترى ما هى منظومة القيمة التى ستحكم معتقداتى السياسية خلال هذا الشهر؟» المصريون لهم حساباتهم المختلفة تماما عما يتصوره أحاد الناس.



كما هو الحال فى الكثير من المفاصل التاريخية البعض يرفع شعار «نظريتى فى مقابل تاريخك» بمعنى أن التاريخ حدث ولا يمكن تغيير أى متغيرات فيه، أما نظريتى فأنا أستطيع أن أحرك كل افتراضاتها كما أشاء. ولهذا من اختاروا بديل «نعم» للتعديلات الدستورية سيظلون فى وضع انتقاد شبه دائم ممن لم ترتض نفوسهم أو تقبل عقولهم بنتيجة الاستفتاء. وأسوأ ما فى حالتنا أن أهل «نعم» لن يُنتَقدوا على ما اختاروه بالفعل وإنما على نتيجة مشوهة جمعت بين نصائح وفزّاعات بعض أهل «لا» مع قرارات إدارة انتقالية حائرة ومتخبطة.



«ولتكن شدتنا فى الحق شدتين» كان عنوان مقالى بعد نتيجة الاستفتاء مستحضرا كيف أن اختلف الصحابيان العظيمان أبوبكر وعمر بشأن حروب الردة، وكيف أنهم فى النهاية احتكما لما فيه مصلحة الأمة. وحدة الأمة على قيمها العظمى فرض، أما الوسيلة فهى نفل. ولو كنا نخبة بجد، فلا نضيع الفرض من أجل النفل.



شكرا للدكتور علاء الأسوانى، ولكل من يجتهد حبا لهذا الوطن وحرصا على صالحه. ولتعلو مصر.

الموقع المشار إليه: HYPERLINK



www.princeton.edu/~pcwcr/about/index.html

www.princeton.edu/~pcwcr/about/index.html

الأحد، 30 أكتوبر 2011

قبل أن يكون حقاً.. «آخر كلام» - يسري فودة

بادرنى اللواء إسماعيل عتمان باتصال هاتفى بعد ظهر الثلاثاء ١١ أكتوبر الماضى، امتد أكثر من ساعة، حمل لى أثناءها تقريباً كل ما جاء، بعد ذلك بأربع وعشرين ساعة، فى المؤتمر الصحفى الذى شرح فيه المجلس العسكرى وجهة نظره فى أحداث الأحد الدامى.. أحداث ماسبيرو.

كان الرجل، كعادته، بسيطاً ودوداً، وبين يديه ما بدا عتاباً: «إحنا زعلناك فى حاجة يا راجل؟».. لم أفهم تماماً مقصده، وإن كان ذهنى أخذنى لأول وهلة إلى حلقة الليلة السابقة من «آخر كلام» التى، فى سياقها، فرضت الحقائق نفسها إدانة لموقف ماسبيرو من أحداث ماسبيرو.

ورغم أن حديث أى مصدر عن أى شىء مع أى صحفى قابل للنشر، إلا إذا طلب المصدر بصورة واضحة عدم النشر، فإننى - إمعاناً فى التيقن - أطبق القاعدة العكسية فى معظم الوقت: إن كل محادثة غير قابلة للنشر إلا بإذن. ومن ثم سأتعرض هنا فقط لما اختار اللواء عتمان، من حديثه معى أثناء ذلك الاتصال، أن يكرره بنفسه على الملأ فى مناسبات لاحقة.

كان من الواضح أن الحديث وصل بنا بعد جدال طويل إلى طريق مسدود، فهو يحيى تغطية تليفزيون الدولة بلا تحفظ، وأنا أنتقدها بلا تحفظ. هو يرى أن التليفزيون فعل شيئاً لم يفعله قبل ذلك عندما تقرر له أن يبث ما كان يحدث على الهواء مباشرة. وأنا أرى - رغم أن هذا صحيح، على الأقل فى جانب من جوانب الصورة - أن ما صاحب الصورة من تعليقات، شفوية ومكتوبة، كان العنصر الحاسم، وإلا لماذا اقتحمت الشرطة العسكرية برشاشاتها فى مشهد درامى استوديوهات قناتين أخريين لا تخضعان لسيطرة ماسبيرو لمنعهما من بث المشهد نفسه على الهواء؟

هناك مبدأ صغير فى صناعتنا يقول: «إن كنت تخشى من الكاميرا فلابد أن لديك ما تخشاه». وهناك مبدأ كبير فى الدنيا وفى الدين يقول: «كل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون». وبين هذا وذاك مبدأ يساعدنا على الاستمرار فى العيش معاً: إن الاختلاف فى الرأى لا يفسد للود قضية. لكن الاختلاف فى هذه الحالة هو فقط أحد تجليات فجوة فى الرؤية كانت قد بدأت فى الاتساع على مدى الشهور القليلة الماضية.

فجوة فى الرؤية

اجتمع عدد من الأسباب على إفساح المجال أمام هذه الفجوة كى تتعمق، من أهمها: أولاً، أن الحياة المدنية تسير أفقياً فى إطار من الأخذ والرد، بينما تسير الحياة العسكرية رأسياً فى إطار من الأمر والطاعة. وثانياً، أن رسالة المجلس العسكرى لم تصل إلى الناس، ليس لنقص فى الخبرة بالشؤون المدنية وحسب، بل لأن الرسالة تفقد نصف مفعولها قبل أن تبدأ إذا لم يستطع مرسلها سلفاً تحديد الجمهور المستهدف بدقة.

وأكاد أجزم أن كل مسؤول عسكرى تحدث إلينا حتى الآن كان موزعاً، فى ذهنه وفى لسانه، بين جمهور الشارع وجمهور الثكنات. ولا يمكن انتظار تأثير فاعل لرسالة واحدة تتوجه إلى جمهورين مختلفين إلى هذا الحد. ومن ثم أزعم أن هذه رسالة مفقودة حتماً فى ثنايا الجمع بين مستحيل النقيضين: لين الأخذ والرد مع المدنى الذى يتوقع أحياناً اعتذاراً عن خطأ، من ناحية، وحزم الأمر والطاعة مع العسكرى الذى يتوقع دائماً أن قائده منزه عن الخطأ، من ناحية أخرى.

و ثالثاً، أن تعاقب الأيام والأسابيع والشهور، بينما تمر الأطراف جميعها بعملية تعلم قاسية فى معظم الأحيان، ألقى بنا جميعاً - ومن بيننا المجلس العسكرى - إلى حالة من الإرهاق الجسدى والذهنى والعصبى كانت لها نتائج. من بين هذه النتائج، فى حالة المجلس العسكرى، جنوحه إلى تغيير مسار التعاطى مع الموقف، الذى كان قد سلكه فى البداية، إلى مسار يبدو له أقصر وأكثر سهولة، وربما أيضاً ساهمت طبيعته العسكرية البحتة فى هذا الجنوح.

تجليات مسار جديد

كان من تجليات هذا المسار، أولاً، نشوء جفوة بين المجلس العسكرى من ناحية والنخبة الأقرب إلى ضمير الوطن من الساسة والمثقفين والنشطاء والإعلاميين بعد مرحلة ثرية واعدة من الحوار، المعلن وغير المعلن. وكان لابد أن تنشأ عن هذه الجفوة فجوة، وهى فجوة لا يمكن أن تبقى فارغة، وهى فجوة لا يملؤها عادةً إلا المنافقون وأصحاب المصلحة الخاصة. وهو ما أضاع على المجلس «مستشاراً» صادقاً وإن كان متعباً، وأكسبه «مستشاراً» مريحاً وإن كان لا يمثل إلا نفسه.

وثانياً، ساهم هذا فى تشكيل طريقة جديدة قديمة تؤمن بأنه «إذا لم تكن الكاميرا هناك فإن شيئاً لم يحدث».. طريقة تبدو أقصر وأسهل تؤمن بمعالجة الأمور إعلامياً وحسب، لأن الإعلام فى نظرها يمكن أن ينفى واقعاً موجوداً على الأرض كما يمكن أن يخترع واقعاً لا وجود له، وهكذا تتبخر المشاكل. ومن نوافل القول أنها نظرية أكل عليها الدهر وشرب، والأهم من هذا أنها أثبتت ضررها بجميع أطراف المجتمع، حاكماً ومحكوماً.

الجديد هذه المرة، والمثير للمفارقة فى الوقت نفسه، أن «الكاميرا كانت هناك»، فى أحداث ماسبيرو وفى غيرها، وكان علينا رغم ذلك أن نقتنع بأن شيئاً لم يحدث، وبأنه إن كانت هناك مشكلة فهى فى الواقع ليست تلك التى تراها بأم عينيك الآن وتسمعها بأبى أذنيك.

عبرة «قناة الجزيرة»

هكذا يراد لنا أن نعود إلى الوراء خمسة عشر عاماً على الأقل عندما ظهرت قناة الجزيرة لأول مرة، وقتها اضطررنا إلى المرور بثلاث مراحل قبل أن تبدأ الفكرة فى الوصول إلى أذهان الأنظمة العربية. كانت المرحلة الأولى صدمة مباشرة أسفرت عن تحرك سياسى مكثف اتخذ أشكالاً مختلفة، من بينها إرسال الوزراء والمبعوثين إلى الدوحة «لتعقيل» أميرها الجديد، ثم سحب السفراء منها للضغط عليه، ولما لم تفلح هذه المحاولات انتقلنا إلى المرحلة الثانية، وهى مرحلة تكسير العظام، والضرب تحت الحزام أحياناً، ومن تجلياتها إغلاق مكاتب الجزيرة وتوقيف مراسليها وشن حملات مسمومة فى وسائل الإعلام المحلية والدولية، ولما لم تفلح هذه ولا تلك انتقلنا إلى المرحلة الثالثة، وهى مرحلة «إن لم تستطع أن تغلبهم انضم إليهم». وينبغى أن نضيف إلى هذا العنوان جملة أخرى: «ولكن لا تصدق نفسك كثيراً».

ورغم ذلك، فقد كان وصول الأنظمة العربية، ولو مضطرة صاغرة غير صادقة، إلى هذه المرحلة الثالثة إيذاناً بانطلاقة أزعم أنها علامة فارقة ليس فى تاريخ الإعلام وحسب، بل فى الحياة اليومية للمواطن العربى من المحيط إلى الخليج. ذلك أن الناس عادةً لا تفتقد ما لا تعرف. الآن هم يعرفون، لخمس عشرة سنة يعرفون، والآن هم إذا فقدوا سيفتقدون، وحين يفتقدون سيفعلون كل ما فى وسعهم للحصول على ما فقدوه بأى وسيلة كانت. إن تجربة الحرية، بمعنى من المعانى، تشبه تجربة الموت. نعم، يمكنك أن تزور الموت، ولكن لا يمكنك الرجوع. وكذلك الحرية.

لا آل سعود بكل ما أوتوا من مال ومن نفوذ، ولا نظام مبارك بكل ما أوتى من حيل ومن بلطجية، ولا الأنظمة العربية كلها مجتمعة استطاعت أن تقف فى وجه هذا الطوفان الذى يمكن تلخيصه فى كلمتين: حتميات العصر. لكن فى مصر الآن من يبدو أنه لم يستوعب هذا الدرس الكبير. فى مصر الآن من يبدو أنه لا يعلم أن فى استطاعة أى هاوٍ إطلاق خمس قنوات فضائية من جهاز كمبيوتر متنقل من غرفة النوم، فى مصر الآن من يبدو أنه لا يفهم أن رسائل «بى بى إم» القصيرة أشعلت خمس مدن فى بريطانيا فى لحظة واحدة قبل أسابيع قليلة. فى مصر الآن من لا يدرك أن فى مصر الآن جيلاً جديداً ملماً بحتميات العصر متذوقاً حلاوة الإرادة والحرية. فى مصر الأن، ببساطة، من لم يدرك بعد أن فى مصر ثورة.

هذا هو المناخ العام الذى بدأ يفرض نفسه من جديد على مدى الشهور القليلة الماضية منذ إصبع اللواء محسن الفنجرى، وقد كان له ما كان من التقدير فى قلوب أسر الشهداء وفى قلوبنا جميعاً، مروراً بما نعرفه جميعاً من إيقاف واستدعاء وإنذار وتخويف وتشويه وتدجين وإغراء ومحاباة، وصولاً فى نهاية المطاف إلى اقتحام وغلق وإرهاب بالرشاشات على الهواء. ويكون الأمر سهلاً أمام حقيقة أن مصر موزعة إعلامياً بين ما يتبع الدولة، وهو فى قبضة الحاكم بصورة مباشرة، وما يتبع القطاع الخاص، وهو أيضاً فى قبضته وإن كان بصورة غير مباشرة مشوقة فى كثير من جوانبها.

هشاشة الإعلام الخاص

تسمح الأنظمة العربية، خاصة فى مصر، لنفسها بهذا الافتراض الذهنى: «أنك إذا استطعت أن تجمع مالاً ونحن فى الحكم فأنت مدين لنا»، شىء أشبه بإتاوة فتوة الحارة، وإن كانت إتاوة فى دفتر مفتوح إلى ما لا نهاية يدفعها فى الواقع غلابة الحارة، ولأن علاقة أصحاب السلطة بأصحاب المال أكثر تعقيداً من هذا بكثير، خاصة فى مصر، فإننى لا أرى أن من واجبى أن أدافع عن هذا ولا عن ذاك وأنا لا أدرى تماماً دهاليز العلاقة. وإنما - مثلى مثل كثير من زملائى - يعنينى فقط ما يمس قدرتى كمواطن وكإعلامى على استثمار فرصة أتيحت أمامنا عندما فرضت «حتميات العصر» على السلطة أن تسمح ببعض النوافذ الإعلامية من خلال مجموعة من رجال الأعمال. ومثلى مثل كثير من زملائى، لا يهمنى فى هذا «الفرح» كله إلا أن أكون قادراً على القيام بواجبى أمام الله وأمام الوطن.

يفرض هذا الواجب، أول ما يفرض، على النفس اعترافاً مبدئياً: أننا أمام نظام إعلامى هش، تبلغ هشاشته فى بعض الأحيان حداً مضحكاً مبكياً فى آنٍ معاً. وهو أيضاً نظام يجعل مما هو مفترض أن يكون الحد الأدنى من الأمانة المهنية - مثل تغطيتنا لأحداث جمعة الغضب يوم ٢٨ يناير - عملاً أقرب إلى أعمال الانتحار الجماعى على قارعة الطريق. كما يفرض هذا الواجب على النفس اعترافاً آخر: أننا إذا كنا فى الإعلام الخاص متضررين من هشاشة الوضع، فإن زملاءنا فيما يعرف بإعلام الدولة ضحايا.

وبطبيعة الحال، فإن جزراً من ألوان مختلفة توجد فى داخل كل من هذين النمطين بما يصعب معه التعميم. لكننا نتحدث عن نمطين عريضين على أى حال، وما يهمنا هنا هو أن المجلس العسكرى بقى قريباً من الشارع ما بقى قريباً من جزر بعينها فى النمطين، خاصة فى نمط الإعلام الخاص. لكن هذا الإعلام الخاص تحول فى إطار المناخ المشار إليه سلفاً، من وجهة نظر المجلس العسكرى، إلى شىء أقرب إلى العبء منه إلى الذخر، أو حتى منه إلى مجرد المعبر. وترافق ذلك مع وتيرة متصاعدة من الضغوط التى اتخذت أشكالاً مختلفة وأساليب متنوعة، بعضها موروث وبعضها الآخر مبتكر، وإن كانت جميعاً تعمد إلى توفير ما يكفى من الدوافع لدى الإعلامى فى نهاية السلسلة كى يتطوع بممارسة المزيد من الرقابة الذاتية.

تفرق إيه يعنى؟

ماذا إذن حدث تحديداً فأدى إلى إلغاء حلقة «آخر كلام» مع الكاتبين الكبيرين، علاء الأسوانى وإبراهيم عيسى؟.. يسألنى الناس. بعد هذا كله يسألنى الناس؟ ورغم تقديرى الشديد لشغف الناس بالتفاصيل فإننى أشعر أحياناً برغبة كوميدية سوداء فى أن أخبط رأسى فى الحائط وأنا أصيح: «تفرق إيه يعنى؟.. تفرق إيه يعنى لو أن زيداً، مش عمرواً، هو الذى اقترح؟ تفرق إيه يعنى لو أن تليفوناً، مش اجتماعاً، كان السبب؟ تفرق إيه يعنى لو أن شبرا، مش مصر الجديدة، كانت مسرحاً للحديث؟»، الذى يفرق عندى، أولاً، أن يدرك الناس حقيقة أن وقف برنامج كهذا لم يكن قراراً سهلاً، وثانياً، أن المشكلة الرئيسية ليست بالضرورة فى أشخاص وإنما فى نظام كامل.

وكى تستريح القلوب، دعونى أبسط أمامكم هذه الحقائق: أولاً، أنا الذى اتخذ قراراً بوقف الحلقة وتعليق البرنامج إلى أجل غير مسمى. ثانياً، أننى اتخذت هذا القرار لأن ثمة ما دفعنى إليه، وما دفعنى إليه هو إدراكى حقيقة أن ثمة حداً أقصى لممارسة الرقابة الذاتية، وإلا فقد الرجل احترامه لذاته ولجمهوره ولمهنته ولوطنه. وثالثاً، أن الضغوط لم تأت من إدارة قناة «أون تى فى»، وإنما من المجلس العسكرى، بل إن إدارة القناة، ممثلة فى الزميلين ألبرت شفيق ويوسف شكرى، بقيت حتى آخر لحظة تحاول إقناعى بالاستمرار، أمام إصرار منى على تجنيب القناة حرج ضغوط إضافية. رابعاً، أن إصرارى على قرارى لم يكن الهدف منه أبداً إثبات بطولة فارغة أو إلقاء «كرسى فى الكلوب». خامساً، أننى كنت فى حاجة إلى عزل نفسى عن القناة، ولو مؤقتاً، كى لا تتحمل القناة عبء ما قررت أنه صار من واجبى أن أتعرض له كمواطن وكإعلامى.

وأخيراً، لم يكن لقرارى هذا أى علاقة من قريب أو من بعيد بظهور عضوى المجلس العسكرى، اللواء محمد العصار واللواء محمود حجازى، فى برنامج غير برنامجى أو على قناة غير قناتى كما أراد البعض أن يشوه الهدف، عن حسن نية أو عن غير ذلك. فعلى حد علمى أنا الصحفى الوحيد الذى استأذن فى إلغاء مشروع حلقة كان متفقاً عليها مع أعضاء فى المجلس العسكرى، قبل ذلك، عندما أدركت أنها لن تخضع للحد الأدنى مما أراه شروطاً مهنية، مع كامل احترامى لأعضاء المجلس واعتزازى بالزميلين إبراهيم عيسى ومنى الشاذلى. أنا أيضاً الذى التمس من «أون تى فى» أن تذيع حلقة معادة من برنامجى الذى كان سيذاع على الهواء فى نفس توقيت لقاء المجلس العسكرى مع «منى» و«إبراهيم»، بل إننى دعوت أصدقائى على «فيس بوك» و«تويتر» لمتابعة هذا اللقاء، لأنه ببساطة حدث يعلو فوق أى منافسة.

أما فيما يخص اتصال اللواء إسماعيل عتمان على الهواء، بعد ذلك بيومين، بزميلتى العزيزة ريم ماجد، فإن ما بينه وبيننا، نحن الإعلاميين، من علاقة مهنية تكسوها بساطة الريف المصرى بما فيه من أصالة وعشم، يسمح لى بأن أبعث إليه بهذه الابتسامة التى لم أستطع مقاومتها عندما شعرت كأننى «عيّل تايه» وهو ينادى عبر الأثير: «عُد يا يسرى.. نحن فى حاجة إليك». ولكن، من منطلق أكثر جدية، لم أكن أتمنى أن يلخص المسألة برمتها فى احتمال وجود خلاف بينى والقناة، بينما يستبعد تماماً، ولو من باب الاحتمال، اختلافاً فى وجهات النظر أو فى تقدير المواقف مع المجلس العسكرى. وهذا، فى حد ذاته، مؤشر آخر إلى طبيعة تلك الفجوة التى أشرنا إليها سلفاً فى هذا المقال.

خلاصة القصة

ببساطة، كنت أتمنى - ومازلت أتمنى - أن يفتح اضطرارى إلى خنق برنامجى بيدىّ باباً إلى غرفة هادئة مضيئة لها نافذتان. النافذة الأولى تطل على المجلس العسكرى بمجموعة من الرسائل من أهمها، أولاً، أنه لن يحمى الوطن، خاصة فى أوقات الأزمات، شىء قدر إعلام حر صادق قوى، ولنا فى الفارق بين إعلام ٦٧ وإعلام ٧٣ عظة كبرى، وأن لهذا الإعلام دوراً مهماً، إن لم يكن حاسماً، فى هذه اللحظات وفى مستقبل قريب واعد منذر فى آنٍ معاً. وثانياً، أن مصر الآن لا تتحمل غياب القدرة على استيعاب درس إعلامى ضخم لم يستطع الرئيس المخلوع استيعابه فى زمنه، وأنه سقط فى نهاية المطاف لأنه فضل الطريق الأسهل، ولأنه آمن باللافعل. وثالثاً، أن الوسائل المتاحة فى عالم اليوم، أمام جيل صنع ثورة، لا تعد ولا تحصى، وخير لنا جميعاً أن نحتضن «حتميات العصر» قبل أن تدوس هى علينا بامتهان.

أما النافذة الثانية فتطل علينا - نحن الإعلاميين - بفرصة للتأمل. نحن أصحاب الإعلام، ولا أحد غيرنا صاحبه. لا السلطة ولا حتى صاحب القناة أو الجريدة، نحن أصحابه، هذه حقيقة بسيطة بديهية لكنها تتوه منا كثيراً وسط الزحام. ومن واجبنا، تجاه أنفسنا وتجاه الوطن، وفوق هذا وذاك، تجاه الله، أن نقول الحق ولو كان الثمن أرزاقنا وأعناقنا. أقارن زماننا - وفيه ما فيه من بدائل لا حصر لها تجعلنا محظوظين مدللين - بأزمنة جاهد فيها أسلاف لنا ولم يكن أمامهم من بديل. أقارن ما نحن فيه بما أحاط محمود عوض، على سبيل المثال، من ظلام، فلا جوجل ولا إيميل ولا بلاك بيرى ولا آيباد ولا هاتف ولا فضائيات ولا غيره، وأرى نتاج يديه فى الستينيات والسبعينيات متفوقاً بصورة مدهشة على كثير من نتاج اليوم. أراه وقد أحاط به ما أحاطه من ظلم فى الثمانينيات والتسعينيات، من السلطة ومن منافقيها، فلم يكن ذلك إلا وقوداً إضافياً ملك به زمام أمره بيديه فاحتفظ باحترامه لذاته ولجمهوره ولوطنه فانتصر، وحين مات كان قد عاش.

هذا إعلامنا ونحن أصحابه، ومما يبعث فى النفس أملاً أن بعضاً منا بدأ يدرك ذلك عملياً فبدأ التفكير فى الأيام القليلة الماضية فى مجموعة من المبادرات، من بينها مبادرة لإطلاق قناة يملكها الشعب، عن طريق الاكتتاب المباشر، يشارك فى حمل لوائها الزميل العزيز بلال فضل مع مجموعة من الزملاء المحترفين الوطنيين. ومبادرة أخرى، أشارك مع الزملاء فى حمل لوائها مثلما أشارك فى مشروع القناة، تهدف إلى خلق جبهة وطنية دائمة لحماية الإعلام الحر، وتكون لها باتفاق أعضائها من الإعلاميين أسنان تضمن هذه الحماية. هذه المبادرات ليست موجهة ضد أحد، بل إن من شأنها شد أزر ما لدينا من إيجابيات ومن بدائل، ومساعدة الجميع على استيعاب حقيقة أن عصراً جديداً لا تصلح معه الأساليب القديمة.

هل أعود بعد هذا إلى «آخر كلام»... نعم أعود.

انتهى

الاثنين، 24 أكتوبر 2011

مع الشهداء ذلك أفضل جدًا - علاء عبد الفتاح

الخميس 20 أكتوبر 2011

يومان قضيناهما فى المشرحة، يومان مع جثامين تناضل للاحتفاظ بلقب شهيد، تناضل ضد نظام مبارك كله؛ ليس فقط عسكر مبارك الذين دهسهم، ولا إعلام مبارك الذى سحب منهم لقب شهيد ونعتهم بالقتلة، ولا نيابة مبارك التى تملصت من البحث عن حقهم، بل ناضلت الجثامين لتحتفظ ببهاء يليق بالشهادة فى مشرحة مستشفى حكومى فقير منعدم الإمكانيات. ناضلت ضد خرافات عصر مبارك القائلة إن التشريح تمثيل بحرمة الميت لا انتصارا لحقه، ناضلت ضد سطوة فقهاء وقساوسة السلطان القائلين إن الباحث عن العدالة فى الحياة الدنيا وكأنما تخلى عنها فى الآخرة، ناضلت ضد طائفية مبارك التى تجعل فقير يرى فى فقير مثله عداوة ليلتهى عمن سرق لقمة عيشهما.

يومان برفقة موت رحيم وخجل لا يرحم، لماذا يا ربى أغلب شهدائنا فقراء؟ كيف ميزت المدرعة والبندقية؟ الدم واحد والقبر واحد ومع ذلك خذلنا الشهادة مرة تلو الأخرى.

مصر معجبانية وبتختار أحلانا، ومينا دانيال زين ما اختارت. لولاه ما انتصرنا فى المشرحة.


طوبى للضعفاء

جاءوا للمستشفى بالمئات بحثا عن أجساد جريحة لعلاجها وأجساد مقتولة لدفنها، جاءوا للمستشفى بحثا عن مأوى فى ليلة تجسدت فيها كل مخاوفهم، جاءوا للمستشفى بحثا عمن يشاركهم الغضب، بحثا عن قوة فى العدد. جاءوا كقطيع الكنيسة. وحاصر المستشفى معتدون مدنيون (ربما هم المواطنون الشرفاء الذى يخاطبهم عسكر مبارك ليل نهار) وبتواطؤ من حماة الأمن وحماة الثورة ليؤكدوا لهم ألا انتماء لكم سوى لقطيع الكنيسة.

جئنا نحن نبحث عن رفيق ميداننا، صاحب البسمة الساحرة، مينا الذى يشبهنا ونشبهه. اختارت الشهادة مينا لأنه ينتمى لقطيع الميدان والثورة، هكذا فهمت من أسرته التى أصرت أن تشرك زملائه فى كل قرار ــ لأنهم زملاؤه. ناضل مينا من خلف ستار العالم الآخر لتنفتح قلوب أهالى الشهداء لنا ونصبح رفاق كفاح واحد. فالدم واحد والدمع أيضا واحد، وكما رأينا الحقيقة فى دموع أمهات الشهداء بعد أن افتقدناها فى شاشات التليفزيون رأوا الحقيقة فى دموعنا. فهموا أننا رفاق مينا ونسوا أن يسألونا عن أسامينا بالريبة المعتادة.

أصدر المستشفى تقريره على نهج ماسبيرو: ماتوا بسكتة قلبية، أو كانت مشاجرة؟ تقدم القساوسة بنصيحتهم: لندفنهم سريعا فالجو حار والمشرحة بلا ثلاجات. تدخلنا نحن بغرور الميدان وسذاجته: ماذا عن العدالة؟ ماذا عن القصاص؟ هؤلاء آخر فرصة لإثبات الجرم، نحتاج لتقرير طب شرعى.

أى خبل هذا، أنمثل بأجساد أبنائنا بحثا عن عدالة لم نرها ولا مرة؟ ولا حتى مصادفة؟ أى عدالة ونحن فقراء؟ أى عدالة ونحن أقباط؟ أى عدالة والقاتل يحكم؟ ألا تفهمون أننا ضعفاء؟

لكن بين صفوفنا مينا، وكانت أخته أول من وافق على التشريح، وبدأوا يقتنعون الواحد تلو الآخر، على مضض وتحت إلحاحنا وتشجيع الحقوقيين، ساعات من البكاء والنقاش والأحضان. نحارب الزمن خلالها بألواح ثلج ومراوح بائسة عسى أن تكون محبتنا كافية للحفاظ على طهارة الجثامين.

بمطلع نهار اليوم الثانى جاءت النيابة لتجد نصف الأهالى يطالب بالتشريح، فأصدر سيادة القاضى فرمانه: إما أن يصدر تصاريح دفن أو تكليف للطب الشرعى، أليس الكل فى الموت سواء؟ وطبعا لم يبخل القساوسة بنصائحهم: رفاقهم سيصلى عليهم سيدنا بعد وقت وجيز، لو تأخرتم يكون قد رجع إلى قلايته، ارحموا أبناءكم فجزاؤهم فى الجنة كبير.

وقفنا صفا واحدا على جبهة صراع مع النظام، لكن هذه المرة الجبهة فى العقل، وخط النار على القلوب. وكما انهزم النظام أمام صفوف الهتاف وصفوف الطوب، انهزم أمام صفوف التضامن. بعد سجال طويل أصدرت النيابة أمر بتشريح كل الجثامين.. بشرط أن نؤمن نحن عمل لجنة الطب الشرعى.

نعم، بدأ الأمر بأننا مسئولون عن تأمين تظاهراتنا، ثم تطور لنصبح مسئولين عن تأمين المنشآت العامة، وها نحن اليوم مسئولون عن تأمين موظفى الدولة إن أردنا أن تتصرف الدولة وكأنها دولة. لم نشغل نفسنا بسؤال «وما دور الشرطة والجيش»، فالإجابة واضحة على أجساد الشهداء.

قلنا للأهالى التشريح سيطول، دعونا ننقل الجثامين لمشرحة زينهم حيث الإمكانيات أفضل. عاد الخوف إلى عيونهم؛ صحيح نقل مينا لهم عدوى الإيمان بمصر، لكن ماكينة الإشاعات لم تتوقف عن العمل وعصابات الشرفاء لم تتوقف عن ترويع الجمع طوال الليل. لم يقولوها صراحة إكراما لنا لكننا فهمنا: لن نترك الحى القبطى، فنحن لا ندرى أى شر ينتظرنا خارجه.

كان علينا إذن أن نؤمن المستشفى، ونضمن للجنة ظروفا مناسبة للعمل. كان علينا أن نخلى المبنى من آلاف خائفة، ونضبط سلوك آلاف غاضبة. وما نحن إلا قلة دخيلة. كان علينا، ويا للمفارقة، أن نقوم بدور يشبه دور الأمن المركزى. جبهة جديدة ولا نملك إلا وحدة صفنا.

بدأت اللجنة عملها تحت حمايتنا، وتحت إشراف محامينا وأطبائنا، جنودنا المجهولين الذين خبروا كل مظاهر الظلم فأصبحوا أعلم بشواهد القتل والتعذيب وقرائن الجرائم والمذابح من خبراء الطب الشرعى. باشرت اللجنة عملها وكلنا قلق أن يدخل أحد الأهالى ويرى المشرط فى جسد ابنه فيهيج، أو أن تنهار صفوفنا أمام هجوم الشرفاء أو غضب المنكوبين.


مملكتى ليست من هذا العالم

تقلق وحدة صفنا كل المستفيدين، وأخطرهم تجار القضية، حلوا علينا بسمهم المعسول: أتثق فى تلك المحامية؟ دى شابة ومش عارفة حاجة.. أنا عندى خبرة طويلة، ومين دول؟ دول كلهم مسلمين، تأمن لهم إزاى؟ لقد حذرتنا من شهور يا مينا عندما قلت لنا: ضرورى ينضم ماسبيرو للتحرير، ضرورى مطالب الأقباط تبقى مطالب الشعب ومطالب الشعب تبقى مطالب الأقباط. والاختبار صعب يا مينا، فالسلطة غشيمة تضرب بعشوائية، أما هؤلاء فيعرفون موضع الجرح بدقة. قضينا باقى اليوم نحارب شائعاتهم الكاذبة واتهاماتهم الباطلة. نعيد كسب ثقة الجمع ونعيد له هدوءه.

قمنا بدور تصورنا فى البداية أنه شبيه بدور الأمن المركزى، لكن شتان، لن أفهم أبدا بعد اليوم كيف يتصور أى جهاز أمنى فى أى مكان فى العالم أن العنف وسيلة فعالة فى ضبط سلوك جماهير غاضبة أو خائفة، من الذى أشار على كل حكومات الأرض أن النزول بسلاح فى مواجهة جماهير سيهدئهم؟ لم نملك سلاحا أمام موجات الغضب إلا الأحضان، رمينا أجسادنا أمام الجموع وبالحضن وبدموع تبكى الشهداء استطعنا أن نبدد ضلالات واقع طائفى عسكرى وننشر حقيقة حلم مصر الحرة.

يا مينا، مصر الميدان هشة ممكن رصاصة واحدة طائشة تطيح بها.. يا مينا، مصر الميدان قوية ممكن حضن واحد ينقذها.. يا مينا، فى حضرتك فهمت تعاليم الأنبياء، متى يفهم العسكر؟

عندما بدأت لجنة الطب الشرعى عملها تذمر الخبراء من نقص الإمكانيات، من سوء الظروف، من فرض رقباء عليهم، ولكن فى النهاية فرض عليها أن تقوم بعملها. عندما قاربت اللجنة على الانتهاء من التشريح وبدأت فى كتابة أسباب الوفاة فجر أحدهم إشاعة أن التقارير كاذبة، ولأن أسباب الوفاة قد تذكر جرحا واحدا فقط هو القاتل حتى لو كان بالجسد عشرات الجروح صدق أهالى الشهداء وهاج الجمع وانهارت صفوفنا.

ونحن على شفا الانتصار واجهنا أصعب محنة، الأهالى آمنت بحلم العدالة، وتركتنا نعبث بأجساد أبنائها، وفاتها كرامة أن يصلى عليهم سيدنا بل وقد يتأخر الدفن لليلة أخرى، ضحوا بكل ما طلبنا منهم أن يضحوا به رغم ترددهم فى البداية، والآن يريدون ضمانا، يريدون أن يحسوا بتلك العدالة، ونحن نقدم لهم كلاما تقنيا وكعابيل قانونية غير مفهومة. لماذا يقول التقرير دهس بمركبة ثقيلة؟ الحق بيّن وكلنا نعلم أنها مدرعة، لماذا لا يقول مدرعة؟ ما هذا المقذوف النارى؟ لماذا لم تكتبوا «رصاص ميرى؟»، ألم تعدونى بعدالة؟ أين اسم الجانى وكلنا نعرفه؟

لم أعِ متى انتصرنا، فقد كنا غارقين فى تفاصيل التفاصيل، لكن فى لحظة نظرت حولى فوجدت وحدة صفنا صارت تشمل العاملين فى المستشفى والأطباء والقساوسة. ماذا فعلت يا مينا؟ هل أيقظ ضعف ورقة حال أهلك ضميرهم أم أيقظت قوتك خيالهم؟ هل تخطينا كل تلك الحواجز فى ساعات فعلا؟ بل انضم لنا أطباء الطب الشرعى أيضا، كان الحل الوحيد هو أن نجلس مع كل أسرة على حدة، نشرح معنى أسباب الوفاة، والتفاصيل التى ستضاف لتقرير الطب الشرعى، ودور النيابة، ودور المحامين، وانتقلت العدوى للطبيب الشرعى وتحول من مجرد موظف إلى مشرف على العدالة، ربما عندما اضطر أن يترجم لغة تقارير اعتاد ألا يقرأها إلا الأقوياء إلى لغة الضعفاء تذكر أن الحق دائما مع الضعفاء؟ رأيتهم يصفون ملامح الشهداء للأهل ليطمئنوهم أنهم ليسوا مجرد جثث، ليثبتوا أنهم يعرفونهم ويهمهم ذكراهم. رأيت ما استشهدت أنت من أجله يتحقق ولو للحظة.
فى طريقنا للكنيسة كان انتصارنا كاملا، لم يعد أحد يسأل عن اسم من شارك فى حمل الشهداء، ومن قاد الهتاف، هل كان مسلما من اقترح أن نهتف «يا نجيب حقهم يا نموت زيهم»؟ يا له من سؤال سخيف. الدم واحد والدمع أيضا واحد.


فأدر له الخد الأيسر

قبل المستشفى القبطى كنا فى مستشفى آخر بعيدا عن الأحداث، ننتظر صورة أشعة على قدم أحمد المصاب برصاص حى.

وجدنا أحمد فى شارع طلعت حرب، كان يحاول مع رفاقه إنقاذ الوطن بالعودة لميدان التحرير. لم يكن قد مر على سقوط الشهداء إلا ساعات معدودة، لم يفكر الشباب فى موازين القوة، هل عددهم يكفى أم لا، ما العمل والقوات غير المسلحة (وفقا للمؤتمر الصحفى العالمى) تطلق الرصاص بسخاء. فكروا فقط فى هول ما سيحدث إن تُرك الميدان لمظاهرة المرتزقة التى انطلقت بمباركة الجيش والشرطة تهتف «إسلامية إسلامية». كنا جميعا نعلم أنها مظاهرة مفتعلة، محاولة لصبغ مذبحة عسكرية بصبغة أهلية وإلصاق التهمة بالسلفيين.

بدا لنا أحمد كبطل أسطورى وهو يقاوم زملاءه رافضا الذهاب إلى مستشفى متعللا بأن الجرح خفيف وأكيد الطلق مجرد خرطوش. أقنعناه أن نذهب لمستشفى خاص بعيد عن الأحداث وحملناه على أكتافنا. فى التاكسى حكى لنا أنه اعتقل وذاق تعذيب الجيش الذى لا يخطئ وجرب «نزاهة» قضائه العسكرى، حكى لنا عن إصابته فى موقعة الغدر بالعباسية. لم تمنعه الإصابات من النزول مجددا فى مواجهة الرصاص.

فى المستشفى بعد أن اكتشفنا أنه مصاب برصاص حى لا خرطوش حل علينا ضابط مباحث لاستجوابه، أبهرتنا صلابة أحمد وهو يرد على الضابط بكل برود وتحد، وأبهرنا أكثر اشمئزازه من تعليق ضابط المباحث «مسلم يعنى» عندما سأل عن اسمه. هل كان سيمنعه من العودة إلى بيته لو كان مسيحيا مثلا؟

لم يتبين لنا أن أحمد ضعيف مثلنا إلا من بكائه فى حضننا عندما طهر الطبيب جرحه، ولم ننتبه إلى أنه فتى فى سن الثانوى إلا وهو يرد بخوف على والدته فى المحمول: «ماسبيرو إيه بس يا ماما، لا أنا خارج مع أصحابى».

هل يعرف اللواء حمدى بدين أن بين صفوفنا من يخاف والدته الحنون أكثر مما يخاف الرصاص والمدرعات؟ هل سمع المشير هتافنا «يا مشير يا مشير من التحرير هنزف عريس» ونحن نصحب مينا فى زيارته الأخيرة للميدان؟ هل يفهم أى من العسكر معنى زيارة أم خالد سعيد لأم مينا دانيال؟ أم أنهم نسوا الدم والدمع والحضن والحلم ولم يعد لهم مكان فى صفوفنا حتى بعد أن اتسعت لتشمل من خذلونا من قبل؟

الاثنين، 17 أكتوبر 2011

عن انتخابات نقابة الأطباء 2011

في البداية أود أن أهنيء عموم أطباء مصر بهذا المشهد المهيب الذي رأيناه يوم الجمعة 14 أكتوبر 2011، المشهد الذي سيظل راسخا في ضمير كل من تقدم و سيتقدم لتمثيل الجنود الصامتين، المتشحين بالبياض، المقاتلين الرحماء، الأطباء المصريين. المشهد الذي يعني أن من سيعمل في الدار المقدسة للحكمة سيكون خادما لإخوانه لا سيدا عليهم يستغل تمثيلهم لمكاسب شخصية أو حزبية، فإن خيب ظنهم أو خان عهدهم أسقطوه مكللا بالعار في مشهد الانتخابات التالي.
لا أجد ما اعبر به عن فخري و اعتزازي بالانتماء لهذه الكوكبة المتميزة والنخبة الطيبة من المجتمع المصري الأصيل، هذه المجموعة التي ترسم – في رأيي – الصورة المثالية للناخب المصري المثقف و الملتزم و المحترم، الذي يحدد هدفا ويسعى وراءه دون أن يكون لعبة في يد المنتفعين من أصحاب المصالح و الأهواء، فلا يتأثر بالإغراءات المادية أو الوعود الشخصية، بل يفكر ويختار للصالح العام.
قد تكون رؤيتي هذه متفائلة بالنسبة للكثيرين الذي قد يرون انه لا يوجد ما يدعو للتفاؤل بهذه الدرجة، لكني سألخص أسباب تفاؤلي في الآتي:
1) المشاركة الكبيرة لأعضاء النقابة في التصويت، صحيح أنها كانت في حدود 20% من الناخبين المسجلين، لكننا يجب ألا ننسى أن العديد من الناخبين غير موجودين في مصر من الأصل، بالإضافة إلى من ذهب للانتخاب و لم يتمكن من التصويت لأسباب إدارية بحتة، مثل المصاريف و التسجيل في النقابة الفرعية، و أتصور أن هؤلاء سيقل عددهم في المشاهد الانتخابية التالية نتيجة ازدياد الوعي من جهة و التطور التكنولوجي من جهة أخرى و الذي قد يسمح بالتصويت الالكتروني، مما سيشجع الجميع على المشاركة الفعالة، أضف إلى ذلك ما سيلمسه الجميع من تحسن تفاعل النقابة مع مشاكلهم و مساندتها لهم، وهو ما سيدفع من نسميهم "حزب الكنبة" للتحرك و المشاركة.
2) الاحترام الكبير و المتبادل بين الناخبين و المرشحين، فلا توجد محاولة للتأثير على رأي الناخب بالصورة الفجة التي شهدناها في استفتاء مارس 2011 أو ما سبقه من الانتخابات المزورة، حتى ما قام به بعض المرشحون أو القوائم من توزيع مياه الشرب المبردة على الناخبين أثناء انتظارهم للتصويت تم بصورة راقية خلت من أي شكل من أشكال الضغط أو التوجيه.
3) نزاهة العملية الانتخابية ليست محل شك، فالتصويت جرى بشكل واضح و تحت رقابة قضائية و مجتمعية و إعلامية، و تم الفرز بشكل علني و في وجود ممثلين عن الجميع. اعلم انه كانت هناك بعض المخالفات، لكنها بشكل عام كانت محدودة و لا تؤثر جذريا في النتائج.
4) التمثيل المعقول للمرأة و المسيحيين في كل القوائم بما فيها قوائم الإخوان، و الذي أتمنى أن يزيد و يتطور في المشاهد التالية.
5) الاهتمام المجتمعي و الإعلامي الكبير بهذا الحدث، والذي يدل على أن المجتمع بشكل عام ينتظر الكثير من هذه الفئة العبقرية من أبنائه.
6) النتيجة: وهي في رأيي ادعى الأسباب للتفاؤل، فبقراءة متأنية و غير منفعلة نجد أن التيار الديني تراجع تمثيله بالفعل عما كان عليه في الأعوام السابقة، حتى و إن لم يعترف ممثلوه بذلك. ليس هذا فحسب، بل إن التيار الديني تراجع في الأقاليم، وكنا نظن أن ذلك لن يحدث إلا في القاهرة و الإسكندرية فقط. فإذا أخذنا بعين الاعتبار سيطرة هذا التيار على النقابة طيلة العقود الثلاثة الماضية فإننا لابد أن نجد أن حصوله على نسبة 60% أو اقل من مجموع المقاعد هو مؤشر جيد على تحرك المياه الراكدة و ضخ الدماء الجديدة في شرايين النقابة. لا يعني هذا أن يكون الأطباء ضد الإخوان المسلمين مثلا، لكن الاحتكام في الانتخابات لا يجب أن يكون للدين، وإنما للانجاز السابق و البرنامج التالي.
هل يعني ما سبق أن الانتخابات وما سبقها و ما تلاها كانت ملائكية مائة بالمائة؟ بالطبع لا، هناك بعض الهفوات و السقطات لاحظتها و ألخصها في الآتي:
1) الاختيار في الأغلب تم بناء على استبعاد تيار معين (ديني أو ليبرالي) أو بناء على معرفة شخصية، ولم يكن على أساس البرنامج.
2) محاولات الحشد الديني من الطرفين، صحيح أنها لم تكن بحجم أو تأثير ما شوهد في استفتاء مارس، لكنها للأسف كانت موجودة.
3) عدم وجود الحيدة الكاملة من اللجنة النقابية المشرفة على الانتخابات، تمثل ذلك في عدم وضع برامج كافة القوائم و المرشحين على موقع النقابة، وإنما وضعت برامج الاتجاه الديني فقط. كذلك سُمح لممثلي التيار الديني بممارسة الدعاية الانتخابية داخل بعض مقار الانتخاب (و لكن ليس داخل اللجان) دون السماح بذلك للآخرين.
4) عدم احترام البعض للنتائج النهائية، فهاهو طارق الغزالي حرب يدعي منع ثلاثة آلاف مسيحي من التصويت، وهو ادعاء كاذب من ناحية و مدمر للوطن و للسلم الاجتماعي من ناحية أخرى، فإن كان ادعاؤه صحيحا وجب عليه التقدم به للجهات المختصة دون إفشائه في الإعلام، وإما إن كان ادعاؤه كاذبا – وهو ما اعتقده – فعلى الجهات المختصة محاسبته و عقابه.
وفقنا الله جميعا لما فيه مصلحة مصر.
أيمن زعقوق
17 أكتوبر 2011