الخميس 20 أكتوبر 2011
يومان قضيناهما فى المشرحة، يومان مع جثامين تناضل للاحتفاظ بلقب شهيد، تناضل ضد نظام مبارك كله؛ ليس فقط عسكر مبارك الذين دهسهم، ولا إعلام مبارك الذى سحب منهم لقب شهيد ونعتهم بالقتلة، ولا نيابة مبارك التى تملصت من البحث عن حقهم، بل ناضلت الجثامين لتحتفظ ببهاء يليق بالشهادة فى مشرحة مستشفى حكومى فقير منعدم الإمكانيات. ناضلت ضد خرافات عصر مبارك القائلة إن التشريح تمثيل بحرمة الميت لا انتصارا لحقه، ناضلت ضد سطوة فقهاء وقساوسة السلطان القائلين إن الباحث عن العدالة فى الحياة الدنيا وكأنما تخلى عنها فى الآخرة، ناضلت ضد طائفية مبارك التى تجعل فقير يرى فى فقير مثله عداوة ليلتهى عمن سرق لقمة عيشهما.
يومان برفقة موت رحيم وخجل لا يرحم، لماذا يا ربى أغلب شهدائنا فقراء؟ كيف ميزت المدرعة والبندقية؟ الدم واحد والقبر واحد ومع ذلك خذلنا الشهادة مرة تلو الأخرى.
مصر معجبانية وبتختار أحلانا، ومينا دانيال زين ما اختارت. لولاه ما انتصرنا فى المشرحة.
طوبى للضعفاء
جاءوا للمستشفى بالمئات بحثا عن أجساد جريحة لعلاجها وأجساد مقتولة لدفنها، جاءوا للمستشفى بحثا عن مأوى فى ليلة تجسدت فيها كل مخاوفهم، جاءوا للمستشفى بحثا عمن يشاركهم الغضب، بحثا عن قوة فى العدد. جاءوا كقطيع الكنيسة. وحاصر المستشفى معتدون مدنيون (ربما هم المواطنون الشرفاء الذى يخاطبهم عسكر مبارك ليل نهار) وبتواطؤ من حماة الأمن وحماة الثورة ليؤكدوا لهم ألا انتماء لكم سوى لقطيع الكنيسة.
جئنا نحن نبحث عن رفيق ميداننا، صاحب البسمة الساحرة، مينا الذى يشبهنا ونشبهه. اختارت الشهادة مينا لأنه ينتمى لقطيع الميدان والثورة، هكذا فهمت من أسرته التى أصرت أن تشرك زملائه فى كل قرار ــ لأنهم زملاؤه. ناضل مينا من خلف ستار العالم الآخر لتنفتح قلوب أهالى الشهداء لنا ونصبح رفاق كفاح واحد. فالدم واحد والدمع أيضا واحد، وكما رأينا الحقيقة فى دموع أمهات الشهداء بعد أن افتقدناها فى شاشات التليفزيون رأوا الحقيقة فى دموعنا. فهموا أننا رفاق مينا ونسوا أن يسألونا عن أسامينا بالريبة المعتادة.
أصدر المستشفى تقريره على نهج ماسبيرو: ماتوا بسكتة قلبية، أو كانت مشاجرة؟ تقدم القساوسة بنصيحتهم: لندفنهم سريعا فالجو حار والمشرحة بلا ثلاجات. تدخلنا نحن بغرور الميدان وسذاجته: ماذا عن العدالة؟ ماذا عن القصاص؟ هؤلاء آخر فرصة لإثبات الجرم، نحتاج لتقرير طب شرعى.
أى خبل هذا، أنمثل بأجساد أبنائنا بحثا عن عدالة لم نرها ولا مرة؟ ولا حتى مصادفة؟ أى عدالة ونحن فقراء؟ أى عدالة ونحن أقباط؟ أى عدالة والقاتل يحكم؟ ألا تفهمون أننا ضعفاء؟
لكن بين صفوفنا مينا، وكانت أخته أول من وافق على التشريح، وبدأوا يقتنعون الواحد تلو الآخر، على مضض وتحت إلحاحنا وتشجيع الحقوقيين، ساعات من البكاء والنقاش والأحضان. نحارب الزمن خلالها بألواح ثلج ومراوح بائسة عسى أن تكون محبتنا كافية للحفاظ على طهارة الجثامين.
بمطلع نهار اليوم الثانى جاءت النيابة لتجد نصف الأهالى يطالب بالتشريح، فأصدر سيادة القاضى فرمانه: إما أن يصدر تصاريح دفن أو تكليف للطب الشرعى، أليس الكل فى الموت سواء؟ وطبعا لم يبخل القساوسة بنصائحهم: رفاقهم سيصلى عليهم سيدنا بعد وقت وجيز، لو تأخرتم يكون قد رجع إلى قلايته، ارحموا أبناءكم فجزاؤهم فى الجنة كبير.
وقفنا صفا واحدا على جبهة صراع مع النظام، لكن هذه المرة الجبهة فى العقل، وخط النار على القلوب. وكما انهزم النظام أمام صفوف الهتاف وصفوف الطوب، انهزم أمام صفوف التضامن. بعد سجال طويل أصدرت النيابة أمر بتشريح كل الجثامين.. بشرط أن نؤمن نحن عمل لجنة الطب الشرعى.
نعم، بدأ الأمر بأننا مسئولون عن تأمين تظاهراتنا، ثم تطور لنصبح مسئولين عن تأمين المنشآت العامة، وها نحن اليوم مسئولون عن تأمين موظفى الدولة إن أردنا أن تتصرف الدولة وكأنها دولة. لم نشغل نفسنا بسؤال «وما دور الشرطة والجيش»، فالإجابة واضحة على أجساد الشهداء.
قلنا للأهالى التشريح سيطول، دعونا ننقل الجثامين لمشرحة زينهم حيث الإمكانيات أفضل. عاد الخوف إلى عيونهم؛ صحيح نقل مينا لهم عدوى الإيمان بمصر، لكن ماكينة الإشاعات لم تتوقف عن العمل وعصابات الشرفاء لم تتوقف عن ترويع الجمع طوال الليل. لم يقولوها صراحة إكراما لنا لكننا فهمنا: لن نترك الحى القبطى، فنحن لا ندرى أى شر ينتظرنا خارجه.
كان علينا إذن أن نؤمن المستشفى، ونضمن للجنة ظروفا مناسبة للعمل. كان علينا أن نخلى المبنى من آلاف خائفة، ونضبط سلوك آلاف غاضبة. وما نحن إلا قلة دخيلة. كان علينا، ويا للمفارقة، أن نقوم بدور يشبه دور الأمن المركزى. جبهة جديدة ولا نملك إلا وحدة صفنا.
بدأت اللجنة عملها تحت حمايتنا، وتحت إشراف محامينا وأطبائنا، جنودنا المجهولين الذين خبروا كل مظاهر الظلم فأصبحوا أعلم بشواهد القتل والتعذيب وقرائن الجرائم والمذابح من خبراء الطب الشرعى. باشرت اللجنة عملها وكلنا قلق أن يدخل أحد الأهالى ويرى المشرط فى جسد ابنه فيهيج، أو أن تنهار صفوفنا أمام هجوم الشرفاء أو غضب المنكوبين.
مملكتى ليست من هذا العالم
تقلق وحدة صفنا كل المستفيدين، وأخطرهم تجار القضية، حلوا علينا بسمهم المعسول: أتثق فى تلك المحامية؟ دى شابة ومش عارفة حاجة.. أنا عندى خبرة طويلة، ومين دول؟ دول كلهم مسلمين، تأمن لهم إزاى؟ لقد حذرتنا من شهور يا مينا عندما قلت لنا: ضرورى ينضم ماسبيرو للتحرير، ضرورى مطالب الأقباط تبقى مطالب الشعب ومطالب الشعب تبقى مطالب الأقباط. والاختبار صعب يا مينا، فالسلطة غشيمة تضرب بعشوائية، أما هؤلاء فيعرفون موضع الجرح بدقة. قضينا باقى اليوم نحارب شائعاتهم الكاذبة واتهاماتهم الباطلة. نعيد كسب ثقة الجمع ونعيد له هدوءه.
قمنا بدور تصورنا فى البداية أنه شبيه بدور الأمن المركزى، لكن شتان، لن أفهم أبدا بعد اليوم كيف يتصور أى جهاز أمنى فى أى مكان فى العالم أن العنف وسيلة فعالة فى ضبط سلوك جماهير غاضبة أو خائفة، من الذى أشار على كل حكومات الأرض أن النزول بسلاح فى مواجهة جماهير سيهدئهم؟ لم نملك سلاحا أمام موجات الغضب إلا الأحضان، رمينا أجسادنا أمام الجموع وبالحضن وبدموع تبكى الشهداء استطعنا أن نبدد ضلالات واقع طائفى عسكرى وننشر حقيقة حلم مصر الحرة.
يا مينا، مصر الميدان هشة ممكن رصاصة واحدة طائشة تطيح بها.. يا مينا، مصر الميدان قوية ممكن حضن واحد ينقذها.. يا مينا، فى حضرتك فهمت تعاليم الأنبياء، متى يفهم العسكر؟
عندما بدأت لجنة الطب الشرعى عملها تذمر الخبراء من نقص الإمكانيات، من سوء الظروف، من فرض رقباء عليهم، ولكن فى النهاية فرض عليها أن تقوم بعملها. عندما قاربت اللجنة على الانتهاء من التشريح وبدأت فى كتابة أسباب الوفاة فجر أحدهم إشاعة أن التقارير كاذبة، ولأن أسباب الوفاة قد تذكر جرحا واحدا فقط هو القاتل حتى لو كان بالجسد عشرات الجروح صدق أهالى الشهداء وهاج الجمع وانهارت صفوفنا.
ونحن على شفا الانتصار واجهنا أصعب محنة، الأهالى آمنت بحلم العدالة، وتركتنا نعبث بأجساد أبنائها، وفاتها كرامة أن يصلى عليهم سيدنا بل وقد يتأخر الدفن لليلة أخرى، ضحوا بكل ما طلبنا منهم أن يضحوا به رغم ترددهم فى البداية، والآن يريدون ضمانا، يريدون أن يحسوا بتلك العدالة، ونحن نقدم لهم كلاما تقنيا وكعابيل قانونية غير مفهومة. لماذا يقول التقرير دهس بمركبة ثقيلة؟ الحق بيّن وكلنا نعلم أنها مدرعة، لماذا لا يقول مدرعة؟ ما هذا المقذوف النارى؟ لماذا لم تكتبوا «رصاص ميرى؟»، ألم تعدونى بعدالة؟ أين اسم الجانى وكلنا نعرفه؟
لم أعِ متى انتصرنا، فقد كنا غارقين فى تفاصيل التفاصيل، لكن فى لحظة نظرت حولى فوجدت وحدة صفنا صارت تشمل العاملين فى المستشفى والأطباء والقساوسة. ماذا فعلت يا مينا؟ هل أيقظ ضعف ورقة حال أهلك ضميرهم أم أيقظت قوتك خيالهم؟ هل تخطينا كل تلك الحواجز فى ساعات فعلا؟ بل انضم لنا أطباء الطب الشرعى أيضا، كان الحل الوحيد هو أن نجلس مع كل أسرة على حدة، نشرح معنى أسباب الوفاة، والتفاصيل التى ستضاف لتقرير الطب الشرعى، ودور النيابة، ودور المحامين، وانتقلت العدوى للطبيب الشرعى وتحول من مجرد موظف إلى مشرف على العدالة، ربما عندما اضطر أن يترجم لغة تقارير اعتاد ألا يقرأها إلا الأقوياء إلى لغة الضعفاء تذكر أن الحق دائما مع الضعفاء؟ رأيتهم يصفون ملامح الشهداء للأهل ليطمئنوهم أنهم ليسوا مجرد جثث، ليثبتوا أنهم يعرفونهم ويهمهم ذكراهم. رأيت ما استشهدت أنت من أجله يتحقق ولو للحظة.
فى طريقنا للكنيسة كان انتصارنا كاملا، لم يعد أحد يسأل عن اسم من شارك فى حمل الشهداء، ومن قاد الهتاف، هل كان مسلما من اقترح أن نهتف «يا نجيب حقهم يا نموت زيهم»؟ يا له من سؤال سخيف. الدم واحد والدمع أيضا واحد.
فأدر له الخد الأيسر
قبل المستشفى القبطى كنا فى مستشفى آخر بعيدا عن الأحداث، ننتظر صورة أشعة على قدم أحمد المصاب برصاص حى.
وجدنا أحمد فى شارع طلعت حرب، كان يحاول مع رفاقه إنقاذ الوطن بالعودة لميدان التحرير. لم يكن قد مر على سقوط الشهداء إلا ساعات معدودة، لم يفكر الشباب فى موازين القوة، هل عددهم يكفى أم لا، ما العمل والقوات غير المسلحة (وفقا للمؤتمر الصحفى العالمى) تطلق الرصاص بسخاء. فكروا فقط فى هول ما سيحدث إن تُرك الميدان لمظاهرة المرتزقة التى انطلقت بمباركة الجيش والشرطة تهتف «إسلامية إسلامية». كنا جميعا نعلم أنها مظاهرة مفتعلة، محاولة لصبغ مذبحة عسكرية بصبغة أهلية وإلصاق التهمة بالسلفيين.
بدا لنا أحمد كبطل أسطورى وهو يقاوم زملاءه رافضا الذهاب إلى مستشفى متعللا بأن الجرح خفيف وأكيد الطلق مجرد خرطوش. أقنعناه أن نذهب لمستشفى خاص بعيد عن الأحداث وحملناه على أكتافنا. فى التاكسى حكى لنا أنه اعتقل وذاق تعذيب الجيش الذى لا يخطئ وجرب «نزاهة» قضائه العسكرى، حكى لنا عن إصابته فى موقعة الغدر بالعباسية. لم تمنعه الإصابات من النزول مجددا فى مواجهة الرصاص.
فى المستشفى بعد أن اكتشفنا أنه مصاب برصاص حى لا خرطوش حل علينا ضابط مباحث لاستجوابه، أبهرتنا صلابة أحمد وهو يرد على الضابط بكل برود وتحد، وأبهرنا أكثر اشمئزازه من تعليق ضابط المباحث «مسلم يعنى» عندما سأل عن اسمه. هل كان سيمنعه من العودة إلى بيته لو كان مسيحيا مثلا؟
لم يتبين لنا أن أحمد ضعيف مثلنا إلا من بكائه فى حضننا عندما طهر الطبيب جرحه، ولم ننتبه إلى أنه فتى فى سن الثانوى إلا وهو يرد بخوف على والدته فى المحمول: «ماسبيرو إيه بس يا ماما، لا أنا خارج مع أصحابى».
هل يعرف اللواء حمدى بدين أن بين صفوفنا من يخاف والدته الحنون أكثر مما يخاف الرصاص والمدرعات؟ هل سمع المشير هتافنا «يا مشير يا مشير من التحرير هنزف عريس» ونحن نصحب مينا فى زيارته الأخيرة للميدان؟ هل يفهم أى من العسكر معنى زيارة أم خالد سعيد لأم مينا دانيال؟ أم أنهم نسوا الدم والدمع والحضن والحلم ولم يعد لهم مكان فى صفوفنا حتى بعد أن اتسعت لتشمل من خذلونا من قبل؟
الاثنين، 24 أكتوبر 2011
الاثنين، 17 أكتوبر 2011
عن انتخابات نقابة الأطباء 2011
في البداية أود أن أهنيء عموم أطباء مصر بهذا المشهد المهيب الذي رأيناه يوم الجمعة 14 أكتوبر 2011، المشهد الذي سيظل راسخا في ضمير كل من تقدم و سيتقدم لتمثيل الجنود الصامتين، المتشحين بالبياض، المقاتلين الرحماء، الأطباء المصريين. المشهد الذي يعني أن من سيعمل في الدار المقدسة للحكمة سيكون خادما لإخوانه لا سيدا عليهم يستغل تمثيلهم لمكاسب شخصية أو حزبية، فإن خيب ظنهم أو خان عهدهم أسقطوه مكللا بالعار في مشهد الانتخابات التالي.
لا أجد ما اعبر به عن فخري و اعتزازي بالانتماء لهذه الكوكبة المتميزة والنخبة الطيبة من المجتمع المصري الأصيل، هذه المجموعة التي ترسم – في رأيي – الصورة المثالية للناخب المصري المثقف و الملتزم و المحترم، الذي يحدد هدفا ويسعى وراءه دون أن يكون لعبة في يد المنتفعين من أصحاب المصالح و الأهواء، فلا يتأثر بالإغراءات المادية أو الوعود الشخصية، بل يفكر ويختار للصالح العام.
قد تكون رؤيتي هذه متفائلة بالنسبة للكثيرين الذي قد يرون انه لا يوجد ما يدعو للتفاؤل بهذه الدرجة، لكني سألخص أسباب تفاؤلي في الآتي:
1) المشاركة الكبيرة لأعضاء النقابة في التصويت، صحيح أنها كانت في حدود 20% من الناخبين المسجلين، لكننا يجب ألا ننسى أن العديد من الناخبين غير موجودين في مصر من الأصل، بالإضافة إلى من ذهب للانتخاب و لم يتمكن من التصويت لأسباب إدارية بحتة، مثل المصاريف و التسجيل في النقابة الفرعية، و أتصور أن هؤلاء سيقل عددهم في المشاهد الانتخابية التالية نتيجة ازدياد الوعي من جهة و التطور التكنولوجي من جهة أخرى و الذي قد يسمح بالتصويت الالكتروني، مما سيشجع الجميع على المشاركة الفعالة، أضف إلى ذلك ما سيلمسه الجميع من تحسن تفاعل النقابة مع مشاكلهم و مساندتها لهم، وهو ما سيدفع من نسميهم "حزب الكنبة" للتحرك و المشاركة.
2) الاحترام الكبير و المتبادل بين الناخبين و المرشحين، فلا توجد محاولة للتأثير على رأي الناخب بالصورة الفجة التي شهدناها في استفتاء مارس 2011 أو ما سبقه من الانتخابات المزورة، حتى ما قام به بعض المرشحون أو القوائم من توزيع مياه الشرب المبردة على الناخبين أثناء انتظارهم للتصويت تم بصورة راقية خلت من أي شكل من أشكال الضغط أو التوجيه.
3) نزاهة العملية الانتخابية ليست محل شك، فالتصويت جرى بشكل واضح و تحت رقابة قضائية و مجتمعية و إعلامية، و تم الفرز بشكل علني و في وجود ممثلين عن الجميع. اعلم انه كانت هناك بعض المخالفات، لكنها بشكل عام كانت محدودة و لا تؤثر جذريا في النتائج.
4) التمثيل المعقول للمرأة و المسيحيين في كل القوائم بما فيها قوائم الإخوان، و الذي أتمنى أن يزيد و يتطور في المشاهد التالية.
5) الاهتمام المجتمعي و الإعلامي الكبير بهذا الحدث، والذي يدل على أن المجتمع بشكل عام ينتظر الكثير من هذه الفئة العبقرية من أبنائه.
6) النتيجة: وهي في رأيي ادعى الأسباب للتفاؤل، فبقراءة متأنية و غير منفعلة نجد أن التيار الديني تراجع تمثيله بالفعل عما كان عليه في الأعوام السابقة، حتى و إن لم يعترف ممثلوه بذلك. ليس هذا فحسب، بل إن التيار الديني تراجع في الأقاليم، وكنا نظن أن ذلك لن يحدث إلا في القاهرة و الإسكندرية فقط. فإذا أخذنا بعين الاعتبار سيطرة هذا التيار على النقابة طيلة العقود الثلاثة الماضية فإننا لابد أن نجد أن حصوله على نسبة 60% أو اقل من مجموع المقاعد هو مؤشر جيد على تحرك المياه الراكدة و ضخ الدماء الجديدة في شرايين النقابة. لا يعني هذا أن يكون الأطباء ضد الإخوان المسلمين مثلا، لكن الاحتكام في الانتخابات لا يجب أن يكون للدين، وإنما للانجاز السابق و البرنامج التالي.
هل يعني ما سبق أن الانتخابات وما سبقها و ما تلاها كانت ملائكية مائة بالمائة؟ بالطبع لا، هناك بعض الهفوات و السقطات لاحظتها و ألخصها في الآتي:
1) الاختيار في الأغلب تم بناء على استبعاد تيار معين (ديني أو ليبرالي) أو بناء على معرفة شخصية، ولم يكن على أساس البرنامج.
2) محاولات الحشد الديني من الطرفين، صحيح أنها لم تكن بحجم أو تأثير ما شوهد في استفتاء مارس، لكنها للأسف كانت موجودة.
3) عدم وجود الحيدة الكاملة من اللجنة النقابية المشرفة على الانتخابات، تمثل ذلك في عدم وضع برامج كافة القوائم و المرشحين على موقع النقابة، وإنما وضعت برامج الاتجاه الديني فقط. كذلك سُمح لممثلي التيار الديني بممارسة الدعاية الانتخابية داخل بعض مقار الانتخاب (و لكن ليس داخل اللجان) دون السماح بذلك للآخرين.
4) عدم احترام البعض للنتائج النهائية، فهاهو طارق الغزالي حرب يدعي منع ثلاثة آلاف مسيحي من التصويت، وهو ادعاء كاذب من ناحية و مدمر للوطن و للسلم الاجتماعي من ناحية أخرى، فإن كان ادعاؤه صحيحا وجب عليه التقدم به للجهات المختصة دون إفشائه في الإعلام، وإما إن كان ادعاؤه كاذبا – وهو ما اعتقده – فعلى الجهات المختصة محاسبته و عقابه.
وفقنا الله جميعا لما فيه مصلحة مصر.
أيمن زعقوق
17 أكتوبر 2011
لا أجد ما اعبر به عن فخري و اعتزازي بالانتماء لهذه الكوكبة المتميزة والنخبة الطيبة من المجتمع المصري الأصيل، هذه المجموعة التي ترسم – في رأيي – الصورة المثالية للناخب المصري المثقف و الملتزم و المحترم، الذي يحدد هدفا ويسعى وراءه دون أن يكون لعبة في يد المنتفعين من أصحاب المصالح و الأهواء، فلا يتأثر بالإغراءات المادية أو الوعود الشخصية، بل يفكر ويختار للصالح العام.
قد تكون رؤيتي هذه متفائلة بالنسبة للكثيرين الذي قد يرون انه لا يوجد ما يدعو للتفاؤل بهذه الدرجة، لكني سألخص أسباب تفاؤلي في الآتي:
1) المشاركة الكبيرة لأعضاء النقابة في التصويت، صحيح أنها كانت في حدود 20% من الناخبين المسجلين، لكننا يجب ألا ننسى أن العديد من الناخبين غير موجودين في مصر من الأصل، بالإضافة إلى من ذهب للانتخاب و لم يتمكن من التصويت لأسباب إدارية بحتة، مثل المصاريف و التسجيل في النقابة الفرعية، و أتصور أن هؤلاء سيقل عددهم في المشاهد الانتخابية التالية نتيجة ازدياد الوعي من جهة و التطور التكنولوجي من جهة أخرى و الذي قد يسمح بالتصويت الالكتروني، مما سيشجع الجميع على المشاركة الفعالة، أضف إلى ذلك ما سيلمسه الجميع من تحسن تفاعل النقابة مع مشاكلهم و مساندتها لهم، وهو ما سيدفع من نسميهم "حزب الكنبة" للتحرك و المشاركة.
2) الاحترام الكبير و المتبادل بين الناخبين و المرشحين، فلا توجد محاولة للتأثير على رأي الناخب بالصورة الفجة التي شهدناها في استفتاء مارس 2011 أو ما سبقه من الانتخابات المزورة، حتى ما قام به بعض المرشحون أو القوائم من توزيع مياه الشرب المبردة على الناخبين أثناء انتظارهم للتصويت تم بصورة راقية خلت من أي شكل من أشكال الضغط أو التوجيه.
3) نزاهة العملية الانتخابية ليست محل شك، فالتصويت جرى بشكل واضح و تحت رقابة قضائية و مجتمعية و إعلامية، و تم الفرز بشكل علني و في وجود ممثلين عن الجميع. اعلم انه كانت هناك بعض المخالفات، لكنها بشكل عام كانت محدودة و لا تؤثر جذريا في النتائج.
4) التمثيل المعقول للمرأة و المسيحيين في كل القوائم بما فيها قوائم الإخوان، و الذي أتمنى أن يزيد و يتطور في المشاهد التالية.
5) الاهتمام المجتمعي و الإعلامي الكبير بهذا الحدث، والذي يدل على أن المجتمع بشكل عام ينتظر الكثير من هذه الفئة العبقرية من أبنائه.
6) النتيجة: وهي في رأيي ادعى الأسباب للتفاؤل، فبقراءة متأنية و غير منفعلة نجد أن التيار الديني تراجع تمثيله بالفعل عما كان عليه في الأعوام السابقة، حتى و إن لم يعترف ممثلوه بذلك. ليس هذا فحسب، بل إن التيار الديني تراجع في الأقاليم، وكنا نظن أن ذلك لن يحدث إلا في القاهرة و الإسكندرية فقط. فإذا أخذنا بعين الاعتبار سيطرة هذا التيار على النقابة طيلة العقود الثلاثة الماضية فإننا لابد أن نجد أن حصوله على نسبة 60% أو اقل من مجموع المقاعد هو مؤشر جيد على تحرك المياه الراكدة و ضخ الدماء الجديدة في شرايين النقابة. لا يعني هذا أن يكون الأطباء ضد الإخوان المسلمين مثلا، لكن الاحتكام في الانتخابات لا يجب أن يكون للدين، وإنما للانجاز السابق و البرنامج التالي.
هل يعني ما سبق أن الانتخابات وما سبقها و ما تلاها كانت ملائكية مائة بالمائة؟ بالطبع لا، هناك بعض الهفوات و السقطات لاحظتها و ألخصها في الآتي:
1) الاختيار في الأغلب تم بناء على استبعاد تيار معين (ديني أو ليبرالي) أو بناء على معرفة شخصية، ولم يكن على أساس البرنامج.
2) محاولات الحشد الديني من الطرفين، صحيح أنها لم تكن بحجم أو تأثير ما شوهد في استفتاء مارس، لكنها للأسف كانت موجودة.
3) عدم وجود الحيدة الكاملة من اللجنة النقابية المشرفة على الانتخابات، تمثل ذلك في عدم وضع برامج كافة القوائم و المرشحين على موقع النقابة، وإنما وضعت برامج الاتجاه الديني فقط. كذلك سُمح لممثلي التيار الديني بممارسة الدعاية الانتخابية داخل بعض مقار الانتخاب (و لكن ليس داخل اللجان) دون السماح بذلك للآخرين.
4) عدم احترام البعض للنتائج النهائية، فهاهو طارق الغزالي حرب يدعي منع ثلاثة آلاف مسيحي من التصويت، وهو ادعاء كاذب من ناحية و مدمر للوطن و للسلم الاجتماعي من ناحية أخرى، فإن كان ادعاؤه صحيحا وجب عليه التقدم به للجهات المختصة دون إفشائه في الإعلام، وإما إن كان ادعاؤه كاذبا – وهو ما اعتقده – فعلى الجهات المختصة محاسبته و عقابه.
وفقنا الله جميعا لما فيه مصلحة مصر.
أيمن زعقوق
17 أكتوبر 2011
الاثنين، 3 أكتوبر 2011
السبت، 10 سبتمبر 2011
إلي كل جلاد طغى - فاروق جويدة
عارٌ علينا أن نقولَ بأنهم مُتـَآمِرُونْ
عارٌ علينا أن نقولَ بأن ضوءَ الصبح ِ
قد أعْمَى العُيونْ
عارٌ علينا أن نقولَ
بأن وجهَ الأرض ِ أنقى
خلفَ قـُضبان ِ السُّجُونْ
عارٌ علينا أن نقولَ بأن تـَاريخَ الشُّعُوبِ
عويلُ جَلاَّدٍ. وشعبٌ عَاجزٌ
وعَصِابة ٌسَرَقت. وناسٌ يَنـْهبَوُنْ
عار علينا أنْ نقولَ بأن غاية َحُلـْمِنا
قـَهْرٌ يُعربدُ فى القلوبِ.
وذلُّ عَيْش ٍ فى البُطونْ
عارٌ علينا أن نقولَ.
بأن أطهرَ ما لدينا خائنونْ
عارٌ علينا أن نقولَ بأن ثورتـَهم
جنونٌ فى جُنـُونْ
فى عتمةِ الليل ِ الطويل تـَقـَدَّمُوا
وتطـَّهروا من رجْس ِ أيام ٍ عِجَافٍ.
ضَلَّ فيها العَابدونْ
لم يعرفوا رقصَ الحِبَال ِ على حِمَى الأوطان ِ.
لم يَتـَلوَّنـُوا
كانوا وَرَبِّ الناس ِ آخرَ ما تبقى.
للكرامةِ من حصونْ
لم يركعُوا لمواكبِ الطغيان ِ.
لـَمْ يَسْتَسْـلِموُا
كانوا رجالا ً عندما اْنتفضت حشودُ الفجر ِ.
قامُوا يَهْدِروُنْ
فى صرخةِ الأمل ِ الوليدِ على ضفافِ النيل ِ.
هَبُّوا كالأسُودِ يزمجرونْ
لم يركعُوا يومًا لِغـَير الله.
والجلادُ بين حشوده
وكتائب الدجل الرخيص على الشعوب يزايدونْ
والكل فى سُوق الغـَنـَائم والنفاق يُبَايعونْ
عار علينا أن نقول بأنهم مُتـَآمرونْ
همْ أطهرُ الأشياء فينا.
همْ سَنابلُ عمرنا
نبتتْ على أطلال ِعمٍر.
ضاع فى ليل المآسِى والشجونْ
من صُـلـْبـِنا جاءوا
وكانوا صرخة َ الجوع ِ المُكـَابـِر ِ.
فى عذابات البطونْ
شَربُوا عَكـَارَ النيل ذاقـَوا بُؤْسَهُ
وترنحوا زمنـًا على شُطآنهِ الثــَّكـْـلـَى.
ورغمَ اليأس ِ عاشُوا يَحْـلـُمُونْ
هم صَفـْعَة ُ الجلاد فى زمن المهانةِ.
هم دعاءُ الأمِّ من قلب حنونْ
نبتـُوا وراءَ معاقل ِ الشيطان ِ.
ذاقـُوا الموتَ أطفالا ً.
وهامُوا فى شـُقـُوق الأرض ِ
تاهوا فى سراديب الظنونْ
عاشوا مع الموتى. وسكان ِ المقابر.
شاهدُوا الآباءَ.
فى الصَّـلـَوَاتِ لـَيْلا ً يُشنقونْ
هم صرخة ُ الأرْحَام
فى زمن التـَّـلوُّثِ والتـَّخنـّثِ والمجونْ
عار علينا أن نقولَ بأنهم
شَربُوا الخيانة َ من زمان ٍ بَاعَهُمْ
سوقُ الخيانةِ لم يكن سرًا.
وهذى الأرضُ تعرفُ
من يبيعُ. ومن يخونْ
قِصَصُ الخيانِة تملأ الصفحاتِ عَارًا
واسألوُا التاريخَ عن وطن ٍ يُبَاعُ
وأمَّةٍ سقطتْ
وحُكام ٍ بسيفِ القـَهْر فينا يَرتعونْ
كم عشتُ أصْرُخُ بين أشباح الظلام ِ.
مَتـْى يُفيــِقُ النائمونْ
أرضٌ يضاجعها الفسادُ. وسادَ فيها المفسدونْ
وجهُ النهار ِ يصيرُ ليْلا ً حين تـَخـْتـنـَقُ العُيُونْ
وجُه الضمير يصيرُ أشلاءً مبعثرة ً
ويخبُو لا يراهُ المُبْصُِرونْ
حتى الدماءُ تهون. فى سوق ِ النـِّخـَاسَةِ
أجملُ الأشياءِ فى الدنيا يهونْ
عار على وطن البطولة
أن يبيعَ شبابَه
أن يتركَ الأوْغَادَ
فى عِرْض ِ الشـُّّعُوب يتاجرونْ
فى عتمةِ الليل ِ الطويل ِ
أطلَّ فجرٌ واثقٌ
هَدَمَ القِلاع َ. وحطـَّمَ الأصْنـَامَ.
واقتحمَ الحصونْ
ثــُوَّارُنـَا يتقدمونْ
مِن كل فـَجِّ يخرجونْ
فى كل شبر ٍ يَنـْـبُـتـُونْ
من طين ِ هذى الأرض. من أكـْفـَانها
من وحشةِ الفقراءِ. من سُخْطِ الحَيَارى
من أنين ِ الجُوع قامُوا يَصْرُخَونْ
شعبٌ بطول الكوْن يَخْرُج للشوارع
كلُّ مَوْتـَانـَا أفـَاقـُوا
والعظامُ السُّودُ صارت ظِلَّ أشْجَار ٍ
ولاحتْ فى بقايَاها الأزاهِرُ والغـُصُونْ
شيخٌ عجوزٌ ماتَ مصلوبًا على الجٌدَران ِ.
جاءَ الآن يحكِى ما طوتْ مِنا السُّنـُونْ
شهداؤُنا عادُوا إلى الميدان ِ.
فى أكـْفـَانِهـِم يَتـَسابقونْ
شهداؤنا رَحَلـُوا. وغابُوا ثم غابُوا من قـُرُونْ
فى ساحةِ الميدان ِعندَ الفجر.
عَادُوا كالحَجـِيج ِ يُكـَبِّرُونْ
وسْط َ الشوارع ِ. فى المقاهِى.
فى المساجد. فى الكنائس يهتفونْ
تتوحد الأرْوَاحُ فى الأحْيَاء والموتـَى
يُطـُّـل ِ الصبحُ. آلافُ الضحايا يَسْـقـُطـُونْ
تتزاحمُ الأنفاسُ. تلتئم القلوبُ
يَفيضُ ضوءُ الشمس ِ
ترتجف الأجـِنـَّة ُ فى البطونْ
حتى الأجنة ودعت أرْحَامَهَا
كـَبُرتْ على وجهِ الصباح وكبَّرَتْ
صوتُ الأجـِنـَّةِ يملأ ُ السَّاحَاتِ
فى صخبِ الزحام ِ يُلـَوِّحُونْ
أنا لا أصدق. إنهم يتكلمونْ.
وَيْحِى. وويْحَ الناس يا الله. لا يتلعثمونْ
فى ساحة الميدان ألمحهم حشودًا يقرأونْ
حرية ُ الإنسان ِ حقٌّ لن يهونْ
حرية ُ الإنسان ِ حقٌّ لن يهونْ
شهداُؤنا فى ساحة الميدان ِ قاموا يَهْدِرُونْ
لم يرفعُوا سيفـًا. ولم يتراجعوا
فى ساحة الميدان فاضت كالصلاة دماؤهم
تجرى على الأرض الحزينةِ.
تكبرُ الأشجارُ. يزهو الكونُ
والشهداءُ فى ركبِ الرَّحيل ِ يُسّارعونْ
كانوا بلون ِ الزَّهْر يختبئونَ فى سعفِ النخيل ِ
وخلفَ مئذنةِ الحُسَيْن تجمَّعُوا
نطقـُوا الشهادة َ فى هدوءٍ
ثم طافـُوا بالحسين يُوَدِّعُونْ
عارٌ علينا بعد هذا
أن نقولَ بأنهم متآمرُونْ.
عار علينا أن نقولَ.
بأن أنقى ما لدينا خائنونْ
هم ما تبقى من شُحُوبِ الصُّبْح ِ
فى هذى الربوع ِ.
وما تبقـَّى من دعاءِ الأمهاتِ.
وما تبَقـَّى فى دِمَانا من حصونْ
هم آخرُ اللحظاتِ
فى زمِن تـَنـَكـَّرَ للرُّجُوَلةِ ..
حين ساد الجهلُ وانتهكَ الشعوبَ مُخـنـَثــَّونْ!
قد اسقطوا عصرًا من الطغيان ِ
كبله الضلالُ. وعم فيه الفقرُ
فاستلقتْ سنابلُ أرضِنا
لحثالةِ السفهاءِ منـْها يثأرونْ
فإلى متى سيظلْ تجارُ الرقيق ِ
على الموائدِ يلعبونْ
وإلى متى سيظل انصاف الرجال
على «الكراسى» يحكمونْ
فى طين هذى الأرض ِ شىءٌ
يعرف النبتَ النـَّـقِىَّ .
ويعرفُ القلب التـَّـقِىَّ
ويتبعُ الشرفاءَ أنـَّى يَذهَبُونْ
دارتْ بنا الأيامُ.
جُرْذانُ السفينةِ فى سَوَادِ الليل ِ.
سِرًّا يخـَتـْفونْ
سرقوا ضياءَ الفـَجْر من عيْن ِ الصغار ِ.
وروَّعُوا الشُّرَفاءَ فى ليل ِ السجونْ
باعُوا المآذِنَ والكـَنـَائِسَ.
ضاجَعُوا الشيطانَ فى سَفـَهٍ
وراحُوا يَسْكـَرُونْ
ابْحَثْ عن الكـُهَّان ِ فى سُوق الخِيَانـَةِ
سوفَ تلقاهُمْ جُمُوعًا يَلهْثَـُونْ
ابحث عن الأرض التى هانت.
عن العمر الذى وَلــَّى.
عن الأحْلام فى أيْدى السُّكـَارَى.
سوف تلقاهم على جُثـَثِ الشعوبِ يُزَايـِدُونْ
يَتـَسابَقـُونَ من الضَّلال ِ. إلى الضلال ِ.
من الحرام ِ. إلى الحَرَام ِ.
ومن هُموم ِ النـَّاس ِعاشـُوا يَسْخَرُونْ
كـُهَّانـُنا يَترنـَّحُونَ. وكلما سَكِرُوا أفـَاقـُوا
ثم راحُوا يَكـْذِبونْ
صوتٌ يُراوغ ُ لـَعْنـَة َ التاريخ.
فى صَخَب الجُمُوع يَصيح. مَنْ أنتمْ؟
وكأن هذا القزم يجهَلُ من نكونُ.
وكل ما فى الكون يعرف من نكونْ
نحنُ البَقـَايا من مَفـاتِن ِ أمَّةٍ
حينْ اشـْتـَراها فى المَزَادِ الغاصبونْ
بَاعَتْ ثِيَابَ الـعُرْس ِ. خانت عِرْضَهَا
واسْتسـْـلمتِ لِعصَابةِ الأوْبَاش ِ فيها يعبثونْ
نحنُ العَذابُ المُرُّ. نحن الجائعونْ
وغدا نراكم فى صناديق ِ القمامةِ تـُحْرَقـُونْ
هذى نهاية ُعُصْبَةِ الطـُّغـْـيَان ِ. شعبٌ ثائرٌ
وفلولُ طاغيةٍ على دَرْب الضَّلال ِ مُحَاصَرُونْ
هذى نهاية ُ كلِّ جَلاَّد طغـَى.
ثأرُ الشعوبِ يظلُّ فى عُنـُق ِ الرجالِ
وإنْ تـَرَاخَى الخـَانِعُونْ
عارُ علينا أن نقول بأنهم يَتـَآمَرُونْ
عار علينا أن نقولَ بأنهم.
جَاءُوا سِفـَاحًا.
عِنـْدِى يقين أن فِرْسَانَ الربيع ِ الخضر ِ
أنقى ما رأتْ هذى الربوع ُ
وأن هذى الأرضَ لم تـُنـْجـِبْ.
ولِيدًا ضلَّ. أو أبنا يَخُونْ
هل نـُطفىءُ الفجَر الذى ملأ الربوعَ.
وندفنُ الأفراحَ فى ضوءِ العيونْ؟!
هل نقطعُ الأشجارَ من أيامنا
نـُلقىُ ثمارَ العُمر
فى سوق المهانة والنخاسة والظنونْ؟!
هل نسجنُ التاريخَ.
فى سوق ِ العَمِالة والدَمَامَة والمُجُون؟!
عار علينا أن نقول بأنهم مُتآمرونْ
فى ساحة التاريخ ينتظرُ الطغاة ُ.
قضاة َ عْدل ِ يحكمونْ
يتساءل التاريخُ: هل عَدَلوُا؟.
يسودُ الصمتُ. والتاريخُ يسألُ:
أىَّ عَدْل ٍ يَطـْـلـُبَون؟
صفحاتـُهم كانت بَلوْن الدَّم
طعم ِ الموتِ. أشلاءِ الضَّحَايَا
فوق أعناق المشانق يُصْلبونْ
وعلى المشارفِ صورة ُ الشـُّهَدَاءِ.
يحُصُدهم رصاصُ المَوْتِ.
أسرابًا. وهم يَتـَسَاقـَطـُونْ
أسألْ حشودَ الموتِ عن دَمْ الضحايا ..
عن خرابِ الأرْض ِ. عن قـَهـِر الصَّبَايَا.
واغتصابِ الحُلـْم منا.
عَلــَّهُمْ يَتذكــَّرُونْ
فى كل شبـٍر من ربوع ِ الأرْضِ.
طاغية ٌ. وشعبٌ جَائِعٌ.
وأرَامِلٌ تشكوُ. وجَوْعَى يَلـْعنـُونْ
فبأىِّ حقٍّ للعدالةِ تطلـُبونْ
ياكـُلَّ جلادٍ طغى
اسمَعْ أنينَ الناس ِ فى الطـُّرُقـَاتِ.
والأطفال ِفى المدن الحزينة يصرخَونْ
يَتـَرَنـَّحُ الأطفالُ فى عُلـَبِ القِمَامَةِ.
بين أسْرَاب الذبَابِ يُفـُتـِّشـُونْ
من جـِيفـَةِ المَوْتـَى ومن عَفـَن ِ المَوَائد يأكلونْ
ولديكَ شعبٌ.
أنت لم تـَحْسِبْ له أبدًا حِسَابًا
حين وزَّعْتَ الغنائمَ.
واسْتـَبـَحْتَ الأرْضَ. فـَتـَّحتَ السجونْ
حين استرحتَ. وحولك الجُرْذانُ.
فى قلب السَّفينةِ يَنـْخرَوُنْ
وظننتَ أن المُلـْـكَ حَاشية ٌ.
وأبْنـَاءٌ. وشعبٌ نائمٌ
وذئابُكَ السَّوْدَاءُ
من دَمّ الضحايا يَسْكـَرُونْ
انظرْ إلى الكون ِ الـَفسِـيح ِ لكى تـَرَى
كيفَ الحياة ُ تضيقُ.
كيفَ الظلمُ يمتـَهنُ القلوبَ.
فأينَ يا جلادٌ فرَّ الهاربونْ ؟
أين الذئابُ السُّودُ تـَعْوى فى بلاطِكَ؟!
أينَ أعوانُ الوريثِ؟!.
وأين حاشية ُ الضلال؟!.
وأين أبواقُ النفاق ِ؟!
وأين قـُرْصَانُ الديونْ؟!
باعُوكَ بَخْسًا فى المزادِ.
وجئتَ تسألُ أينَ راحَ البائعونْ؟!
فى وَحْشَةِ «القـَفـَص ِ» الكئيبِ تنامُ وحدَكَ.
تسألُ الأبناءَ عن أسْمَائهمْ
ما عدتَ تعرفُ أين أنتَ.
وكيفَ كـُنتَ. ومن تكونْ
مازلتَ تـَسْبَحُ فى ضَلالِكَ.
تسألُ الثوارَ. من أنـْتـُمْ؟
وكل الناس حولكَ يضحكونْ
ضَيَّعْتَ تاريخًا طويلا ً حين أطلقتَ الكلابَ
على الرَّعِيَّةِ ينهشونْ
وجلست تعبثُ فى الرمال ِ. وحولكَ الأوْغـَادُ
من جسدِ الوَلِيَمة يأكلونْ
العرشُ ليسَ وليمة ً
يلهوُ بها الأبناءُ. والأعْوَانُ. والمتنـَطـِّعُونْ
العرشُ تاجُ العَدْل بين ِ الناس.
حينَ يغيبُ وجْهُ العَدْل ِ . يسطـُو المُفـْسِدُونْ
هذى دروسٌ فى الحياة ِ.
وليتَ كـُهَّانَ العُروبة بعدَ هذا يفهمونْ
هذا مصيرُ عِصَابَةِ الطغيان ِ.
شعبٌ جائعٌ
وفلولُ أشباح ٍ على درب النهاية يَنـْهَبُونْ
هذى حكاية ُأمَّةٍ كانتْ ضميرَ الكون.
ضَيَّعَهَا الضلالُ.
وباعها العملاءُ والمُتـَسَلــِّـقـُونْ
ياكلَّ جلاَّدٍ طغى.
ياكـُلَّ طاغيةٍ فـَسَدْ
صغرتْ بكَ الأشياءُ.
صارَ العرشُ قـُضْبَانـًا. وكهْلا ً قـَابعـًا
والناسُ من هول ِ الفضائح ِ. يَعْجَبُونْ
يومًا أعزكَ خالقُ الإنسان ِ.
كنتَ خليفة ً لِلـَّهِ فوقَ الأرضِ.
خَرَبَّتَ البلادَ. أقمت للناس ِ السجونْ
والآن تسأل أينَ أعْوَانِى. وأين المُلك؟!
ما شيَّدْتُ يوما من مَعَاقـَلَ. مِنْ حُصُون؟!
سقطَ القناع ُ أمامَ مَعْبَدِكَ المزيفِ.
باعَكَ الأوغادُ بَخْسًا.
كلُّ فِئـْرَان ِ السفينةِ يَهْرَبُونْ
فـَلِكـُلِّ طاغيةٍ مَدًى.
ولكل جلاَّدٍ حسابْ
ياليت قومى يَعْقلوُنْ
الآن تجَلسُ. لا حشودَ. ولا جنودَ.
أمامَ عَرْشِكَ يَسْجُدُونْ!
قد بعت نفسَكَ للفسادِ
فلا تلمْ أحدًا
فإن اللهَ يهدِى من يشاءُ.
ولن يضلَّ المُهتـَدوُنْ.
عارٌ علينا أن نقولَ بأن ضوءَ الصبح ِ
قد أعْمَى العُيونْ
عارٌ علينا أن نقولَ
بأن وجهَ الأرض ِ أنقى
خلفَ قـُضبان ِ السُّجُونْ
عارٌ علينا أن نقولَ بأن تـَاريخَ الشُّعُوبِ
عويلُ جَلاَّدٍ. وشعبٌ عَاجزٌ
وعَصِابة ٌسَرَقت. وناسٌ يَنـْهبَوُنْ
عار علينا أنْ نقولَ بأن غاية َحُلـْمِنا
قـَهْرٌ يُعربدُ فى القلوبِ.
وذلُّ عَيْش ٍ فى البُطونْ
عارٌ علينا أن نقولَ.
بأن أطهرَ ما لدينا خائنونْ
عارٌ علينا أن نقولَ بأن ثورتـَهم
جنونٌ فى جُنـُونْ
فى عتمةِ الليل ِ الطويل تـَقـَدَّمُوا
وتطـَّهروا من رجْس ِ أيام ٍ عِجَافٍ.
ضَلَّ فيها العَابدونْ
لم يعرفوا رقصَ الحِبَال ِ على حِمَى الأوطان ِ.
لم يَتـَلوَّنـُوا
كانوا وَرَبِّ الناس ِ آخرَ ما تبقى.
للكرامةِ من حصونْ
لم يركعُوا لمواكبِ الطغيان ِ.
لـَمْ يَسْتَسْـلِموُا
كانوا رجالا ً عندما اْنتفضت حشودُ الفجر ِ.
قامُوا يَهْدِروُنْ
فى صرخةِ الأمل ِ الوليدِ على ضفافِ النيل ِ.
هَبُّوا كالأسُودِ يزمجرونْ
لم يركعُوا يومًا لِغـَير الله.
والجلادُ بين حشوده
وكتائب الدجل الرخيص على الشعوب يزايدونْ
والكل فى سُوق الغـَنـَائم والنفاق يُبَايعونْ
عار علينا أن نقول بأنهم مُتـَآمرونْ
همْ أطهرُ الأشياء فينا.
همْ سَنابلُ عمرنا
نبتتْ على أطلال ِعمٍر.
ضاع فى ليل المآسِى والشجونْ
من صُـلـْبـِنا جاءوا
وكانوا صرخة َ الجوع ِ المُكـَابـِر ِ.
فى عذابات البطونْ
شَربُوا عَكـَارَ النيل ذاقـَوا بُؤْسَهُ
وترنحوا زمنـًا على شُطآنهِ الثــَّكـْـلـَى.
ورغمَ اليأس ِ عاشُوا يَحْـلـُمُونْ
هم صَفـْعَة ُ الجلاد فى زمن المهانةِ.
هم دعاءُ الأمِّ من قلب حنونْ
نبتـُوا وراءَ معاقل ِ الشيطان ِ.
ذاقـُوا الموتَ أطفالا ً.
وهامُوا فى شـُقـُوق الأرض ِ
تاهوا فى سراديب الظنونْ
عاشوا مع الموتى. وسكان ِ المقابر.
شاهدُوا الآباءَ.
فى الصَّـلـَوَاتِ لـَيْلا ً يُشنقونْ
هم صرخة ُ الأرْحَام
فى زمن التـَّـلوُّثِ والتـَّخنـّثِ والمجونْ
عار علينا أن نقولَ بأنهم
شَربُوا الخيانة َ من زمان ٍ بَاعَهُمْ
سوقُ الخيانةِ لم يكن سرًا.
وهذى الأرضُ تعرفُ
من يبيعُ. ومن يخونْ
قِصَصُ الخيانِة تملأ الصفحاتِ عَارًا
واسألوُا التاريخَ عن وطن ٍ يُبَاعُ
وأمَّةٍ سقطتْ
وحُكام ٍ بسيفِ القـَهْر فينا يَرتعونْ
كم عشتُ أصْرُخُ بين أشباح الظلام ِ.
مَتـْى يُفيــِقُ النائمونْ
أرضٌ يضاجعها الفسادُ. وسادَ فيها المفسدونْ
وجهُ النهار ِ يصيرُ ليْلا ً حين تـَخـْتـنـَقُ العُيُونْ
وجُه الضمير يصيرُ أشلاءً مبعثرة ً
ويخبُو لا يراهُ المُبْصُِرونْ
حتى الدماءُ تهون. فى سوق ِ النـِّخـَاسَةِ
أجملُ الأشياءِ فى الدنيا يهونْ
عار على وطن البطولة
أن يبيعَ شبابَه
أن يتركَ الأوْغَادَ
فى عِرْض ِ الشـُّّعُوب يتاجرونْ
فى عتمةِ الليل ِ الطويل ِ
أطلَّ فجرٌ واثقٌ
هَدَمَ القِلاع َ. وحطـَّمَ الأصْنـَامَ.
واقتحمَ الحصونْ
ثــُوَّارُنـَا يتقدمونْ
مِن كل فـَجِّ يخرجونْ
فى كل شبر ٍ يَنـْـبُـتـُونْ
من طين ِ هذى الأرض. من أكـْفـَانها
من وحشةِ الفقراءِ. من سُخْطِ الحَيَارى
من أنين ِ الجُوع قامُوا يَصْرُخَونْ
شعبٌ بطول الكوْن يَخْرُج للشوارع
كلُّ مَوْتـَانـَا أفـَاقـُوا
والعظامُ السُّودُ صارت ظِلَّ أشْجَار ٍ
ولاحتْ فى بقايَاها الأزاهِرُ والغـُصُونْ
شيخٌ عجوزٌ ماتَ مصلوبًا على الجٌدَران ِ.
جاءَ الآن يحكِى ما طوتْ مِنا السُّنـُونْ
شهداؤُنا عادُوا إلى الميدان ِ.
فى أكـْفـَانِهـِم يَتـَسابقونْ
شهداؤنا رَحَلـُوا. وغابُوا ثم غابُوا من قـُرُونْ
فى ساحةِ الميدان ِعندَ الفجر.
عَادُوا كالحَجـِيج ِ يُكـَبِّرُونْ
وسْط َ الشوارع ِ. فى المقاهِى.
فى المساجد. فى الكنائس يهتفونْ
تتوحد الأرْوَاحُ فى الأحْيَاء والموتـَى
يُطـُّـل ِ الصبحُ. آلافُ الضحايا يَسْـقـُطـُونْ
تتزاحمُ الأنفاسُ. تلتئم القلوبُ
يَفيضُ ضوءُ الشمس ِ
ترتجف الأجـِنـَّة ُ فى البطونْ
حتى الأجنة ودعت أرْحَامَهَا
كـَبُرتْ على وجهِ الصباح وكبَّرَتْ
صوتُ الأجـِنـَّةِ يملأ ُ السَّاحَاتِ
فى صخبِ الزحام ِ يُلـَوِّحُونْ
أنا لا أصدق. إنهم يتكلمونْ.
وَيْحِى. وويْحَ الناس يا الله. لا يتلعثمونْ
فى ساحة الميدان ألمحهم حشودًا يقرأونْ
حرية ُ الإنسان ِ حقٌّ لن يهونْ
حرية ُ الإنسان ِ حقٌّ لن يهونْ
شهداُؤنا فى ساحة الميدان ِ قاموا يَهْدِرُونْ
لم يرفعُوا سيفـًا. ولم يتراجعوا
فى ساحة الميدان فاضت كالصلاة دماؤهم
تجرى على الأرض الحزينةِ.
تكبرُ الأشجارُ. يزهو الكونُ
والشهداءُ فى ركبِ الرَّحيل ِ يُسّارعونْ
كانوا بلون ِ الزَّهْر يختبئونَ فى سعفِ النخيل ِ
وخلفَ مئذنةِ الحُسَيْن تجمَّعُوا
نطقـُوا الشهادة َ فى هدوءٍ
ثم طافـُوا بالحسين يُوَدِّعُونْ
عارٌ علينا بعد هذا
أن نقولَ بأنهم متآمرُونْ.
عار علينا أن نقولَ.
بأن أنقى ما لدينا خائنونْ
هم ما تبقى من شُحُوبِ الصُّبْح ِ
فى هذى الربوع ِ.
وما تبقـَّى من دعاءِ الأمهاتِ.
وما تبَقـَّى فى دِمَانا من حصونْ
هم آخرُ اللحظاتِ
فى زمِن تـَنـَكـَّرَ للرُّجُوَلةِ ..
حين ساد الجهلُ وانتهكَ الشعوبَ مُخـنـَثــَّونْ!
قد اسقطوا عصرًا من الطغيان ِ
كبله الضلالُ. وعم فيه الفقرُ
فاستلقتْ سنابلُ أرضِنا
لحثالةِ السفهاءِ منـْها يثأرونْ
فإلى متى سيظلْ تجارُ الرقيق ِ
على الموائدِ يلعبونْ
وإلى متى سيظل انصاف الرجال
على «الكراسى» يحكمونْ
فى طين هذى الأرض ِ شىءٌ
يعرف النبتَ النـَّـقِىَّ .
ويعرفُ القلب التـَّـقِىَّ
ويتبعُ الشرفاءَ أنـَّى يَذهَبُونْ
دارتْ بنا الأيامُ.
جُرْذانُ السفينةِ فى سَوَادِ الليل ِ.
سِرًّا يخـَتـْفونْ
سرقوا ضياءَ الفـَجْر من عيْن ِ الصغار ِ.
وروَّعُوا الشُّرَفاءَ فى ليل ِ السجونْ
باعُوا المآذِنَ والكـَنـَائِسَ.
ضاجَعُوا الشيطانَ فى سَفـَهٍ
وراحُوا يَسْكـَرُونْ
ابْحَثْ عن الكـُهَّان ِ فى سُوق الخِيَانـَةِ
سوفَ تلقاهُمْ جُمُوعًا يَلهْثَـُونْ
ابحث عن الأرض التى هانت.
عن العمر الذى وَلــَّى.
عن الأحْلام فى أيْدى السُّكـَارَى.
سوف تلقاهم على جُثـَثِ الشعوبِ يُزَايـِدُونْ
يَتـَسابَقـُونَ من الضَّلال ِ. إلى الضلال ِ.
من الحرام ِ. إلى الحَرَام ِ.
ومن هُموم ِ النـَّاس ِعاشـُوا يَسْخَرُونْ
كـُهَّانـُنا يَترنـَّحُونَ. وكلما سَكِرُوا أفـَاقـُوا
ثم راحُوا يَكـْذِبونْ
صوتٌ يُراوغ ُ لـَعْنـَة َ التاريخ.
فى صَخَب الجُمُوع يَصيح. مَنْ أنتمْ؟
وكأن هذا القزم يجهَلُ من نكونُ.
وكل ما فى الكون يعرف من نكونْ
نحنُ البَقـَايا من مَفـاتِن ِ أمَّةٍ
حينْ اشـْتـَراها فى المَزَادِ الغاصبونْ
بَاعَتْ ثِيَابَ الـعُرْس ِ. خانت عِرْضَهَا
واسْتسـْـلمتِ لِعصَابةِ الأوْبَاش ِ فيها يعبثونْ
نحنُ العَذابُ المُرُّ. نحن الجائعونْ
وغدا نراكم فى صناديق ِ القمامةِ تـُحْرَقـُونْ
هذى نهاية ُعُصْبَةِ الطـُّغـْـيَان ِ. شعبٌ ثائرٌ
وفلولُ طاغيةٍ على دَرْب الضَّلال ِ مُحَاصَرُونْ
هذى نهاية ُ كلِّ جَلاَّد طغـَى.
ثأرُ الشعوبِ يظلُّ فى عُنـُق ِ الرجالِ
وإنْ تـَرَاخَى الخـَانِعُونْ
عارُ علينا أن نقول بأنهم يَتـَآمَرُونْ
عار علينا أن نقولَ بأنهم.
جَاءُوا سِفـَاحًا.
عِنـْدِى يقين أن فِرْسَانَ الربيع ِ الخضر ِ
أنقى ما رأتْ هذى الربوع ُ
وأن هذى الأرضَ لم تـُنـْجـِبْ.
ولِيدًا ضلَّ. أو أبنا يَخُونْ
هل نـُطفىءُ الفجَر الذى ملأ الربوعَ.
وندفنُ الأفراحَ فى ضوءِ العيونْ؟!
هل نقطعُ الأشجارَ من أيامنا
نـُلقىُ ثمارَ العُمر
فى سوق المهانة والنخاسة والظنونْ؟!
هل نسجنُ التاريخَ.
فى سوق ِ العَمِالة والدَمَامَة والمُجُون؟!
عار علينا أن نقول بأنهم مُتآمرونْ
فى ساحة التاريخ ينتظرُ الطغاة ُ.
قضاة َ عْدل ِ يحكمونْ
يتساءل التاريخُ: هل عَدَلوُا؟.
يسودُ الصمتُ. والتاريخُ يسألُ:
أىَّ عَدْل ٍ يَطـْـلـُبَون؟
صفحاتـُهم كانت بَلوْن الدَّم
طعم ِ الموتِ. أشلاءِ الضَّحَايَا
فوق أعناق المشانق يُصْلبونْ
وعلى المشارفِ صورة ُ الشـُّهَدَاءِ.
يحُصُدهم رصاصُ المَوْتِ.
أسرابًا. وهم يَتـَسَاقـَطـُونْ
أسألْ حشودَ الموتِ عن دَمْ الضحايا ..
عن خرابِ الأرْض ِ. عن قـَهـِر الصَّبَايَا.
واغتصابِ الحُلـْم منا.
عَلــَّهُمْ يَتذكــَّرُونْ
فى كل شبـٍر من ربوع ِ الأرْضِ.
طاغية ٌ. وشعبٌ جَائِعٌ.
وأرَامِلٌ تشكوُ. وجَوْعَى يَلـْعنـُونْ
فبأىِّ حقٍّ للعدالةِ تطلـُبونْ
ياكـُلَّ جلادٍ طغى
اسمَعْ أنينَ الناس ِ فى الطـُّرُقـَاتِ.
والأطفال ِفى المدن الحزينة يصرخَونْ
يَتـَرَنـَّحُ الأطفالُ فى عُلـَبِ القِمَامَةِ.
بين أسْرَاب الذبَابِ يُفـُتـِّشـُونْ
من جـِيفـَةِ المَوْتـَى ومن عَفـَن ِ المَوَائد يأكلونْ
ولديكَ شعبٌ.
أنت لم تـَحْسِبْ له أبدًا حِسَابًا
حين وزَّعْتَ الغنائمَ.
واسْتـَبـَحْتَ الأرْضَ. فـَتـَّحتَ السجونْ
حين استرحتَ. وحولك الجُرْذانُ.
فى قلب السَّفينةِ يَنـْخرَوُنْ
وظننتَ أن المُلـْـكَ حَاشية ٌ.
وأبْنـَاءٌ. وشعبٌ نائمٌ
وذئابُكَ السَّوْدَاءُ
من دَمّ الضحايا يَسْكـَرُونْ
انظرْ إلى الكون ِ الـَفسِـيح ِ لكى تـَرَى
كيفَ الحياة ُ تضيقُ.
كيفَ الظلمُ يمتـَهنُ القلوبَ.
فأينَ يا جلادٌ فرَّ الهاربونْ ؟
أين الذئابُ السُّودُ تـَعْوى فى بلاطِكَ؟!
أينَ أعوانُ الوريثِ؟!.
وأين حاشية ُ الضلال؟!.
وأين أبواقُ النفاق ِ؟!
وأين قـُرْصَانُ الديونْ؟!
باعُوكَ بَخْسًا فى المزادِ.
وجئتَ تسألُ أينَ راحَ البائعونْ؟!
فى وَحْشَةِ «القـَفـَص ِ» الكئيبِ تنامُ وحدَكَ.
تسألُ الأبناءَ عن أسْمَائهمْ
ما عدتَ تعرفُ أين أنتَ.
وكيفَ كـُنتَ. ومن تكونْ
مازلتَ تـَسْبَحُ فى ضَلالِكَ.
تسألُ الثوارَ. من أنـْتـُمْ؟
وكل الناس حولكَ يضحكونْ
ضَيَّعْتَ تاريخًا طويلا ً حين أطلقتَ الكلابَ
على الرَّعِيَّةِ ينهشونْ
وجلست تعبثُ فى الرمال ِ. وحولكَ الأوْغـَادُ
من جسدِ الوَلِيَمة يأكلونْ
العرشُ ليسَ وليمة ً
يلهوُ بها الأبناءُ. والأعْوَانُ. والمتنـَطـِّعُونْ
العرشُ تاجُ العَدْل بين ِ الناس.
حينَ يغيبُ وجْهُ العَدْل ِ . يسطـُو المُفـْسِدُونْ
هذى دروسٌ فى الحياة ِ.
وليتَ كـُهَّانَ العُروبة بعدَ هذا يفهمونْ
هذا مصيرُ عِصَابَةِ الطغيان ِ.
شعبٌ جائعٌ
وفلولُ أشباح ٍ على درب النهاية يَنـْهَبُونْ
هذى حكاية ُأمَّةٍ كانتْ ضميرَ الكون.
ضَيَّعَهَا الضلالُ.
وباعها العملاءُ والمُتـَسَلــِّـقـُونْ
ياكلَّ جلاَّدٍ طغى.
ياكـُلَّ طاغيةٍ فـَسَدْ
صغرتْ بكَ الأشياءُ.
صارَ العرشُ قـُضْبَانـًا. وكهْلا ً قـَابعـًا
والناسُ من هول ِ الفضائح ِ. يَعْجَبُونْ
يومًا أعزكَ خالقُ الإنسان ِ.
كنتَ خليفة ً لِلـَّهِ فوقَ الأرضِ.
خَرَبَّتَ البلادَ. أقمت للناس ِ السجونْ
والآن تسأل أينَ أعْوَانِى. وأين المُلك؟!
ما شيَّدْتُ يوما من مَعَاقـَلَ. مِنْ حُصُون؟!
سقطَ القناع ُ أمامَ مَعْبَدِكَ المزيفِ.
باعَكَ الأوغادُ بَخْسًا.
كلُّ فِئـْرَان ِ السفينةِ يَهْرَبُونْ
فـَلِكـُلِّ طاغيةٍ مَدًى.
ولكل جلاَّدٍ حسابْ
ياليت قومى يَعْقلوُنْ
الآن تجَلسُ. لا حشودَ. ولا جنودَ.
أمامَ عَرْشِكَ يَسْجُدُونْ!
قد بعت نفسَكَ للفسادِ
فلا تلمْ أحدًا
فإن اللهَ يهدِى من يشاءُ.
ولن يضلَّ المُهتـَدوُنْ.
الخميس، 11 أغسطس 2011
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)