الثلاثاء، 22 مارس 2011

دقت ساعة العمل الثورى - عمر طاهر


بعد الكلام عن أن الاستفتاء كان أعظم يوم فى تاريخ مصر، والشعب أثبت أنه عم العالم وكل هذا الكلام الذى مللت حضرتك من سماعه واللى مش هاعرف أعيده تانى لظروف المساحة (أنا من الكتاب اللى مالهمش تتمة، مع كامل نفسنتى على بلال فضل) هادخل فى الموضوع وش.

أؤمن تماما بأن الإخوان لم يتجاوزوا، وده جواب نهائى، أنت لو رايح الصين مضطر تتكلم صينى، والإخوان تكلموا مع الناس باللغة التى يفهمونها، الإخوان تكلموا مع الناس أصلاً.

أما معظم المثقفين المعارضين بتوع لأ، فقد «اتكلموا مع بعض» فى ندوات ومناظرات ومقالات أكثر مما تكلموا مع الناس مباشرة.

إذا كنت مطرباً وهناك مطرب آخر أنت لا تؤمن به لكنه يحقق نجاحات تفوقك فلا يصح أن تتهمه بالتجاوز، بل الواجب أن تعرف لماذا يهتم به الجمهور أكثر منك، وأخطر ما فى الأمر أن تتعالى وترى أن المطرب منافسك كسب هذا الجمهور لأن الجمهور جاهل وظروفه صعبة.

بلاش..

عندك شخص يمكن أن تكسبه بحقيبة مواد تموينية، ظهر منافسك فقدمها له، هل ستلوم منافسك؟ على الأقل هو سد احتياج هذا الرجل وقدم له خدمة حقيقية دون أن يضمن ولاءه كاملا (لم يمنحها له بوصل أمانة مثلا)، هل ستلوم الشخص المستفيد؟ لن يسمعك لأنك تبيع له كلاما فقط، طيب.. ما المانع أن الحقيبة التى يقدمها المسجد يقدمها الحزب أيضا؟، هو إحنا ليه هنتعالى على احتياجات الناس؟

بلاش..

عندك شخص يسهل على إمام مسجد قريته أن يقنعه بأن التصويت بـ«نعم» هو تصويت للإسلام بإمارة الدائرة الخضراء والتصويت بـ«لا» هو تصويت للمسيحية، بإمارة الدائرة السوداء رمز ملابس القس، هل فكرت أن تذهب يوما لهذه القرية فى صحبة عالم دين مستنير، هل بذلت جهدا – غير الجهد الشفوى – فى تقريب وجهات النظر بين الطرفين؟!

المهم..

قد تعتقد أننى «مش مبسوط» لأننى كنت أقول لأ، صدقنى أنا مبسوط بخطوة للأمام، لكننى أكره المبالغة، انتهى عصر الزيطة والزفة الدمياطى، فرحتى بالاستفتاء تشبه فرحتى بطفل ينطق حروفه الأولى بكل ما فيها من «لعثمة وتفافه» .. فرحان بيه لكننى سأرقع زغروطة عندما يبدأ هذا الطفل فى تكوين جملة مفيدة.

خُد بالك أن ٦٠% من الشعب كان يعتقد أن ما يجرى فى البلد هو حلقة جديدة من «إدينى عقلك» فلم يشارك فى الاستفتاء، ودول أمرهم سهل، المصيبة أنه فى لحظة اختيار سهلة جدا (نعم أو لا) ببطاقة رقم قومى كان فيه أكثر من مائة وعشرين ألف مواطن أصواتهم باطلة.. يعنى إدينى عقلك فعلاً!!

الخلاصة ..

لا خوف على الثورة من أى فصيل سياسى، فالثورة اختارت رمزا لها (الميدان) الذى تصب فيه شوارع كثيرة، أتحداك أن تجد شارعا واحداً يستطيع أن يحتوى كل هذا الزخم بمفرده، وإذا كنت تشعر فى قرارة نفسك بأن الجيش ربما يكون ميالا لطرف بعينه.. أهو الجيش ماشى يا سيدى خلاص، وما كنت تحلم بتغييره فى فترة طويلة صرت ملزما بتغييره فى ٦ أشهر فقط، الأمر الذى يجعل العمل شيقاً ومثيراً للتحدى، لكن قبلها يجب أن نعترف بأن القاعدة التى تقول: (المذاكرة وبعدين الامتحان) حطمها الاستفتاء، حيث إننا خضنا الامتحان أولاً.. ودلوقتى المفروض إننا نبتدى نذاكر.

الأحد، 20 مارس 2011

إبراهيم عيسى يكتب: لا لبدلة أنور وجدى!


سأقول لا للتعديلات الدستورية لكن لن أغضب ممن سيقول نعم
أسعى إلى أن يكون لمصر دستور جديد يضعه المصريون جمعا وجميعا وإجماعا فورا أو فى أقرب وقت بدلا من هذا الدستور المرقع لكن ليس لى إلا أن أحترم إرادة الشعب لو أخطأ ووافق على الاستفتاء
التعديلات تمت فى غرفة مظلمة وجرت على أيدى مجموعة من القانونيين ليس بينهم شخص واحد يمثل القوى السياسية والوطنية وقطاعات الشعب وطوائفه وأطيافه وخرجت مبهمة ومرتبكة ومربكة لكننا الآن أمام حماس غير عادى من المجلس العسكرى للحصول على موافقة عليها من الشعب فها هى التعليمات تصدر لوسائل الاعلام الحكومية والخاصة ومقدمى البرامج بالدعوة للموافقة عليه وتمت مخاطبة شخصيات ذات مصداقية كى يطلبوا ويطالبوا الناس بالموافقة على التعديلات ـ
المشكلة فى هذه التعديلات الدستورية المطروحة للاستفتاء السبت القادم ليست فى هذا التخوف المذعور الذى يعلنه كثيرون على الساحة السياسية من الاخوان المسلمين فى الانتخابات البرلمانية وهى المحطة التالية للاستفتاء (سنناقش هذا بعد قليل ) لكن المشكلة –الأحرى واحدة من المشكلات- أن التعديلات تعنى اعترافا بالدستور الذى تهاوى وسقط مع سقوط الرئيس ونظامه ،!
لقد أعلن الرئيس السابق –من خلال الرجل اللى واقف قصاد الراجل اللى واقف وراء عمر سليمان –أنه تخلى عن الحكم وأنه كلف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد
السؤال هنا هل هذا الكلام كله على بعضه موجود فى الدستور أصلا ؟
الإجابة لا وإطلاقا ألبتة
يعنى الدستور ليس فيه تخلى ولا فيه تكليف مما يفيد أن المجلس الأعلى تولى الحكم بمخالفة واضحة صريحة ناصعة ساطعة للدستور ـ يبقى بذمتكم لماذا يصمم المجلس الاعلى على دستور يخالفه تماما بل ويدير شئون البلاد دون الاستناد على أى حرف فى أى مادة من هذا الدستور ،
إذن وجود المجلس الاعلى غير دستورى !
ونحن نريد وبقوة وبشدة وجود المجلس الاعلى الآن –أو إلى حين معلوم - يبقى يغور الدستور لكن المدهش أن المجلس الأعلى الذى يحكمنا بمخالفة للدستور يصر على ألا يغور الدستور بل ويريد تعديله!
ثم المشكلة الثانية هى إذا قال المصريون نعم فى الاستفتاء فمعنى ذلك عودة الدستور بتعديلاته الجديدة –خد بالك من اللى جاية دى والنبى – فمعنى ذلك أن المجلس الأعلى المفروض يمشى حالا ويترك إدارة شئون البلاد لرئيس المحكمة الدستورية العليا لأن الدستور مفيهوش أعلى بس فيه عليا، ليس فى الدستور أى مادة فيه تسمح ببقاء الجيش فى حكم مصر بل ينص على تولى رئيس المحكة الدستورية الحكم حال فراغ منصب رئيس الجمهورية !
لم أناقش حتى الآن جوهر هذه التعديلات ولن أناقشها فهى ترقيع لدستور صار من فرط الترقيع أشبه ببدلة أنور وجدى فى فيلم دهب ، لكن سأتوقف عند التخوف من الاخوان وهم قد بشرونا بثقة مثيرة للاعجاب وللتعجب من أنهم يسعون إلى خمسة وثلاثين فى المائة من مقاعد البرلمان طبقا لتصريح دكتور عصام العريان بينما رفع المهندس خيرت الشاطر –حمدا لله على سلامتك ياباشمهندس - إلى أربعين فى المائة من مقاعد نفس البرلمان على أساس أن هذا سيبث الطمأنيينة فى قلوب الواجلين الجائلين فى المنتديات والمؤتمرات والساحات السياسية رغم أن النسبة التى وعدنا بها قيادتا الإخوان تعنى ببساطة أنهم سيحكمون مصر ويشكلون الحكومة القادمة لأنها ستكون النسبة الغالبة أمام تفتت وتضعضع الأحزاب والتيارات الأخرى !
لكن وإيه يعنى ؟ طالما هذه ستكون إرادة الأمة –لو حصلت- وطالما بإنتخابات حرة نزيهة –وستحصل بإذن الله- فلابد أن نحترم الديمقراطية ، خصوصا أن تأجيل الانتخابات البرلمانية شهرين ثلاثة أو أربعة خمسة لن يغير كثيرا من الواقع ،
يجب ان نلتفت هنا لأمرين الأول أن الذى يخشى الاخوان يجب أن يحاربهم سياسيا ويواجههم شعبيا وينظم نفسه ويكشف أفكارهم ويكسر حلقتهم بالعمل اليومى والجماهيرى المنظم والمجتهد (والمجهد)لا أن يجلس يندب حظه ويسعى لتأجيل أو حتى تعطيل الانتخابات كأنه ينتظر معجزة من السماء او زلزلا من اليابان!
الأمر الثانى أن الاخوان يبالغون جدا فى حجمهم وفى قدراتهم وتتبدى لديهم حالة من الثقة المغرورة حيث ينسون أن الواقع تغير وتبدل ولم يعودوا هم الضحية التى يتعاطف معها الشعب فى مواجهة ظالميهم بل صاروا يثيرون القلق والتوجس عند قطاعات عريضة ، ثم لم يعودوا الفصيل الوحيد الذى ينافس الحزب الحاكم فيحصل على تصويت النكاية فى الوطنى وفساده ، ثم لم يعودوا هم الذين يلعبون وحدهم بل يلاعبهم ويلعب معهم آخرون ..والآخرون هنا ليسوا الأحزاب أو التيارات السياسية بل فصائل التيار الدينى فنحن أمام ظاهرة مزعجة فعلا هى حزبنة الدين فنحن أمام حزب للسلفيين الذين كانوا يرتعبون من السياسية ويحرمون الكلام فيها وينامون على حجر مباحث أمن الدولة فصاروا بقدرة الله سياسيين بين صلاتى ظهر وعصر ! وحزب للداعية عمرو خالد الذى كان يفخر بأنه لا يفهم فى السياسة ولا يتحدث فيها ولا يقترب منها فإذا به ينتقل من خشبة مسرح مؤتمر دعم مرشح الحزب الوطنى فى الاسكندرية الى مرشح رئاسى وزعيم حزب كدهه إذ فجأة وعلى حين غرة أو هرة من الدهر ثم حزب آخر يجلجل به عبود الزمر (الذى عاملته غباءات تليفزيونات رجال الأعمال كأنه نيلسون مانديلا دليلا على الجهل المزرى لمحطات التليفزيون الخاصة والعامة او ربما التواطؤ الله أعلم ) حيث يصرح الرجل بعد غياب ثلاثين عاما فى السجن (منهم عشرة أعوام ظلم فاجر من النظام السابق حيث منع الرجل حقه فى الإفراج الطبيعى ) أن الجماعة الإسلامية والجهاد الإسلامى سينافسان على ثلاثين فى المائة من مقاعد البرلمان (لا أعرف سر هذه النسبة التى يتنازعها الاخوان والجماعة الاسلامية ) ثم ها هو حزب للصوفيين هؤلاء الذين مزقوا بعضا فى صراعهم على كرسى المشيخة ثم كانوا يهللون لمبارك ونجله كأنه من آل البيت !
هل نسيت حزبا ؟
بل نسيت حزبين لكن ليس مهما فالمهم أن الاخوان سيجدون منافسين كثيرين لهم على "قال الله وقال الرسول" والاسلام هو الحل فسيكون اسلام بديع هو الحل أم إسلام محمد حسان أم إسلام عمرو خالد أم إسلام عبود وناجح!

سأقول لا للتعديلات الدستورية ليس خوفا ولاتوجسا من الاخوان فهم لا يخيفون ولا يجب أن يخيفوا فازوا أو فشلوا ، غلبوا أو تراجعوا ، لكننى أقول لا للتعديلات لأن ثورة خمسة وعشرين يناير لاتقبل ولا يجب ان تقبل أنصاف الحلول ولا الحد الأدنى ولا الإصلاح التدريجى ولا الدستور حتة حتة ولا تلك النغمة البغيضة الثقيلة الرخمة بتاعة واحنا كنا نحلم بهذه التعديلات !
هذه التعديلات كانت على أيام الطغيان
أما الآن فلا يجب أن نرضى بالترميم ولا بالترتيش
بل كل ما نريده الآن وحالا !

السبت، 19 مارس 2011

موجز قبيل الاستفتاء - أيمن زعقوق

اكتب هذه السطور قبل أقل من ساعتين على فتح باب الاستفتاء على التعديلات المقترحة في دستور 71، وبعد أيام من القراءة و الاستماع الكثيفين. اكتب كمواطن غير متخصص في الشؤون السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو التاريخية، اكتب كشخص عادي شاهد وسمع في الإعلام، و لاحظ في المجتمع. بعد التفكير و الاستخارة قررت أن أختار خانة "غير موافق"...سأقول "لا" بشكل قاطع و نهائي. ولقد وددت أن اعرض مبررات هذا الاختيار علّ ذلك يساعد البعض في حسم موقفهم رفضا أو تأييدا. 

 أولا: الخوف ليس من استعداد الإخوان المسلمين لخوض الانتخابات أكثر من باقي القوى السياسية. فالإخوان – رغم رفضي لتوجهاتهم و أساليبهم النفعية – دفعوا ثمنا باهظا على مدار ثمانين عاما من الممارسة السياسية المحترفة و الصلبة، لتكوين تربة جماهيرية خصبة تمكنهم من قطف ثمرة الديمقراطية حال نضوجها. فهم إذن يحصلون حقهم الذي عملوا له بكد و اجتهاد ولا يغتصبون حقوق القوى السياسية الأخرى التي تنازلت – مختارةً غالبا و مجبرة نادرا – عن هذه الحقوق في صفقات رخيصة تلبي المطامع الفردية لرؤوس هذه القوى و تجمل صورة النظام المستبد، فخانت أتباعها و فقدت مصداقيتها. ثم إن تأجيل الانتخابات البرلمانية كما سيعطي للقوى الليبرالية فرصة لتنظيم صفوفها و بلورة اتجاهاتها؛ سيمنح التيارات الدينية الأكثر تشددا فرصة هي الأخرى لتكوين أحزاب متطرفة سيكون لها بلا شك تواجد اكبر مما هو متوقع إذا ما أجريت الانتخابات البرلمانية في المدى القريب.

 ثانيا: أرفض التعديلات بسبب وجود عناصر من الحزب الوطني كانوا أعضاءً سابقين في برلمانات التزوير، لا يزالون يتمتعون بشعبية حقيقية بين مواطني دوائرهم، بنوها – كذبا – بميزانية دافعي الضرائب التي استخدموها بغير حق في تقديم خدمات تافهة و قصيرة الأمد لدوائرهم. واستغلوا حاجة المواطن و فقره ومعاناته وعدم قدرته على التمييز بين وظيفة عضو المجلس المحلي و وظيفة نائب البرلمان الذي يفترض أن يراقب أداء الحكومة و يحاسبها و يسن التشريعات ويعمل لصالح الوطن ككل. هؤلاء "الحزب-وطنيون" قادرون على خوض الانتخابات التشريعية و الفوز بمقاعدهم مرة أخرى في البرلمان. و الرد القائل بأنهم – إن نجحوا – سيكونون قلة لا وزن لها مردود عليه بأنهم قد يكونون قليلين عدديا في البرلمان القادم، لكننا يجب ألا ننسى أن لهم أعوانا كثرا في المحليات و في الجهاز الإداري للدولة سيساعدونهم في تلميع صورهم و ترميم القاعدة الشعبية لكيانهم السياسي الذي سيبزغ مجددا بالتأكيد تحت اسم غير "الحزب الوطني الديمقراطي"، وهذه الميزة يفتقدها باقي ممثلو القوى السياسية، مما يعطيهم الفرصة لزيادة عددهم في البرلمانات اللاحقة.

 ثالثا: أرفض التعديلات الدستورية بسبب نقص الوعي السياسي عند الكثيرين. فلا يختلف اثنان أن عموم الشعب المصري تعرض لعملية "تجهيل" متعمد طيلة العقود المنصرمة، الهدف منها كان وأد أي وعي سياسي يمكن أن يشكل تهديدا للنظام، وهي العملية التي نجحت إلى حد كبير في خلق قطاع من المواطنين "جاهل" و "سطحي" يسمع أكثر مما يقرأ، وفي الحالتين لا يستطيع نقد ما يتلقاه، وبالتالي يتخذ قراره رفضا أو تأييدا لموقف شخصية عامة أو مجموعة سياسية (مثلا من يؤيدون لأن الإخوان أيدوا، و على النقيض من يرفضون لأن الإخوان أيدوا أيضا!!)؛ بل إن هذا المواطن قد يتنصل من مسؤوليته برفض المشاركة من الأصل. لذلك فإن مزيدا من الوقت يلزم "لإعادة تأهيل الجماهير" و تدريبها على اتخاذ القرار، وهو ما أظن انه بدأ بالفعل في خطوة الاستفتاء على التعديلات الدستورية. فإجراء الانتخابات البرلمانية المتعجلة سيتم على أساس من الاختيار الحر الديمقراطي الخاطئ!!، بالتالي سينتج برلمانا مشوها و مشوشا لا يؤدي المهام المنوطة به في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الوطن. و يكفي للتدليل على ذلك أن شخصا كأحمد فتحي سرور الذي هو أحد أعمدة النظام الدكتاتوري السابق لا يزال أقوى المرشحين للنجاح في دائرته التاريخية "السيدة زينب" (والتي أقطن بها بالمناسبة) نظرا لشعبيته و علاقاته الوثيقة بكبار التجار و رجال الحي الذين يطوق رقابهم جميعا بخدماته و مساعداته و توصياته! أضف إلى ذلك أن أهالي الدائرة حتى الآن لا يرون من هو أجدر منه بتمثيلهم داخل البرلمان، كما يرون انه أعطى "تفوقا و زعامة" نسبية لدائرتهم على باقي دوائر البرلمان بترؤسه البرلمان لأطول فترة في تاريخه.

 رابعا: أرفض التعديلات الدستورية حتى لا يتولى أمرنا رئيس بسلطات دستور 71 الإلهية، والتي تكسبه القدرة على ممارسة الضغوط على البرلمان و بالتالي على اللجنة التأسيسية للدستور، وقد يرد البعض على هذه النقطة بما يلي:
1. إن اللجنة التأسيسية لوضع دستور جديد ستكون قد شُكِلتْ قبل انتخاب الرئيس، و هو قول مردود عليه بأنها ستكون قد شُكِلتْ لكنها لن تكون قد أنهت عملها؛ وكما هو معلوم فإن للرئيس – وفقا لدستور 71 – سلطة حل البرلمان و الدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة، وهو ما يدفعنا للتساؤل: ماذا لو استخدم الرئيس هذه الصلاحية إذا لم توافق مسودة الدستور الجديد هواه؟ و ما هو وضع اللجنة التأسيسية التي شكلها المجلس المنحل؟ وكما يقول المثل الشعبي "أدور على ابني ليه و هو على حِجْرِي؟!"
2. الرئيس الجديد سيأخذ في حسبانه الرقابة الشعبية، و ميدان التحرير موجود، وهو قول مردود عليه بأن خداع الجماهير و إفزاعها بدعاوى الفوضى و الانهيار الاقتصادي سيساعد الجالس على الكرسي في تمرير طلباته و تعديل الدستور الجديد وفقا لأطماعه بحجة أن مصر دولة مركزية وتحتاج في الفترة الراهنة إلى رئيس قوي أكثر من احتياجها لنظام برلماني قوي. أضف إلى ذلك أن هذه الحجة كارثية إن وقعت فعلا، فالاقتصاد المصري لن يتحمل أسبوعين آخرين في ميدان التحرير على غرار ما جرى من 25 يناير إلى 11 فبراير 2011، أضف إلى ذلك أن اغلب الشعب المصري لن يرحب بتعطيل الحياة و فقدان الأمن كما حدث، وبالتالي لن تكون رقابة ميدان التحرير على الرئيس مدعومة شعبيا، وهو ما يعطي للرئيس الجديد تفوقا على الشعب.
3. الرئيس الجديد سينتخب وفقا لاختيار حر نزيه، وسيكون شخصية محترمة يثق الشعب في زهدها في المنصب و صلاحياته، وبالتالي لن يقف عائقا أمام إرادة المصريين و حريتهم. و هذا القول مردود عليه بأنه إذا لم يكن لمرشح الرئاسة أطماع في المنصب فلم رشح نفسه من الأساس؟ ثم إننا يجب ألا ننسى كيف يغير كرسي الحكم و صلاحياته الواسعة الشخص الجالس فوقه، ولن تجد دكتاتورا واحدا لم يبدأ حكمه بقوله إنه "خادم للأمة يحكم لفترة وجيزة ولن يرشح نفسه لمدد أخرى و أن الكفن مالوش جيوب!!" و لا أدل على ذلك مما قاله شخص محترم مثل "محمد البرادعي" بأن السلطات المطلقة في دستور 71 كفيلة أن تحول أي رئيس إلى دكتاتور و إن كان ملاكا! فلماذا إذن يضع المصريون مصيرهم طواعية "تحت ضرس" أي شخص وهو في أيديهم؟

 خامسا: أرفض التعديلات الدستورية لأن في رفضها استقرار اقتصادي و أمني أسرع. فالبدء في وضع دستور جديد دون تأخير يأتي بحكومة وبرلمان مستقرين يطمئن إليهما رأس المال خير من وجود برلمان مؤقت و رئيس مؤقت و حكومة مؤقتة لا يدرك المستثمر إن كان تغييرها سيغير اتجاه الدولة نحو استثماراته و مشاريعه. كما أن بناء نظام ديمقراطي مستقر يضمن حرية التعبير و تداول السلطة والعدالة الاجتماعية سيقلل الاحتقان المجتمعي و بالتالي سيقلل العنف بكل أشكاله.

 سادسا: ليس صحيحا أن "نعم" ستمنع استبعاد المادة الثانية من الدستور كما يردد المستغلون ومن ورائهم التافهون من أتباع التيارات الدينية التي تتلاعب بعواطف الناس و معتقداتهم، فتغيير الدستور قادم لا محالة إن قلنا نعم و إن قلنا لا، و المجتمع لابد سيتعرض لهذا الجدل الآن أو بعد حين لأن التعديلات الدستورية محل الجدال تلزم البرلمان المنتخب بوضع دستور جديد، وهو أمر لا خيار فيه. لذلك لابد من مواجهة هذا الجدل بالحكمة و الحجة والإقناع دون خوف أو تردد أو تأجيل كما كان يفعل النظام السابق بتجاهل المشكلات الملحة ودفن الرؤوس في الرمال.

 سابعا: سأقول لا للتعديلات الدستورية و أنا اعلم أن الجيش لن يستمر في حكم مصر لأن العالم كله يرفض حكم العسكر، كما أن ظروف ثورة يناير مختلفة عن ظروف ثورة يوليو. وإذا استعجل الجيش العودة إلى ثكناته فليسلم السلطة لمجلس رئاسي مدني يطمئن له عموم الشعب.

لكل ذلك قررت أن اختار "لا أوافق" على التعديلات الدستورية.

الجمعة، 18 مارس 2011

الخائفون من الديمقراطية - طارق البشري


ما أشبه اليوم بالبارحة، واليوم هو شهر مارس سنة 2011، والبارحة هى شهر مارس سنة 1954، والفرق بينهما سبعة وخمسون عاما قضيناها جميعها فى ظل حكم دستورى فردى، كان وطنيا يرعى المصلحة الشعبية فى ثلثه الأول، وصار لا يرعى مصالح الوطن ولا المواطنين فى ثلثيه الأخيرين.

أما البارحة، فقد كنا وقتها فى عهد السنوات الأولى لثورة 23 يوليه 1952، طُرِد الملك فاروق بعد خلعه، وتولى الجيش السلطة السياسية، وأعلنت الجمهورية، وقُضِى على الطبقة الحاكمة السابقة، قضى على ما سمى بالإقطاع الزراعى، وألغيت الأحزاب السياسية وألغى دستور 1923، وقام بحكم مصر «مجلس قيادة الثورة» بحسبانه يجمع السلطة كلها بغير برلمان ولا دستور، وبإعلان دستورى مختصر، وأن الفترة الانتقالية تستمر ثلاث سنوات تنتهى أول سنة 1956، عظم الضغط الشعبى على مجلس قيادة الثورة من خارج الجيش ومن داخل وحداته وأسلحته، يطالبون رغم تأييدهم إلغاء الملكية والقضاء على الإقطاع ــ يطالبون بإقامة نظام دستورى وعودة البرلمان وعودة الحياة الحزبية وإلغاء حالة الطوارئ (كانت تسمى حالة الأحكام العرفية). وخضعت قيادة ثورة 23 يوليو لهذه المطالب، فأعلن مجلس قيادة الثورة فى 5 مارس 1954 أنه سيلغى حالة الطوارئ وسيشكل جمعية تأسيسية لإعداد الدستور وسيلغى الرقابة على الصحافة والنشر، ثم فى 25 مارس قرر مجلس قيادة الثورة حل نفسه والسماح بقيام الأحزاب وانتخاب جمعية تأسيسية وذلك كله فى 24 يوليه سنة 1954. وبدا بهذا أن الوجه الديمقراطى لثورة 23 يوليو قد غلب وجهها الآخر وأن الأسلوب الديمقراطى والأهداف الوطنية والشعبية انتصرت على الأسلوب الآخر.

ولكن فاجأت هذه القرارات الديمقراطية الكثيرين، وقالوا إن هذه القرارات الخاصة بالحريات العامة وبصياغة نظام الحكم على أسس حزبية برلمانية منتخبة من الشعب، قالوا إن ذلك من شأنه أن يعيد العهد الماضى البغيض، وأن يعيد حكم الباشوات السابق، وأبدوا الهلع والفزع من عودة طبقة حاكمة كانت هُزمت فعلا وأطيح بها من مقاعد الحكم ومن نظام اجتماعى كانت تقوّضت قوائمه، وأبدى المنتصرون الهلع والفزع من المهزومين. وبدأت موجة من المظاهرات والإضرابات تطالب بعودة مجلس قيادة الثورة. يصف المؤرخ عبدالرحمن الرافعى ذلك: «وأضرب عمال النقل احتجاجا على عودة الأحزاب المنحلة، وقررت نقابتهم استمرار مجلس قيادة الثورة فى مباشرة سلطاته وعدم الدخول فى معارك انتخابية حتى جلاء المستعمر، فتوقفت القطارات ووسائل النقل فى البلاد، وبلغ عدد العمال المضربين مليون عامل» (كان تعداد مصر وقتها نحو 24 مليون نسمة) وقيل وقتها إن مظاهرات سارت تهتف بسقوط النظام الحزبى والديمقراطية.


وبهذا الضغط من الخائفين من الديمقراطية يذكر أيضا عبدالرحمن الرافعى: «رأوا أن الثورة مهددة بالانحلال إذا نفذت قرارات، 5 و25 مارس، وأن البلاد ستعود إلى الفوضى وإلى نفس الأحزاب المنحلة، فأصدروا قرارات اجماعية بإلغاء قرارات 5 و25 مارس، وشفعوا ذلك بالاعتصام حتى تلغى هذه القرارات. «وحملوا مجلس قيادة الثورة مسئولية ما يقع من حوادث إذا لم تجب مطالبهم».


●●●


تحدد فى هذه الأيام القليلة من شهر مارس 1954 نظام الحكم المصرى لسبع وخمسين سنة تلت. وكان وجه العجب فى هذا الموقف أن جماهير من الشعب المصرى فزعوا من عودة الديمقراطية والبرلمانية وكأنهم سيواجهون بذلك خطرا مهددا ومعضلة كبيرة، وأنهم فارقوا بين الثورة والديمقراطية الانتخابية وكأنهما ضدان لا يلتقيان، وكانوا غير واثقين من أنفسهم إزاء نظام حكم وإدارة يبشرهم بأنهم هم من سيملكون اتخاذ القرارات فيه وتكون لهم الهيمنة، والأخطر من ذلك والأشد مدعاة للعجب أنهم خافوا ممن هزموهم وأقصوهم عن الحكم وعن السيطرة الاجتماعية الاقتصادية. وصار أمامنا السؤال: كيف يخاف الإنسان ممن هزمه، وإذا كان الإنسان خائفا من خصم فكيف تقدم وهزمه وأجبره على ترك مكانه، وإذا كان هزمه وأقصاه فكيف يخاف منه من بعدُ، بعدَ أن فقد القدر الأكبر من قوته بترك السلطة ووسائطها فى القمع والترويع، وكيف يخاف الإنسان من الشبح أكثر مما يخاف من الواقع، وهل يخاف الإنسان من فلول جيش منهزم بأكثر مما نخاف من الجيش وهو بكامل عدته.

مازلت أذكر رسما كاريكاتوريا رسمه فى ذلك الزمان الرسام «عبدالسميع» بمجلة روزاليوسف. رسم أسدا داخل قفص من قضبان حديدية، وباب القفص مفتوح وفى خارجه يقف الحارس خائفا. والأسد يجلس داخل القفص المفتوح ويقول للحارس ما معناه: «أغلق الباب لأنه يدخل تيار هواء يؤذينى» وهذا بالضبط ما كان يعبر عن تناقض المواقف وقتها، والذى يفسر عدم الثقة أو فقدان الثقة فى الذات وإرادتها الجماعية الحرة وما يتاح لها من خيارات، وتركن إلى الاعتماد على الانسياق الجبرى، الحرية هى الصقيع والانسياق هو الدفء.

وهناك من «الديمقراطيين» من اعتاد على موقف المواجهة مع الحكام المستبدين مطالبا بالديمقراطية ورافضا الاستبداد، ولكنه اعتاد على موقف المطالبة، فإذا صار فى وضع التمكن من الممارسة الديمقراطية، فزع من الذات وعمل على أن يعود إلى وضعه الأول، وضع وجود الاستبداد وبقائه هو فى موقف المطالبة والاعتراض والتحدى.


●●●


عندما انتهى شهر مارس 1954، كانت مصر قد عادت إلى نظام سياسى غير حزبى وغير ديمقراطى، وبقيت فى هذا النظام طوال عهود لثلاثة حكام، ولم تبد فرجة للخروج من هذا النظام إلا أخيرا جدا فى 25 يناير 2011، أى لم تتح للمصريين فرصة جادة وحقيقية للخروج من النظام الفردى الاستبدادى إلا بعد سبع وخمسين سنة، بمعنى أن أحداث مارس 1954 حكمت نظام الحكم فى مصر طوال هذا الزمن الطويل. وأنا هنا أشير إلى مدى الجسامة والخطورة للحدث الذى نحياه الآن وما يطرح من بدائل.

وأبادر بالتنويه أننى بهذا الحديث الذى سقته آنفا، لا أقصد الحديث عن نظام الرئيس جمال عبدالناصر رحمه الله وأجزل له المثوبة على ما قدمه لبلده ووطنه، لا أقصده لسببين: أولهما: أن فترة الثمانية عشر عاما التى تمثل عهد عبدالناصر من 1952 إلى 1970، هى أكثر فترة تمتعت فيها مصر باستقلالها السياسى فى القرن العشرين، ومارست موجبات هذا الاستقلال، حفاظا على أمنها القومى وبناء أسس نظام داخلى يرعى المصالح العليا للشعب المصرى ويكفل تنمية موارده والعدالة الاجتماعية. وثانيهما: أن ثورة عبدالناصر كانت وعدت بالاستقلال الوطنى وإجلاء المحتل الإنجليزى عن مصر ووفت بهذا الوعد، وكانت وعدت بالعدالة الاجتماعية ووفت بعهدها أيضا، ووعدت بحفظ الأمن المصرى القومى وجهدت بصدق وأمانة فى الوفاء به فى مواجهة ظروف دولية شديدة الصعوبة. ولم يكن وعدها الأساسى يتعلق بالنظام الحزبى البرلمانى الانتخابى.

ولكننا من تجربة مارس 1954 نظن أنه لو كان تحقق النظام الديمقراطى بمؤسساته الانتخابية مع وطنية نظام عبدالناصر وسعيه لبناء مصر بسياسات التنمية المستقلة والعدالة الاجتماعية وحفظ الأمن القومى، لكان أمكن لمصر بعد عبدالناصر أن تحفظ منجزات عهده. إنما ما آلت إليه أوضاع الحكم غير الديمقراطى فى ترسيخ سلطة الفرد الحاكم، هى ذاتها ما انتكست به كل منجزات الفترة الناصرية، فى عهدى أنور السادات وحسنى مبارك، اللذين عارضاه وخالفاه فى كل سياساته الوطنية والاجتماعية، فلم يوافقاه إلا فى نظام الحكم الفردى الاستبدادى، واستخدما سلطات هذا النظام الفردى فى تقويض كل ما شيدت مصر فى العهد الناصرى وفى عهد ثورة 1919 السابق عليه وكان مارس 1954 هو شهر الحسم بين نظام ديمقراطى انتخابى ونظام فردى.


●●●


واليوم فى مارس 2011، تسنح فرصة البناء الديمقراطى الدستورى بثورة 25 يناير، وهى ثورة لم تطرح أى هدف سياسى آخر لها فى المجالات الوطنية والاجتماعية، إنما طرحت هدفا سياسيا تنظيميا بحتا هو تحقيق النظام الديمقراطى، بشقيه الحزبى والانتخابى وتشكيل المؤسسات الدستورية الجماعية الانتخابية التى لا تتيح فرصة لظهور حكم فردى من بعد ــ إن شاء الله سبحانه ــ ومن ثم يكون ضياع هذا الهدف أو عدم تحققه هو إفشال كامل للفعل الثورى القائم.

وفى هذا الظرف نجد فى التو واللحظة فريقا من أهل مصر، المثقفين والساسة والإعلاميين، يثيرون ذات المخاوف من الديمقراطية التى ظهرت سنة 1954، ويقولون إن انتخابات فى عدة شهور قليلة من شأنها أن تفكك الثورة وأن تعيد الحزب الوطنى الحاكم السابق، وهو الحزب المهزوم بفعل ثورة لا تزال قائمة، وإن ممارسة الديمقراطية «المبكرة» من شأنها أن تفكك احتمالات البناء الديمقراطى، غير مدركين فيما يبدو ما فى هذا القول من تناقض، فلو كانت جماهير الثورة الحاصلة تخاف من الحزب الوطنى الحاكم فيما سبق، فَلِمَ قامت الثورة تتحداه؟ ومادامت هزمته فكيف تخاف من بقاياه؟


وهم يطالبون أن تطول فترة حكم مصر بغير انتخابات تشريعية، وأن تبقى محكومة إما بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى أعلن عن تحديده لمدة حكمه بالشهور والمهام المحددة أو بمجلس رئاسى لم نعرف من يقترحون أن يكون المعيِّن لهم، أو بانتخابات رئيس جمهورية لايزال مجهولا لدينا جميعا حتى الآن، ويكون انتخابه قبل كل مؤسسات الدولة التشريعية بمثابة توليه لسلطة مطلقة تجمع السلطتين التنفيذية والتشريعية بغير وجود كيان موازٍ له يحد من سلطته. ويبقى كذلك حتى تتكون المجالس التشريعية بالانتخاب، وهؤلاء المطالبون بطول مدة الحكم الفردى، يقولون ببقائها حتى تنشأ الأحزاب الجديدة وتنمو وتستعد لملء الفراغ السياسى، وكأن الحاكم الفردى المطلق المشيئة سيكون بالنسبة للأحزاب الوليدة كالأب الحنون على أولاده الصغار، فيرعاهم ويصبر عليهم وعلى تنميتهم ليقطعوا أجزاء من سلطته ويحدوا نفوذه المطلق، أى يكون حاكما يتعهد منافسيه ومقيديه بالرعاية حتى ينافسوه جيدا.

إن كل ما نصنعه الآن هو تكوين مؤسسات ديمقراطية لهذه الفترة الانتقالية المحددة لنضع من خلالها دستورا ديمقراطيا جديدا. لأن الفترة الانتقالية إن كانت مبنية على أسس نظام استبدادى أو فردى فلن تنتج إلا نظاما جديدا استبداديا وفرديا، أما إن توافر فيها عنصر الاختيار الإجماعى الحر والعمل الجماعى المشترك الممثل لجماهير الشعب، فالغالب إن شاء الله أن تنتج مثيلا لها فى الجوهر فى هيئة دستور جديد.

ثورة ناجحة استطاعت أن تجمع بعملها السلمى الثورى أكثر من عشرة ملايين مواطن فى يوم واحد بمدن مصر العديدة، وأن يبقى نفسها التجمعيى هذا أياما وأياما حتى أسقطت رءوس النظام السياسى القابض على السلطة وحتى نحقق النقل المؤقت للسلطة لإنشاء سلطة جديدة. هذه الثورة بجمهورها كيف تخاف ولا تطمئن إلى نتيجة انتخابات تجرى وهى فى عز زخمها وحركيتها الجماهرية الواسعة.

إلى من يخافون من الديمقراطية الانتخابية، أذكر لهم قول أبى العلاء المعرى:

فيا عجبا من مقالاتهم أيعمى عن الحق هذا البشر

والحمد لله

العربة والحصان والتعديلات الدستورية - أحمد يوسف أحمد


ها نحن مدعوون إذن بعد يومين فقط للمشاركة فى وضع العربة أمام الحصان، فماذا ترانا فاعلون؟ لقد اشتعلت الساحة السياسية المصرية منذ خرجت التعديلات الدستورية إلى النور بجدل سياسى واسع حول جدواها. يسوق أنصار هذه التعديلات حججا عديدة يأتى فى مقدمتها أن إقرار التعديلات يمكننا من المضى قدما فى بناء مؤسسات دولة ما بعد الثورة، وكذلك نظامها السياسى، ناهيك عن أن تعديل دستور 1971 لا يصادر على إمكانية صياغة دستور جديد بعد اتخاذ الإجراءات المناسبة.

أما حجة المعارضين للتعديلات الخاصة بأن قوى المعارضة تحتاج وقتا للاستعداد للانتخابات فإن أنصار التعديلات وأهم فصيل فيهم هم الإخوان المسلمون يردون بأنه ليس ذنبهم أنهم مستعدون للانتخابات بينما غيرهم ليس مستعدا، وعموما «يطمئننا» الإخوان بأنهم لن يسعوا للحصول على أغلبية برلمانية أو للمنافسة على منصب الرئاسة، وسوف نعود إلى هذه النقطة لاحقا. وأخيرا وليس آخرا فإن أنصار التعديلات الدستورية يرون أن الاستفتاء عليها هو الإجراء الوحيد المتفق مع خارطة الطريق التى وضعها المجلس الأعلى للقوات المسلحة على ضوء ظروفه، ذلك أن الاضطلاع بالمسئوليات الداخلية الراهنة فى مصر من حفظ للأمن ومواجهة أى خروقات تحدث فيه يباعد بين القوات المسلحة وبين دورها فى حماية الأمن المصرى من الأخطار الخارجية التى تتعاظم يوما بعد يوم.

والمشكلة أن كافة الحجج السابقة مردودة، ومع أننى لست خبيرا بشئون القانون الدستورى إلا أننى أعلم أن رأيى فى مسألة التعديلات الدستورية يتفق مع اتجاه قوى لدى أساتذة القانون الدستورى. والواقع أن قضية التعديلات الدستورية غير ذات موضوع أصلا، فقد سقط دستور 1971 بمجرد «تخلى» الرئيس السابق عن الحكم، ولو كان لهذا الدستور وجود لما كان المجلس العسكرى الأعلى قد تولى إدارة شئون البلاد، لأن دستور 1971 يجعل الرئاسة فى هذا الصدد لرئيس مجلس الشعب الذى حله المجلس العسكرى مع شقيقه مجلس الشورى، لأن الكافة تدرك أنهما بنيا على تزوير فادح. ولو كان دستور 1971 قائما لظللنا ننتقل من أزمة دستورية لأخرى بسبب تقوض كافة مؤسسات النظام، وأعلم بطبيعة الحال أن من رجال القانون الدستورى من يرى أن السقوط يجب أن يكون صريحا (صدور إعلان دستورى ينص على ذلك مثلا) لكننى كمحلل سياسى أعلم أيضا أن ثورة 25يناير قد نقلت مصر من حال إلى حال يختلف جذريا، مما يتطلب شرعية دستورية جديدة تماما، فإذا قيل إن التعديلات لا تصادر على وضع دستور جديد للبلاد لاحقا كان التعليق الفورى: لماذا نضيع الوقت المحدود الذى نملكه إذن فى استفتاء على تعديلات دستورية؟ أو ليس الأفضل أن نتجه إلى الهدف الرئيسى مباشرة وهو وضع دستور جديد للبلاد كما فعلت تونس؟

لا يهمنى فى الإطار السابق الاستعداد للانتخابات من عدمه إلا من منظور محدد سأعود إليه لاحقا، لأنه من حق الإخوان المسلمين ــ الذين لم يتوقف سعيهم يوما طيلة ثمانين عاما لتعزيز جماعتهم وترسيخها على الرغم من الظروف القاسية التى أحاطت بهم ــ أن يحصدوا ثمرة سعيهم هذا حتى ولو سيطروا على كافة الانتخابات القادمة بشرط الالتزام بمقومات المجتمع المصرى. لكننى أدعو المتحدثين باسمهم إلى التوقف فورا عن نغمة التعالى التى ستضر بهم ضررا بالغا: نحن لا نسعى لتحقيق أغلبية برلمانية أو للمنافسة على منصب الرئيس، وسوف نكتفى بالترشح فى 35% من الدوائر (تقل هذه النسبة فى روايات وتزيد فى روايات أخرى)، ويعنى ما سبق أنهم يستطيعون أن يهيمنوا على كل شيء، لكنهم مع ذلك سوف يتركون «نصيب الأسد» لتلك القوى المفزوعة من سيناريو سيطرة الإخوان على الحكم فى مصر. والواقع أن أى مبتدئ فى التحليل السياسى يعلم أن للإخوان المسلمين أنصارا بطبيعة الحال فى الـ65% المتبقية من الدوائر (إذا اكتفوا بالترشح فى 35% من الدوائر)، والسلوك الانتخابى المتوقع لهؤلاء الأنصار لابد وأن يكون مرتبطا بما تريده قيادة جماعة الإخوان، ومن هنا يمكن أن تتحقق للإخوان أغلبية برلمانية من مرشحيها الفعليين الفائزين فى الانتخابات وأولئك الذين حظوا بثقة قيادة الإخوان المسلمين، وإن تحركوا فى الانتخابات بغير شعارات الإخوان. كذلك يمكن لمرشح الرئاسة أن يفوز بأصوات الإخوان ويصبح مدينا لهم.

غير أن المطلب المشروع فى الانتخابات القادمة يتعلق بتلك القوى الهائلة عدديا التى تشير مؤشرات كثيرة إلى نيتها الإقبال على الاستفتاء بكثافة تثبت أننا إزاء مصر جديدة فعلا، ولنا أن نعرف أنه إذا كانت الأرقام الرسمية تفيد بأن نسب المشاركة فى الاستفتاءات السابقة تتجاوز الـ50% فإن حقيقة الأمر أنها كانت لا تتجاوز فى المعتاد 10%، فإذا تصورنا مثلا أن الهيئة الناخبة فى مصر قد بلغ عددها 40مليون فإن هذا يعنى أن أربعة ملايين على الأكثر كانوا يشاركون، وإذا تفاءلنا الآن بما نشهده من حيوية سياسية فى المجتمع يمكن أن ترفع نسبة المشاركة إلى 80% مثلا فإن هذا معناه أن 32مليون مصرى سوف يشاركون فى الاستفتاء القادم وما تليه من خطوات، وهؤلاء يحتاج معظمهم بعد أن ظل بعيدا عن الحياة السياسية فى مصر سنوات أو عقودا إلى حوارات معمقة لقضايا دستورية وسياسية لا يمكن أن تستقيم المشاركة السياسية بدونها. ليس المطلوب إذن من الإخوان المسلمين أن «يتبرعوا» للشعب المصرى بـ65% من الدوائر أو أقل أو أكثر، وإنما أن يعترفوا بأن ثمة وقتا مطلوب كى نعيد تأهيل هذه الكتلة الهائلة من الشعب المصرى للمشاركة الحقة، والتى تتحرق شوقا إلى المشاركة والمعرفة معا كما يبدو من شواهد لا يمكن للعين أن تخطئها، بالإضافة إلى أن ثمة قوى سياسية جديدة دخلت إلى ساحة السياسة المصرية بحيوية فائقة، كالطليعة الشبابية لثورة 25يناير، وهذه من حقها أن يُترك لها مدى زمنى لإعادة تنظيم صفوفها بالطريقة التى تترجم دورها إلى حقائق سياسية وتنظيمية.

تبقى الحجة الخاصة برغبة المجلس الأعلى فى العودة إلى عمله الأصيل، وهى حجة يجب احترامها خاصة وقد كان للقوات المسلحة دورها المقدر فى نجاح الثورة، لكننا لا نملك هنا سوى مناشدة المجلس تمديد الفترة الانتقالية حتى يعود أعضاؤه إلى ثكناتهم وهم راضون عما قدموه للوطن، فلن يجدى كثيرا أن نصل إلى «المحطة» الأخيرة فى الوقت المحدد إذا كانت الانتخابات الرئاسية والبرلمانية سوف تعيد إنتاج أوضاع ما قبل 25يناير لأنه لا جديد فى الساحة السياسية يمكننا من النجاح فى إقامة البناء المؤسسى المطلوب كى نحول ثورة 25يناير من الشرعية السياسية إلى الشرعية المؤسسية المبنية على شرعية دستورية جديدة.

ما العمل إذن إزاء هذه المعضلة الدستورية والسياسية المعقدة؟ خاصة وأن أنصار التعديلات يخيفوننا بأن رفضها سوف يدخلنا فى فراغ دستورى؟ والحقيقة أن الرفض قد يعيدنا إلى المسار السليم، وهو انتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد للبلاد فيما يمكن سد الفراغ الدستورى بإعلان دستورى يصدره المجلس العسكرى الأعلى. ليس أمامنا جميعا إلا أن نشارك وبكثافة: الموافقون والرافضون، فالمشاركة الكثيفة بحد ذاتها بداية جديدة، وسوف نحتاج إليها كثيرا فى الأٍسابيع والشهور القادمة فى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وفى الاستفتاء على الدستور الجديد، ولا يجلسن أحد فى بيته بحجة أنه معترض، لأنه بالمشاركة وتسجيل اعتراضه يمكنه أن يصنع الفارق المطلوب ويوقف الحصان أمام العربة وليس خلفها.

الأربعاء، 16 مارس 2011

لأه.. تى راراراه.. لأه - عمر طاهر


لأن لجنة التعديلات والجيش لا يستمعان للحلول الوسط التى طرحتها القوى المختلفة لتحقيق أفضل مكاسب ممكنة، لأنهما لا يستجيبان لتعديل بعض المواد التى تقابل برفض عام ويضعوننا فى خانة التصويت على التعديلات بالجملة.. سأقول لا.

لأننى لا أثق فى أحد ثقة كاملة إلى النهاية وأريد أن أعرف الآلية التى سأحاكم بها رئيس الجمهورية قبل أن أنتخبه وقبل أن يشرف هو شخصيا على إعداد دستور قد يغفل هذة النقطة أو يصوغها بشكل مطاطى.. سأقول لا.

لأننى أثق أن شرف «خير أجناد الأرض» سيحول بين الجيش وبين أن يتناسى وعده بتسليم السلطة إلى مدنيين إذا ما طال قليلا اشتراكه فى الإشراف على إدارة شؤون البلاد حتى تنهض بشكل سليم.. سأقول لا.. (وإذا كان الجيش قد فعل هذا فى ثورة 52 فلأنه كان يؤمن بأنها ثورته، أما الآن فالكل - وأولهم الجيش- يعلم أنها ثورة الشعب). لأننى أثق تماما أن التصويت بنعم للهروب من مأزق الحديث حول المادة الثانية واتقاء شر الفتنة هو مجرد تأجيل لها، فالفتنة أجدر بأن يتم علاجها الآن لأن تأجيل مواجهتها سيحولها إلى خلايا سرطانية تسرى فى جسد البلد ببطء إلى أن نصحو يوما على كارثة.. سأقول لا.

لأنه من مصلحتى ومن مصلحة الإخوان المسلمين أيضا أن أعرف بوضوح هل ستظل جماعة محظورة أم أنها ستتحول لحزب سياسى؟، ولأننى أريد أن أعرف كيف سيتم تنظيم موضوع الأحزاب وعلاقتها بالأديان.. ساقول لا.

لأننى لا أعرف من هم أعضاء مجلس الشعب القادمين حتى أطمئن لقدرتهم على صياغة الدستور ونحن نعلم جميعا كم حفلت البرلمانات السابقة بالفاسدين والأميين والمتعصبين والترزية والمحتكرين ولاعبى القمار.. سأقول لا.

لأننى لا أريد أن أترك الأمور للمصادفة والحظ والنصيب، لأننى أريد أن أعرف راسى من رجليا قبل أن أخطو خطوة للأمام، لأننى أريد أن أتخلص من فوبيا «ايه اللى يضمن» التى تلتصق بالتعديلات أيا كانت نتيجة التصويت عليها.. طالما كده أو كده «إيه اللى يضمن» يبقى «لا» أحسن ونشوف حل ثالث.

لأننى أؤمن بأن إعلاناً دستورياً مؤقتاً قد يكون أكثر وضوحا وشفافية من تعديلات بلا ضمانات كافية يسهل خرقها أو التحايل عليها أو هدم كل ما بنى عليها بدعوى قضائية من محام مغمور.. ساقول لا. لأننى أعرف أن كلمة نعم تبدو الاختيار الأسهل لكننى أؤمن بأن العالم يخطو للأمام ويرتقى تحت سحر كلمة «لا».. ساقول لا.

لأننى أحلم بدستور عابر للأجيال والانتماءات والرؤساء والبرلمانات يليق بالفكر الذى فرضه الجيل الجديد على شارع السياسة فى مصر مع كامل احترامى لكل الأجيال السابقة، ولأننى أحلم بدستور ثورى يعدنا بالبلد الذى نحلم به بكل دقة، بكل وضوح، بكل جرأة.. سأقول لا.

لأننى لا أفهم كيف يعترف المجلس العسكرى بوجود ثورة مضادة تسرى فى أنحاء البلد ثم نقوم فى هذه الأجواء بانتخاب برلمان ورئيس.. سأقول لا. لأننى أؤمن بأنه فى حالة إجماع الإرادة الشعبية على كلمة «نعم» سأكون أول من يحترم ويبارك اختيارها على أن أبذل أقصى جهد فى دعم إيجابيات هذا الاختيار ومحاربة سلبياته.. سأقول لا.

لأننى مقتنع بنظرية «وجع ساعة ولا كل ساعة» أكثر من نظرية «خسارة قريبة ولا مكسب بعيد».. سأقول لا.

الثلاثاء، 15 مارس 2011

«لَعَم» للتعديلات الدستورية - بلال فضل

إذن فقد أصبحنا الآن نعرف أن الحرية مربكة. جميلة لكنها مربكة، ومحيرة، ومرهقة. هل تذكر كيف كانت تمر علينا الانتخابات والاستفتاءات والانتختاءات يُنسى بعضها بعضا؟، انتخابات لم تكن تحتاج إلى صحفيين لتغطيتها بل إلى نقاد مسرحيين، واستفتاءات كان يليق بها أن تسمى استفساءات، لم نكن نستفتى بل كان يُستفتى بنا، لم نكن ننتخب بل كان يُنتخب لنا، ولذلك لم نكن نشعر أبدا بالحيرة والتوتر والإرباك الذى نشعر به الآن، لأننا نعرف أن صوت كل منا يمكن أن يفرق فى مستقبل هذه البلاد ومستقبله هو وأولاده ومن يحب ومن يكره.

كلنا محتارون، حتى أكثرنا تماسكا وإظهارا لقدرته على التوصل إلى رأى قاطع يعلم أنه محتار بداخله، ومع ذلك فهى حيرة يجب أن نفرح بها، فلا ننسى وسط مناقشاتنا ومداولاتنا وخناقاتنا أننا لأول مرة فى تاريخنا أصبح من حقنا أن نختار، نحن الآن فقط أصبحنا بشراً، ولم نعد سوائم تسير حسب رغبة قائد القطيع، حتى فى أيام العصر الليبرالى الذهبى فى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى كان اختيار الشعب مرهونا برغبة الملك فى بقاء الوزارة أو رحيلها، أما الآن فلن يكون بمقدور أى سلطة مهما كانت أن تفرض علينا اختيارا لا نرغب فيه، فقد دفعنا ثمنا باهظا لحريتنا فى الاختيار ولن نفرط فيها أبدا بإذن الله. لم نعد مجبرين على أن «نلبس» إلى الأبد قائدا ضرورة لو رحل سنضيع من بعده، لدينا مرشحون رئاسيون محترمون سيبذل كل منهم مجهودا ضخما لإقناع الغالبية العظمى من الأصوات بنفسه، لن نعود ثانية ذلك البلد الذى ينجح فيه رئيس بثلاث تسعات فى المائة من أصوات الناخبين، بل إننى أظن أنه لن تعرف بلادنا فى الانتخابات الرئاسية القادمة رئيسا ينجح بأغلبية ساحقة، ربما ينجح بأغلبية مريحة، لكنه سيجد أمامه معارضة قوية تجبره على المشى فوق عجين السلطات دون لخبطة.

حتى فى دوائرنا النيابية لن يكون الأمر سهلا على كل من تعوّد أن ينجح بالتزوير والتقفيل والتسويد، لأننا سنسود عيشته وسنقفلها فى وجهه وسنَطْبق فى زوره، مثلما تعرضنا للموت فى ميادين التحرير سنواجهه أمام أبواب اللجان الانتخابية وداخلها لكى نضمن انتخابات نزيهة يحصل فيها الناس على ما يستحقونه، فإن أحسنوا الاختيار فهنيئا لهم، وإن أساؤوا فكان الله فى عونهم حتى موعد الانتخابات المقبلة، لا تحدثنى هنا عن سيطرة المال فحتى الذين تعودوا على الوصول إلى مقعد الانتخابات بالمال سيدفعون هذه المرة للناخبين فقط، ولن يكونوا مضطرين لأن يرش الرشة الجريئة التى تبدأ من رئيس الجمهورية وإنت نازل، أرجوك لا تضيع وقتك بالحديث عن عيوب شعبك ومشاكله وتخوفاتك منها، بل اشغل نفسك بالنزول إلى الشارع لتوعية شعبك وإزالة ما ران على قلبه وعقله من فساد العهد المباركى، وإذا كنتُ قد رجوتك قبل رحيل مبارك إذا أردت أن تيأس أن تيأس قدام باب بيتك، فهذه المرة أرجوك أن تيأس بداخل بيتك، وأن تترك الشارع للعاملين الآملين الحالمين المقاتلين الذين خرجوا يواجهون تنين الباطل بأرواحهم فأسقطوه، ومازالوا مصممين على مواجهته وهو يترنح ويضرب بذيوله الغشيمة فى كل اتجاه.

هذا عن الانتخابات الرئاسية والانتخابات البرلمانية، فماذا عن الاستفتاء على تعديلات الدستور؟، هل توصلت بشأنها إلى قرار قاطع، أم أنك مازلت محتارا مثلى؟. أغلب الظن أنك مازلت محتارا تتأرجح بين نعم ولا، ليس هذا مهما، المهم ألا تكون أخذت قرارك بنعم أو لا بناءً على ارتياحك لمن أشاروا عليك بأن تقول نعم أو لا، أو لأن من تكرهه وتختلف معه سياسيا قال لا فقررت أنت أن تقول نعم، المهم أن تأتى الإجابة من داخلك أنت حتى لو جاءت ولادتها متعسرة ومرهقة، المهم ألا تحرم نفسك من جلال اللحظة التى ستتخذ فيها قرارا مصيريا للمرة الأولى فى حياتك، لكى تفرح بها إن رأيت ثمارها، وتضرب نفسك بالبونية إن أدركت كم كانت متسرعة وخاطئة.

أنت تعلم أن التعديلات الدستورية ليست كافية ولا وافية ولا مثالية، لم يقل أحد إنها كذلك حتى الذين عدلوها، لكنك تريد أن تقول لها نعم، لأنك خائف من أن يتكرر فى مصر ما حدث من قبل عقب حركة يوليو 1952، قبل أن تغضب من وصفى لها بحركة تذكر أن صانعيها كانوا يصفونها كذلك، قبل أن يقنعهم عميد الأدب العربى طه حسين بأنها ثورة وليست حركة.

أنت تريد أن تستغل هذه الفرصة التاريخية التى نرى فيها جيشا يصر على أن يترك مقعد الحكم ويعود إلى ثكناته، بينما يصر كثير من المدنيين عليه أن يبقى بصيغة أو بأخرى لكى يرتبوا أوراقهم السياسية ويأخذوا فرصة فى الوصول إلى الشارع الذى يعرفون جيدا أنه لم يكن معهم فى معركة التحرير، بل وقف أغلب أفراده ما بين «متفرج حذر أو متحفظ أو عدائى أو لا مبالى».

ربما تريد أن تقول لا، لأنك تخشى من قدرة أذناب نظام مبارك على التشكل من جديد وارتداء أقنعة الثورة وفتح مواسير الفلوس على آخرها، وماله، لكن هل يمكن لذلك التخوف أن ينتهى خلال سنة ونصف، فى شعب أفقروا موارده وإرادته، أم أنك لكى تأمن هذا الخوف تماما تحتاج إلى عشرات السنين تخلق فيها اقتصادا قويا وتعيد بناء الشخصية المصرية فتمحو منها معالم ثقافات المنح والسفلقة والتسول والأنامالية والبرشطة؟ تريد أن تقول لا، لأنك تخاف من سيطرة تيار منظم على الحياة السياسية فى مصر، يخيفك الإخوان؟!

حقك ولن ألومك، فلم نر من الإخوان الكثير الذى يدفعنا لكى نستريح إليهم تماما، كان أداؤهم فى الثورة مريحا ومشرفا، لكن معرفتنا بتاريخهم وبانعدام الديمقراطية داخل صفوفهم وبسيطرة العقليات القديمة داخلهم، كل ذلك يخيفنا منهم، لكن ألا تخشى أن نكرر عندها ما فعله قبلنا عقب يوليو 1952 مثقفون وطنيون من أمثال فتحى رضوان وسليمان حافظ وعبدالرازق السنهورى، حينما كتبت الأقدار لهم أن يلتقوا بقادة يوليو ويلتفوا حولهم، ولأنهم كانوا ينتمون إلى أحزاب سياسية معادية لحزب الوفد صاحب الأغلبية الكاسحة (كان السنهورى ينتمى إلى الهيئة السعدية،

بينما كان رضوان وحافظ ينتميان إلى الحزب الوطنى اللى بجد)، فقد دفعهم الخوف من عودة الوفد للسيطرة على الحياة السياسية إلى إقناع الجيش بإسقاط دستور 1923 وحل الأحزاب، وساعدهم فى ذلك أساتذة قانون بارزون أشهرهم الدكتور سيد صبرى صاحب براءة اختراع مصطلح (الفقه الثورى)، وباركهم فى ذلك الإخوان المسلمون الذين رأوا فى التخلص من الوفد فرصة عمرهم للتحالف مع الجيش والسيطرة على البلاد، وهكذا تحالف هؤلاء جميعاً لإسقاط الحياة السياسية النيابية، ليس عن خسة أو دناءة، بل سعيا وراء أهداف نبيلة ورغبة فى تطهير الحياة السياسية، فكانت النتيجة فى نهاية المطاف أن مصر شهدت عهودا من الاستبداد لم تتخلص منها إلا بفضل ثورة يناير، ومازال يلزمها الكثير من الثورات فى شتى المجالات لكى تتخلص من تبعات تلك العهود اللعينة.

ألا يذكرك الخوف من الوفد وقتها بالخوف من الإخوان الآن، ألا يذكرك الحديث عن التخلص من بقايا الحزب الوطنى الآن بالحديث عن التخلص من بقايا الإقطاع وقتها، ألا تلمح نغمة بدأت تتردد فى كتابات البعض تسعى لشخصنة الجيش بدلا من الحديث عنه كمعنى وكقيمة وكضامن لنجاح الثورة، مع أن دعم الجيش لا يصح أن يكون على بياض بل يجب أن يأتى كما قلت من قبل على أرضية وحيدة هى تعهده بتنفيذ المطالب المشروعة للثورة، ألا تخشى أن يواصل هؤلاء المثقفون، سواءً عن قناعة أو عن نطاعة، عزف تلك النغمة لتتحول شيئا فشيئا إلى سيمفونية تخلق مستبدا عادلا جديدا يحن الناس إليه بفعل الخوف من الفوضى والرغبة فى الاستقرار، فيخرج الناس إلى الشارع كما خرج أسلافهم فى مارس 1954 لكى يضربوا كل من يطالب بالديمقراطية والحريات ولو كان قيمة وقامة، ألا تخشى أن ينقلب السحر على الساحر كما انقلب على السنهورى وسليمان حافظ والإخوان من قبل؟

من حقك أن ترى أن المقارنة التى نعقدها بين ما أعقب ثورة يوليو وما نحن فيه الآن، مقارنة متعسفة وغير منصفة، فالزمن غير الزمن، والواقع الدولى وقتها غيره الآن، والفارق كبير بين حركة قام بها ضباط جيش للإطاحة بملك فاسد ثم تحولت إلى ثورة بعدها، وبين ثورة قام بها مئات الآلاف من الأحرار تحولوا إلى ملايين فى أعظم ثورة شعبية فى التاريخ المعاصر.

من حقك أن تقول هل سقطت دماء الشهداء لكى نقبل بأرباع الحلول، هل ضحينا بأرواحنا لكى نحصل على دستور مرقع، وأنت تعرف أن الترقيع أمر لا يليق بمن ينوى دخول حياة جديدة على نضافة، ألم تكن الثورة حلما بمصر جديدة، فلماذا نأتى إلى أهم دعائم مصر الجديدة فنكون واقعيين ونرضى بالقليل، لماذا لا نصر على إسقاط هذا الدستور سيئ السمعة الذى لا يمكن مقارنته أبدا بدستور 1923، لماذا لا نصر على أن يقوم الجيش بعمل لجنة دستورية موسعة من كبار الخبراء الدستوريين والقانونيين لصياغة إعلان دستورى نسير فى الفترة الانتقالية على هداه، إعلان دستورى يبتعد عن المواد المثيرة للجدل والفتن ويكتفى بالتركيز على المواد التى لا تخلق رئيسا بصلاحيات متغولة تشيطن حتى الملائكة، لماذا لا نستغل فرصة وجود حكومة يرضى عنها الشعب ويأنس إليها ويأمل منها خيرا، فنقوم بتشكيل مجلس رئاسى مكون من اثنين من المدنيين ورجل عسكرى،

وإذا كنا سنجد صعوبة فى الاتفاق على أسماء المدنيين فلماذا لا نشكل هذا المجلس من رئيس المحكمة الدستورية ورئيس محكمة النقض والقائد العام للقوات المسلحة ونعلن استمرار المجلس لمدة عام تُطلق فيه حرية إطلاق وتشكيل الأحزاب والنقابات والصحف ويتم فى العام نفسه وضع ضوابط قضائية صارمة على عمل جميع الأجهزة الأمنية وعلى رأسها جهاز أمن الدولة وتأخذ أجهزة الشرطة فرصة لإعادة هيكلتها وبنائها وبناء علاقتها بالشارع، ثم تجرى فى نهاية ذلك العام الانتخابات البرلمانية وتعقبها الانتخابات الرئاسية التى سيأتى فيها رئيس بسلطات مقيدة لا تصنع منه فرعونا جديدا، ثم تتم بعدها الدعوة لانتخاب مجلس تأسيسى للدستور تمثل فيه كل الطوائف والمهن والأعراق والخبرات، فنبنى مصر الجديدة على رواق وبما يرضى الله، بدلا من التعجل واللهوجة والكروتة التى لم ننل منها خيرا طيلة عمرنا؟

إذا كنت ترى أن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله فعليك أن تقول نعم، أما إذا كنت ترى أن عهد الحلول الوسط قد انتهى وأننا يجب ألا نخاف من أى سلطة بعد أن امتلكنا القدرة على الثورة فعليك أن تقول لا، وفى الحالتين عليك أن تفرح لأنك أصبحت تملك الاختيار فى أن تقول لا أو نعم، من المهم أن تفرح بحلاوة الحيرة، شريطة ألا تدفعك الحيرة إلى أن تجلس فى بيتك يوم السبت وتقول «لعم» للتعديلات الدستورية.