الاثنين، 14 مارس 2011

الثورة لم تصل الإعلام - ياسر عبد العزيز


فى يونيو من عام 2005 أراد الدكتور أيمن الظواهرى، الرجل الثانى فى «القاعدة»، تقديم النصح إلى زعيم التنظيم فى العراق أبى مصعب الزرقاوى، فبعث إليه برسالة جاء فيها قوله: «وتذكر دائماً أن نصف المعركة فى الإعلام».

يبدو أن ما وصل إليه «الظواهرى» لا يختلف كثيراً عما أكده البروفسير فى جامعة هارفارد، جوزيف ناى، الذى وضع كتاباً فريداً بعنوان «القوة الناعمة: سبل النجاح فى عالم السياسة الدولية»، وهو الكتاب الذى ظل ملهماً لكثير من السياسيين والسياسات فى العالم، ومحلاً لجدل لم ينقطع منذ صدوره فى عام 2004.

لقد أكد «ناى» فى أطروحاته المختلفة عن مصطلح «القوة الناعمة» أن المعارك لا يمكن أن تُربح فقط فى ميادين القتال، وأن الكاسب فى الحرب هو ذلك الذى «تكسب قصته فى الإعلام»، مدللاً على ما ذهب إليه بأن وسائل الردع وآليات الاحتواء العسكرى الضخمة التى كرسها الغرب لمواجهة المعسكر الشرقى فى غضون الحرب الباردة لم تكن لتنجح من دون استخدام «الإذاعات الموجهة»، التى دمرت ثقة السوفييت فى أنفسهم، فسهلت هزيمتهم.

لا يبدو أننا بحاجة إلى الكثيرمن الأمثلة للتأكيد على ما للإعلام من قوة وتأثير كبيرين، ليس فقط فى صياغة الأحداث المهمة وتأطيرها وترتيب الأولويات، ولكن أيضاً فى بلورة المفاهيم، وترجيح الخيارات والبدائل، وتشكيل الرأى العام، وقيادته أحياناً نحو اتخاذ قرارات بعينها أو تكوين مواقف محددة.

كان الإعلام المصرى الرسمى أداة دعاية مباشرة سوداء فى يد النظام السابق تعمل على غسل أدمغة المواطنين صباح مساء، قبل أن يصبح معول هدم وتشويه للثورة منذ اندلاعها فى 25 يناير وحتى تنحى مبارك، حيث بدأ منذ هذا التاريخ فى عملية «غسل أيدى» و«ركوب للموجة»، ليوحى للجمهور بأنه أحد «أركان الثورة» و«محاربى الفساد والاستبداد». واليوم يمارس الإعلام الرسمى سياسة جديدة من خلال مرحلة جديدة، يسعى خلالها إلى «تفريغ الثورة من مضمونها»، عبر إثارة فزع الناس من «الفوضى والجوع والفتن والحرب الأهلية»، وإعادتهم مرة أخرى إلى العبودية والاستبداد والاستسلام للفساد وللانهيار الأخلاقى العام.

لعلك سمعت كثيراً عبارات من نوع «مصر ما قبل 25 يناير وما بعد 25 يناير»، و«من المحال أن تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه»، و«لقد تخلص الشعب المصرى من العبودية والاستبداد إلى الأبد»، وهى جميعها عبارات تشير إلى تغير ملموس بات الكثيرون يشعرون به منذ إطاحة الرئيس السابق، وتحقيق بعض مطالب الثورة، لكن هذه العبارات ستبقى طويلاً محل شك، طالما أن الثورة أطاحت بالرئيس ووزرائه النافذين، من دون أن تمس إمبراطورية الإعلام الرسمى.

ثمانى مؤسسات صحفية قومية، تصدر عنها 55 صحيفة، وتسع شبكات إذاعية، وأكثر من 20 قناة تليفزيونية عامة ومتخصصة وفضائية وأرضية، وعدد من الخدمات الإلكترونية والهاتفية، كلها تعمل بطريقة واحدة، هدفها «تفريغ الثورة من مضمونها» و«إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه»، من خلال «غسل اليد» من النظام السابق، و«ركوب الموجة» بالحديث عن الفساد والأموال المنهوبة، واختزال مطالب الثورة والأهداف الوطنية فى «تحقيق الأمن، واستعادة الشرطة، وتوفير الدقيق، وإيقاف الخسائر الاقتصادية».

وسائل الإعلام التابعة للدولة، التى كانت مجرد أداة دعاية سوداء فى يد الحكومة، بل الحزب الحاكم سابقاً، بل جناح التوريث فى الحزب، والتى ظلت على مدى ثلاثة أسابيع تخون الثائرين، وترعب المواطنين، وتستخدم أحط الوسائل للحفاظ على بقاء النظام السابق، وتفقد دورها الرئيس ووظيفتها الأولى كمصدر اعتماد أساسى للجمهور المصرى، وتسلمه إلى منظومات إعلامية وافدة، تحاول أن تقنعنا اليوم أنها ضد الفساد ومع الثورة.

جميع من كانوا فى مواقع المسؤولية فى وسائل الإعلام التابعة للدولة قبل ثورة 25 يناير كان عليهم أن يتقدموا باستقالاتهم فور تنحى الرئيس مبارك، مرة لأن الطبقة السياسية التى انتموا إليها وسخّروا موارد الدولة للدفاع عنها سقطت وثبت فسادها وعجزها، ومرة لأنهم برهنوا على عجز مهنى صارخ وفاضح عرض البلاد إلى انكشاف إعلامى خطير، ومرة لإعطاء الفرصة لمن بيدهم الأمر لاتخاذ خطوات نحو الإصلاح والتغيير، ومرة ثالثة لأن أحداً لا يمكن أن يعمل لمصلحة نقيضين فى آن واحد.

لكن يبدو أن الجلود كانت سميكة إلى قدر كبير، بحيث رأى كل صاحب موقع فى تلك المنظومة، ما عدا قليلين، أن ذاكرة الجمهور مثقوبة، وسرعان ما سينسى الجميع ما تم ارتكابه من جرائم عبر وسائل الإعلام الحكومية، ويبدو أيضاً أن من بيده الأمر أراد استبقاء «الجنود الأوفياء» أنفسهم لتنفيذ بعض المهام المتصلة بطبيعة المرحلة.

تبدو المهام الراهنة واضحة، وأولاها ترويع الناس من الفوضى والانفلات والفتن الطائفية، وتحويل الشاشات والصفحات إلى نداء عريض مفاده «ابحث عن الشرطة»، وكأن الشرطة لا تنزل الشارع إلا بعد «نداء واستجداء»، وثانيتها التحذير من الجوع، وثالثتها تهويل الخسائر، التى بلغت نحو مليار دولار، ولا تمثل عُشر ما تم نهبه فى طريق القاهرة – الإسكندرية الصحراوى، وآخرها ترديد الأغانى التى تُشعر الجمهور بأن «ثورة مرت من هنا، وقد نجحت»، لكنها لم تصل أبداً إلى سدنة الإعلام المأفون الضال.

مولد وصاحبه غايب - جلال عامر


هذه هى نتيجة النوايا الحسنة والعمل الصالح - اللهم أوعدنا - إذ يقال إن «مبارك» زار أحد المحامين فى المنام وأعطاه «توكيلاً» وأخذ منه «المبايعة» وهى درجة لا يبلغها إلا محام بالنقض تفرغ لحب الوطن وتربية الفراخ فى المكتب، فعندما تبدأ الفوضى تطل الأكاذيب، لذلك تركنا مسؤول الأمن المركزى وأمسكنا بمسؤول الجهاز المركزى، فمن المعروف أن «مبارك» الذى تفرغ الآن لزيارة الناس فى المنام رغم منعه من السفر كان يهمل تقارير «الملط» ويهتم بمحاكمات «العريان»، لذلك يريد البعض الآن أن يعدل الأوضاع فيقرأ تقارير «العريان» ويطلب محاكمة «الملط» فهل استكثرنا أن يكون بيننا شرفاء؟.. وكثير من الملح قد يفسد المعدة وقليل من العقل قد يمنع الفوضى.. ولو بدأت الانتخابات الآن سوف يفوز الإخوان ولو بدأ الدورى الآن سوف يفوز الزمالك لذلك تم تأجيل الاثنين لنتفرغ لتلويث الشرفاء.. زمان كل من يكره جاره كان يعمل له محضر وتقرير طبى ويرشحه للرئاسة، الآن كل من يكره جاره يعمل له عمل ويقدمه للنيابة.. مولد وصاحبه غايب.. وأنا أحب المستشار «الملط» لأنه لا يملك سيارة مثلى لأن رابطة راكبى الميكروباص أقوى من رابطة الدم، لذلك سوف أزوره فى المنام لأطمئنه أن الثورة بلا رأس لكن لها ألف عقل وتستطيع أن تفرق بين المحامى الذى يزوره «مبارك» فى المنام والرجل الذى منعوه من الكلام.. فإذا كنا لا نستطيع التمييز بين الفاسد والشريف فتعال نتعرف على الأرشيف.. والصبر جميل والعمر طويل، فلا أحد يطلب من الطفل أن يقول له يا بابا قبل أن يخلفه، فالغريب أنه لا فاسد حقيقياً حتى الآن أخذ مخالفة، بينما نتيجة لدوران الأرض ليلاً بدأ الناس فى شارعنا يخوضون فى سيرتها ويقدمون ضدها البلاغات لذلك أخشى أن ينقشع غبار المولد، فتتحول أم الدنيا إلى أم المطّاهر ونجد «حمدى قنديل» و«حمدى الطحان» و«حمدى السيد» فى السجن يحرسهم «أحمد عز» و«أحمد نظيف» و«أحمد شوبير» ويزورهم «مبارك» فى المنام.

الجمعة، 11 مارس 2011

جمعة الوحدة الوطنية - معتز بالله عبد الفتاح


أرجو وأدعو أن تكون الجمعة القادمة هى جمعة تأكيد أن المصريين لن يسمحوا لشياطين الهوى بأن يردوهم عن مصريتهم التى طالما تجسدت فى مواقفهم الوطنية ضد كل من حاول أو يحاول أن يتعامل مع قضاياهم بمنطق «نحن المسلمين» ضد «هم المسيحيين» أو «نحن المسيحيين» ضد «هم المسلمين».

لا أقول مصر مستهدفة، لأن كل دول العالم مستهدفة. ولكن أقول مصر ضعفت فى الفترة الماضية، ومن ضمن أسباب ضعفها هو أن قضايا المصريين المسيحيين انفصلت عن قضايا المصريين المسلمين، وبدا على سبيل الخطأ، أن الطرفين فى حالة تنازع على ملكية «شقة الوطن» فى علاقة صفرية يكون فيها مكسب أحد الطرفين هو خسارة الطرف الآخر.

إنها نظارة حمراء نرتديها فنرى كل ما حولنا وقد تحول إلى لون أحمر، نظارة مكبرة حينما نتحدث عن أنفسنا وحقوقنا، ونظارة مقعرة ومتحيزة ضد غيرنا وحقوقهم. تعالوا نغير النظارة من أجل الوطن، بل من أجل كل مواطن فى الوطن.

نحن بحاجة «لميثاق شرف دينى» نكتبه بعقول ترى مخاطر الفتنة وقلوب تحب كرامة الإنسان وتقدر له حقه فى اختيار ديانته، ويدعمنا فيه الآيات الآمرة من الكتب المقدسة مثل تلك التى تقول: «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم».

ولا يفهم البر والقسط الواردان فى هذه الآية إلا بقول الرسول، صلى الله عليه وسلم: «من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة». وقد جاء فى الإنجيل (إنجيل متى 5 : 44): «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ».

إذن نحن أمام ديانتين تقومان على الرحمة والإحسان تجاه أتباعهما وحتى مع من لم يؤمن بهما.

يقول سائل: وماذا عن الآيات الأخرى التى تتحدث عن تكفير الآخر واستخدام السيف معه؟ هذه الآيات موجهة للعدو فى حالة الحرب، وليس للمواطن الشريك فى الوطن.

نريد ميثاقا يتبناه الجميع، مسلمين ومسيحيين، الأزهر والكنيسة، الإخوان والبروتستانت، السلفيين والكاثوليك، اللادينيين والعلمانيين يقوم على أن مصر هى الكيان الحاضن لكل من يعيش فيها من أبناء الوطن، وأن ترديد آيات التكفير ليس فى مصلحة الجميع.

مطالب المصريين المسيحيين العادلة هى مطالب كل المصريين، ومطالب المصريين المسلمين العادلة هى مطالب كل المصريين، والمتطرفون يمتنعون. ولتكن الجمعة القادمة مظاهرة حب لمصر واحتراما لحق كل مصرى أن يختار دينه، ولنترك لخالقنا أن يحكم بيننا يوم القيامة فيما كنا فيه مختلفين، كما أمرنا.

فى انتظار «المعداوى»..! - أحمد الصاوي


يقف القطار ساكناً منذ وقت طويل، لا أحد يعرف لماذا يقبع فوق قضبانه بلا حراك، ولا أحد يكترث من بين طاقمه بالإجابة عن آلاف الأسئلة التى تدور فى أذهان الركاب، وليس بينهم من يقتنع بحقهم فى المعرفة، وهم عادة بلا قيمة، وينظر لهم المفتشون والكمسارية نظرة دونية، خاصة إذا كانوا من أولئك الجالسين فى عربات الفقراء الخلفية، بينما تتغير لهجاتهم عند دخول محيط «التكييف».

كل راكب يجلس على مقعده حسبما تيسر له، منذ غادر القطار محطته الأخيرة قبل ٢٥ عاماً، وكل شىء يخضع لما يتيسر: «اللى معاه قرش يساوى قرش» يجلس المرفهون فى المقدمة، بينما يتكدس الفقراء فى الخلف، بعضهم لا يجد مقعداً، ويضطر لافتراش الممر الطويل بين المقاعد أو الجلوس بين العربات، وهؤلاء أسعد حظاً من الذين حرمهم «الضنك» من الدخول، واضطروا لقضاء الرحلة «تسطيح».

الكمسارية يجوبون العربات، يمارسون مهام الجباية يثور الناس: «القطار لا يتحرك ويريدون مقابل رحلة لا تتم.. اللى اختشوا»، يستعين الكمسارية برجال الأمن، يرفعون عصيهم ويطلقون وعيدهم، تهدأ احتجاجات القوم.. يأتى مرسوم يزيد الأسعار، يبحث الجباة عن الفرق.. يحتج القوم: لماذا الزيادة؟ يرد المحتسبون: «زادت أسعار الوقود».. يصرخ الفقراء: «القطار متوقف يا عالم»..!

كان الجميع قد تم استنزافه، ٢٥ عاماً فى الرحلة أنفق كل راكب ما يملك، بعضهم كان يحدوه الأمل فى أن يتحرك القطار، وأن يبلغ محطة الوصول، والبعض الآخر كان يدرك أن محطة الوصول بعيدة، طالما أن أحداً لا يعرف سر توقف القطار.

لكن كثيرين تطوعوا بتكهن الإجابة، قال أحدهم: «إن الوقود قد نفد، ولابد أن ندفع وندفع حتى يشترى سائق القطار بأموالنا وقوداً للحركة»، وقال شيخ ادعى أنه نافذ فى السماء: «مات سائق القطار عند توقفنا فى المحطة السابقة، وعلى ما يبدو لم يتم استدعاء سائق جديد بعد»، وقال شاب ذو خبرة بقواعد السكة الحديد: «ربما كانت الأزمة فى الإشارة التى ترفض فتح الطريق للمرور، والأرجح أن عامل الإشارات نسى القطار أو جاءته أوامر عليا بتجميد الموقف»، وتساءل آخر: «ولماذا لا نتحرك ونكسر كل إشارات الصمت وننهى هذا الوضع؟».. وكان الرد: «إن الأمر ربما يحوى خطراً ما، وسائق القطار لا تروق له المغامرات غير المحسوبة».

«لكننا مجمدون فى هذه المنطقة، طوال هذا الوقت».. قالها راكب غاضب وألقى بنفسه من النافذة..!

كان الجوع يفتك بالقوم فى عربات «الترسو» والإمدادات تنهال على عربات «التكييف» يتقاسمها السادة والطاقم والسائق، لكن شاباً «ترساوياً» تسلل نحو السادة فى عربات الصفوة، ساد الذعر، أقسم أنه ليس بلص، لا يطمع فيما معهم من زاد، لكنه سأل سؤالاً كالصدمة: «أنتم سادتنا.. لماذا لم يغضب أى منكم من هذا الوضع؟»

لم يكترثوا به، أمنوا أذاه وتركوه وشأنه، كانت قسمات الراحة تكسو ملامحهم، أخبره شاب من عمره بالسر: «قطار متوقف نجلس فيه بعربات الصفوة خير من حركة يتبعها أذى، وتدفع بالغوغاء إلى عربات السادة».. أيقن أن النخبة اتفقت على أن تبقيهم فى «الثلاجة» داخل عربات لا ساتر فيها من برد أو جوع.

من بين النخبة خرجت سيدة غاضبة تذكرت فجأة أن الطريق لا يتطور نحو الهدف المرجو من رحلتها، سألت.. لم تجد إجابة، سارت بين العربات تفتش عن تفسير، وجدت أن الطاقم كامل، والسائق موجود.. رغم تقدمه فى العمر، يجلس فى الجرار يمارس أعماله، ومساعدوه من حوله يزعمون أن القطار يسير ويوهمونه بأنه قطع جل الطريق، تأتى للجرار أصوات الفقراء وقد ثاروا من قهر الصمت، يسأل عنهم، يخبره الكمسارية بأنه لا شىء، بضعة غوغاء يتشاجرون على لقمة عيش.

تنتفض المرأة ذات الوجه الغاضب، تكاد تقول الحق فى وجه السائق وتفضح هذا الزيف، يجزع منها كل رجال الأمر، تطلب منهم تفسيراً لا يحمل زيفاً أو غدراً، يصحبها أحد الأشراف يطلعها على أوراق الفحص: «السائق طاعن فى السن والجرار أكل عليه الدهر، والرؤية منعدمة، والكشافات بلا ضوء، والإشارة لا تصلح، وهناك خطورة فى السير». والحل؟.. سألت تلك المرأة فى فزع: «هل نبقى فى هذا الوضع المتردى حتى نهلك؟» كان الرد أن الحالة لا تسمح بالسير، والأرجح أن ننتظر «معداوى» يعبر بنا حتى محطة «أمن»، وهناك نعيد بناء «القطار»..!

■ نشر فى 9- 9 - 2006

إلى المواطن «مصرى»: لا تحزن.. ولا تتراجع - محمد رضوان


بقلم محمد رضوان ١٠/ ٣/ ٢٠١١

إلى المواطن «مصرى» منذ ٢٥ يناير حتى يوم نزول رئيس وزراء مصر عصام شرف إلى ميدان التحرير.. إلى أفضل من أخرجته ثورة مصر الرائعة: لا تحزن.. لا تيأس.. لا تتراجع تحت ضغوط وضباب كثير من الأمور السيئة التى تراها هذه الأيام.. هل كنت تتصور أنها نزهة، أو أنها مسألة سهلة؟!.. أبداً لم تكن هكذا والمعارك الأشرس مازالت أمامك.. كان نائباً للرئيس لمدة ست سنوات ثم حكم مصر فرداً ديكتاتوراً لأكثر من ثلاثين أخرى فأرسى قواعد وكيانات ضخمة للاستبداد والفساد رعاها حتى تغلغلت فى كل مناحى حياتنا، فهل نتصور بعد هذا أن نجتثها فى أيام أو أسابيع؟.. أو نتوقع من أذنابه وذيوله التى ربّاها أن تكتفى الآن بالفرجة والمشاهدة، وهى تدافع عن معركة بقائها ووجودها.. بل عن حياتها؟.. وضع قوانين للفساد وامتدت يده وأيدى المنتفعين من حوله إلى العبث بشكل غير مسبوق فى مواد الدستور الذى كان بالفعل ناقصاً ومنقوصاً واستبدادياً، فجعله أسوأ وسخرية للعالم كله، بمادته رقم ٧٦، ووضعنا الآن فى مأزق: هل تتم التعديلات فقط فى مواد الترشح للرئاسة ومدتها والإشراف القضائى، ثم نتجه لانتخاب البرلمان والرئيس.. ومن بعدها نبدأ الإعداد لدستور جديد؟.. أم نعدل لانتخاب الرئيس أولاً ثم من بعده البرلمان «الشعب والشورى»؟ أم نلغى مجلس الشورى لأنه بلا فائدة ترجى؟.. أم نرفض هذا كله وننتخب جمعية تأسيسية لوضع دستور جديد تماماً.. ومجلس رئاسى يدير البلاد إلى جانب المجلس الأعلى للقوات المسلحة لفترة انتقالية أطول؟

تلك هى القضية الأهم الآن.. والتى توارت خلال الأيام القليلة الماضية، خلف دخان حريق وفضائح وأسرار ووثائق «أمن الدولة» واقتحام مقاره وحوادث البلطجة والانفلات الناتج عن الفراغ الأمنى لوزارة الداخلية التى اختفت فى ظروف غامضة!!. ثم أخيراً دخان الفتنة الطائفية فى أطفيح وأمام التليفزيون وفى المقطم ومنشأة ناصر.. هذا الدخان وهذه الانفجارات التى يدفعون بها فى وجه المواطن «مصرى ٢٥ يناير» لإبعاده عن القضايا ذات الأولوية لمستقبل مصر ولإجهاض الثورة.

إن لهم فى تدبير الحوادث الإرهابية والطائفية تاريخاً عريقاً، ووثائق أمن الدولة تشهد الآن، كانوا يدبرون حوادث الإرهاب لتمديد العمل بقانون الطوارئ ولاستخدامها فزّاعة للغرب من تيارات الإسلام السياسى، ولتبرير القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وبالمرة لمساندة النظام، وكانوا يدبرون الحوادث الطائفية ويجعلون الفتنة قضية جاهزة دوماً للاشتعال «كسراً لشوكة الأقباط» أحياناً ـ كما قالوا فى وثائقهم ـ وشغلاً للرأى العام عن كوارث ومصائب أكبر فى أحيان أخرى.. ماذا تنتظرون من نظام مثل هذا.. بعضه مازال يحكم ويتحكم!!

هل تحسب يا «مواطن ٢٥ يناير» أن نظام تحالف الاستبداد والفساد لأكثر من ثلاثين عاماً يمكن أن يسقط فى أيام أو أسابيع، وأن يكون سقوطه بسقوط رأس النظام وبعض رجاله فقط؟!.. المؤكد.. لا.. إن معركتك مازالت طويلة تتطلب كل اليقظة والوعى والصبر والجلد.. والقوة أيضاً.

كان ولايزال تحالفاً قوياً.. بعضه من رجال الأعمال الذين أثروا ثراء فاحشاً من الفساد المالى والسياسى.. من الاستيلاء على ثروة مصر من الأراضى والغاز وشركات القطاع العام ومن الاحتكار.. اقتربوا من السلطة وتحكموا ثم حكموا فى سنوات النظام الأخيرة، واستعدوا بكل ما أوتوا من قوة ومال لتمرير مشروع التوريث.. وبعضه من قيادات فاسدة لجهاز أمن ضخم هو الداخلية بذراعيها: الأمن المركزى، القوة الباطشة دون عقل.. وأمن الدولة، المتحكم فى كل مفاصل مصر، والذين حسموا أمرهم تماماً ــ طبقاً لما جاء فى وثائقهم ــ مع الحزب الوطنى وقياداته الفاسدة ومشروع التوريث!!

البعض الثالث، هو النخبة الفاسدة المستفيدة والمنتفعة فى الحزب الوطنى وبعض توابعه، خاصة فى الإعلام الحكومى، والتى ساهمت مع بقية أضلاع التحالف فى التحكم بمصر ونهبها ومصادرة ثروتها لصالحه، وفى تجفيف وتجريف منابع السياسة والسياسيين فى مصر حتى وصلنا إلى حالنا الآن: فقدان أى وجود سياسى حقيقى وفعّال لأى قوى باستثناء جماعة «الإخوان».

التحالف الفاسد مازال موجوداً إذن.. يستخدم أسلحة أمن الدولة، والمال، والانفلات، والفراغ الأمنى، والشائعات، والبلطجة، والفتنة الطائفية، والجهل والتشدد والتطرف، والحزب الوطنى، والإعلام الفاسد.. كلها فى مواجهة الثورة، التى لم تتسبب فى أى من هذه الظواهر الرديئة ولم تنتج أياً منها.. هى فقط تريد مصر حرة ديمقراطية عادلة وآمنة ومزدهرة.

لذا أدعوك يا «مواطن ٢٥ يناير»: قف فى ثبات، ولا تدع اليأس يتسلل إلى قلبك.. أعد لثورة مصر رونقها وقوتها.. وعد إلى ميدان التحرير ــ كلما تطلبت الأحداث ــ والوقائع لتصحيح مسار الثورة أو لمواجهة المتحالفين ضدها.

الخميس، 10 مارس 2011

الاستفتاء على التعديلات الدستورية - عمرو حمزاوي


لم يعد يفصلنا عن الموعد المحدد للاستفتاء على التعديلات الدستورية، 19 مارس، إلا القليل من الأيام والنقاش العام، لم ينتج بعد إجماعا وطنيا واضحا حول الموقف منها. بعض القوى الوطنية، ومنها جماعة الإخوان، يرى التعديلات المطروحة كافية لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية وتعددية وإدارة الأشهر القادمة على نحو آمن. قوى وطنية آخرى والعدد الأكبر من الأحزاب السياسية والحركات الشبابية والشخصيات العامة، وأنا أقرب إلى هذا الطرح، لديها تحفظات جوهرية على التعديلات وتتخوف من تداعياتها السلبية على المرحلة الانتقالية.

وأحسب أن التحفظ الجوهرى على التعديلات يرتبط بكونها، إن وافق عليها المواطنون فى الاستفتاء، ستعيد الحياة إلى دستور 1971 المعيب الذى أسقطت شرعيته ثورة 25 يناير العظيمة ولا يصلح للتأسيس لتحول ديمقراطى حقيقى، نظرا لإعطائه رئيس الجمهورية صلاحيات مطلقة وإضعافه الشديد لقاعدة مساءلة ومحاسبة الرئيس وتهميشه للبرلمان والسلطة القضائية فى مقابل تقوية السلطة التنفيذية.

إن وافقت أغلبية من المواطنين على التعديلات فى الاستفتاء ستعاد الحياة إلى دستور معيب، ويباعد بذلك بين مصر وبين الشروع الفورى فى انتخاب هيئة تأسيسية لصياغة دستور جديد يتم وفقا له انتخاب رئيس الجمهورية والبرلمان. وتزداد خطورة هذا التحفظ حين نقرأ بعناية ودقة نص التعديل الدستورى الخاص بقيام الرئيس والبرلمان بعد الانتخابات بتشكيل هيئة تأسيسية لصياغة دستور جديد لمصر، ونكتشف أن للرئيس (مع موافقة مجلس الوزراء) وللبرلمان حق تشكيل الهيئة إن توافقا على ذلك إلا أنهما ليسا بملزمين بتشكيلها. وهو ما يعنى حال انتخاب رئيس يريد استمرار العمل بدستور 1971 وبرلمان لأغلبيته ذات التوجه أن التحايل على مطلب الدستور الجديد قد يستمر لسنوات قادمة.

والحقيقة أننى بت شديد التخوف من أن ننتخب رئيس الجمهورية والبرلمان وفقا لدستور 1971. فالرئيس الجديد، وبغض النظر عن نواياه وتوجهاته ومدى التزامه بمبادئ الديمقراطية وحكم القانون، سيتمتع بصلاحيات مخيفة فى إطلاقها وقد توظف للتحايل على المطالب الديمقراطية لثورة 25 يناير. والبرلمان الجديد سيتسم، كالبرلمانات السابقة، بمحدودية سلطاته الرقابية فى مواجهة الرئيس المطلق الصلاحيات. ناهيك عن أن البرلمان، وهو ما يتخطى الدستور إلى القوانين المنظمة للانتخابات، إن انتخب وفقا للنظام الفردى المعمول به وإن أجريت الانتخابات خلال الأشهر القليلة القادمة دون تأجيل سيأتى على الأرجح بذات تركيبة البرلمانات السابقة بمستقلى «بقايا الوطنى» والإخوان ويهمش من ثم بقية القوى الوطنية والحركات الشبابية التى أنجزت الثورة العظيمة.

هناك أيضا الكثير من التحفظات الجوهرية الأخرى على نصوص التعديلات المطروحة، أبرزها تلك المرتبطة بالمادة 175 والتى تحمل مضمونا تمييزيا صارخا ضد المصريين مزودجى الجنسية بحرمانهم من حق الترشح لرئاسة الجمهورية، على الرغم من أن القوانين المصرية تعتبرهم مواطنين متمتعين بكامل حقوق المواطنة دون انتقاص.

كذلك تتدخل ذات المادة بصورة سافرة فى حياة المواطنين الخاصة وتحاسبهم عقابيا على اختياراتهم بحرمان المواطن المتزوج من «غير مصرية» من حق الترشح لرئاسة الجمهورية، ناهيك عن الصياغة اللغوية للمادة التى قد تفسر على أنها استبعاد للنساء المصريات من الترشح. كذلك تؤرقنى آلية التصويت الجماعى على كل التعديلات المطروحة بنعم أو بلا، دون أن يكون هناك للمواطنين الحق فى التصويت على التعديلات بصيغة فردية، أى كل مادة على حدة.

لكل هذه الأسباب، حسمت أمرى بالذهاب إلى الاستفتاء والتصويت بلا على التعديلات المطروحة.

الثلاثاء، 8 مارس 2011

قف وأنت تكلم رئيس الوزراء - علاء الأسواني


ما إن تخرجت فى الجامعة حتى عملت لمدة عام فى وظيفة طبيب مقيم فى قسم جراحة الفم بكلية طب الأسنان جامعة القاهرة. كانت تلك أسوأ أيام حياتى. كان الفساد ينخر كالسوس فى قسم الجراحة: المحاباة والمجاملات تعطى أبناء الأثرياء والكبار ما ليس من حقهم، نتائج الامتحانات يتم العبث بها علنا، انحرافات مالية وإدارية بلا حصر، تقصير فى الأداء الطبى يصل إلى حد الجريمة، معاملة سيئة ومهينة للمرضى الذين اضطرهم الفقر إلى العلاج المجانى. على أن أكثر ما عانيت منه المعاملة السيئة التى يلقاها الأطباء من رؤسائهم، الغطرسة والقمع والإهانة تعتبر من الحقوق الأصيلة لكل أستاذ فى القسم يمارسها على من هم أقل منه. كانت دورة القمع تنتقل بانتظام من الكبير إلى الصغير. رئيس القسم يهين الأستاذ الذى يهين بدوره الأستاذ المساعد الذى يهين المدرس الذى يهين المعيدين الذين يهينون الممرضات وأطباء الامتياز. كان أحد الأساتذة يشرف على رسالة الماجستير لأحد المعيدين وكان يسميه علنا بـ«الحمار». ما إن يدخل الأستاذ من باب القسم حتى يصيح فى الموجودين:

ــ الحمار فين؟.. عاوز أشوفه

عندئذ يتقدم المعيد وعلى وجهه ابتسامة ذليلة ويقول: أنا هنا يا فندم.

أذكر أننى عاتبت هذا المعيد لتفريطه فى كرامته، فقال لى:

ــ الأستاذ يعتبر مثل أبى.

ـــ أبوك المفروض يحترمك ولا يهينك أمام الناس بهذه الطريقة.

عندئذ تنهد المعيد، وقال:

ــ أيهما أفضل.. أن يحترمنى الأستاذ وأرسب فى الامتحان أم يشتمنى ويمنحنى الماجستير بسرعة؟!

كان هذا المنطق السائد فى قسم الجراحة. «تخل عن كرامتك حتى تتقدم فى العمل. تحمل الإهانات، وإذا فاض بك الكيل قم بإهانة من اهم أقل منك».

استدعانى رئيس القسم ذات يوم، وطلب منى بغطرسة أن أذهب إلى محطة مصر حتى أشترى له تذكرة قطار إلى الإسكندرية. كان لديه ضيوف فلم أرد إحراجه أمامهم. خرجت من المكتب واتصلت به من العيادة المجاورة ودار بيننا الحوار التالى:

ــ أنا آسف يا فندم لأننى لن أستطيع أن أشترى التذكرة.

ــ ليه؟

ــ لأننى أعمل طبيباً، ولست فراشا أو موظف علاقات عامة.

.. ضحك رئيس القسم ساخراً، وقال:

ــ إنت باين عليك مجنون. شوف لى أقدم واحد عندك فى العيادة

كان أقدم واحد بدرجة مدرس.. ناديته وأعطيته السماعة فوجدته يقول:

ــ حاضر يا فندم. تحت أمرك.

ذهب المدرس، الحاصل على درجة الدكتوراة فى الجراحة، لشراء التذكرة وهو سعيد، لأن رئيس القسم اختصه دون سواه بهذه المهمة الجليلة.. قدمت استقالتى من هذا المكان البشع، وسافرت إلى الولايات المتحدة، درست فى جامعة «إلينوى» للحصول على درجة الماجستير. كان علىّ أن أحضر محاضرات مع طلبة السنة الثانية.. أثناء محاضرة فى علم الأنسجة، رفعت طالبة أمريكية بجوارى يدها، ثم قالت للأستاذ:

ـــ أنا لم أفهم.. هل يمكن أن تعيد الشرح؟!

مسح الأستاذ ما كتبه على السبورة ثم أعاد الشرح من جديد، لكن الطالبة قالت بعد ذلك:

ــ عذرا.. أرجو أن تعيد الشرح مرة أخرى لأننى مازلت لا أفهم.

استدار الأستاذ ليمسح السبورة مرة أخرى لكنه حرك يده وكأنه زهق وبان على وجهه الامتعاض... هنا صاحت الطالبة:

ـــ لماذا تحرك يدك وكأنك زهقت من غبائى؟!. أنا لست غبية. لو كنت غبية لما حصلت على الدرجات التى أوصلتنى إلى هنا.

ساد صمت عميق وتوقعت (أنا القادم من جامعة القاهرة) أن كارثة ستنزل فوراً على رؤوسنا جميعا.. لكننى فوجئت بالأستاذ يبتسم برقة ويقول للطالبة:

ــ لم أقصد إهانتك إطلاقا. أرجو أن تقبلى اعتذارى. سأبذل جهدى حتى أوضح الفكرة بطريقة أفضل.

وجدت نفسى هنا أمام منطقين متناقضين: فى جامعة القاهرة يتم قمعك وإهانتك وإذلالك باسم احترام الكبير، وفى جامعة «إلينوى» أنت إنسان كرامتك مصونة، لك حقوق وعليك واجبات.. إذا أديت واجبك يجب أن تحصل على حقك.. الفرق بين المنطقين ليس فرقا بين الشرق والغرب وإنما هو الفرق بين الاستبداد والديمقراطية.. إن الاستبداد كالسرطان ينتقل من قصر الرئاسة إلى كل مكان فى المجتمع فيتحول أفراد الشعب المقموعون إلى مستبدين صغار يعيدون إنتاج القمع الواقع عليهم ضد من هم أضعف منهم. الحاكم الديمقراطى يعمل فى خدمة الشعب الذى اختاره عن طريق الانتخابات الحرة، أما الحاكم المستبد فلا يمكن أن يحترم أفراد الشعب لأنه يراهم جميعا أقل منه.. كان حسنى مبارك يتحدث إلى أكبر العلماء والفنانين وأساتذة الجامعة فيتعمد أن يناديهم بأسمائهم المجردة، وكثيرا ما يسخر منهم وهو يتوقع أن يتقبلوا سخريته بترحيب وامتنان.. بل إن صحفياً شهيراً خبطه حسنى مبارك مرة على كرشه أمام زملائه الصحفيين ووجه له شتيمة مقذعة فاعتبر الصحفى الكبير ما حدث شرفا يتيه به على الناس وظل يردد بفخر:

ــ تصوروا سيادة الرئيس قال لى يا (..).. هو دائما يحب يضحك معايا!

هذه العلاقات المذعنة الذليلة تقابلها علاقات إنسانية طبيعية ومحترمة فى المجتمع الديمقراطى، حيث يتساوى الكَنّاس مع رئيس الدولة فى الحقوق والواجبات، وبالتالى فإن المواطن يخاطب أكبر رأس فى الدولة باحترام، ولكن بندية وكرامة. بل إن القانون والعرف فى البلاد الديمقراطية يتيحان أنواعا قاسية من النقد ضد المسؤول العام لا يتيحان مثلها ضد الشخص العادى.. الفكرة هنا أن نقد المسؤول العام يتم من أجل المصلحة العامة، وبالتالى فهو متاح دائما الى أقصى حد.. كان رئيس الوزراء البريطانى الأسبق جون ميجور ذات يوم فى جولة انتخابية عندما اقتربت منه سيدة بريطانية وصاحت فيه أمام الناس:

ــ مستر ميجور.. يا لك من أفّاك.

ثم قذفته بالبيض الفاسد فأصاب وجهه، وطيرت وكالات الأنباء صورة رئيس وزراء بريطانيا ووجهه مغطى بسائل البيض الفاسد.. تم إلقاء القبض على السيدة لكن القاضى البريطانى، بعد ساعات قليلة، أصدر قرارا بالإفراج عنها، وقال فى حيثيات القرار:

«إن قذف السيد رئيس الوزراء بالبيض لا يشكل خطراً على سلامته أو حياته وبالتالى لا يعتبر جريمة اعتداء وإنما هو أسلوب عنيف للتعبير عن الرأى. وحرية التعبير تكفلها الديمقراطية الإنجليزية».

إن مرض الاستبداد ينتقل دائما من السياسة إلى الأخلاق.. فى المجتمع الديمقراطى يقف كل إنسان فى موقع واحد واضح ومحدد، أما فى مجتمع الاستبداد فتطالعنا نماذج إنسانية غريبة:.. نموذج أستاذ القانون الذى يضع علمه القانونى فى خدمة الطاغية ويتحول إلى ترزى قوانين يفصَّلها طبقا لرغبة الحاكم ويضيَّع حقوق الشعب، ثم إذا استغنى الحاكم عن خدماته انضم القانونى الكبير إلى المعارضة، وطالب برحيل النظام، ولكن ما إن يشير إليه الحاكم بإصبعه الصغير حتى يهرع ملبياً النداء وعارضاً خدماته.. نموذج الكاتب الذى يكتب أفلاماً ومسلسلات تدين الفساد لكنه فى الوقت نفسه يبايع حسنى مبارك ويمدحه ويسبّح بحمده ويسعى جاهداً لتقديم صورة ملائكية عن مباحث أمن الدولة. الضباط الجلادون الذين طالما عذبوا المصريين ببشاعة وهتكوا أعراض نسائهم أمام أعينهم يظهرون فى مسلسلات صاحبنا وكأنهم أبطال قوميون يجب أن ننحنى احتراما لهم. كل هذا التشوه الأخلاقى من مضاعفات الاستبداد. فى المجتمع الديمقراطى لا يحتاج الإنسان إلى صداقة أمن الدولة أو رضا الحاكم ليحقق نجاحه المهنى. القاعدة فى الديمقراطية العدل.. الأسباب تؤدى دائما إلى النتائج، والإنسان يتقدم بفضل موهبته وعمله وليس بفضل نفاقه أو مساندة أمن الدولة له.

لعل القارئ العزيز قد أدرك ما أرمى اليه من وراء هذه الأفكار.. منذ أيام، وضعتنى الظروف فجأة فى مواجهة تليفزيونية مباشرة على قناة «أون تى فى» مع الفريق أحمد شفيق أثناء توليه رئاسة الوزراء.

الفضل هنا يعود، بعد توفيق الله، إلى شجاعة رجل الأعمال نجيب ساويرس والإحساس العميق بالواجب الوطنى لدى أصدقائى: يسرى فودة وريم ماجد وألبرت شفيق والمناضل الكبير حمدى قنديل. لم أكن مع أحمد شفيق فى حوار ودى لطيف نتبادل فيه المجاملات والكلام المعسول بل كنت فى مواجهة عنيفة مع أحد أضلاع نظام حسنى مبارك الفاسد الظالم والمسؤول السياسى الأول عن المذبحة التى راح ضحيتها مئات الشهداء ومئات الذين فقدوا أعينهم بالرصاص المطاطى وآلاف المفقودين الذين لا يعرف أهلهم إن كانوا معتقلين أم استشهدوا رميا بالرصاص.. أردت أن أواجه السيد شفيق بمسؤوليته السياسية عن كل هذه المآسى والجرائم، وبرغم ذلك فقد حرصت طوال الحوار على ألا أتفوه بلفظ واحد غير لائق. الذى حدث العكس، عندما حوصر السيد شفيق وظهر أمام الجميع أن حكومته تمنح الفرصة لفلول النظام الساقط لكى يفلتوا من العقاب.. عندئذ خلع الفريق شفيق المظهر الناعم والابتسامة الرقيقة وأخرج ما فى جعبته من شتائم تضعه بسهولة تحت طائلة القانون بتهمة السب والقذف.

فى النظام الديمقراطى رئيس الدولة خادم للشعب. المواطنون يتعاملون معه باحترام ولكن بندية وكرامة. فى مصر بعد الثورة لن يكون هناك مواطن ينحنى ويقف مذلولا أمام الرئيس، ولن يفخر مواطن بأن الرئيس شتمه أو ضربه على كرشه.. من الآن فصاعدا على الرئيس أن يفهم أن مصر تغيرت، وأن الكَنّاس فى الشارع مواطن مصرى من حقه أن يستجوب رئيس الجمهورية وأن يتهمه بالتقصير وأن يطلب منه توضيحات حول سياساته.. ما إن انتهى اللقاء وخرجت من الاستوديو حتى انهالت على مئات المكالمات ورسائل التأييد من المصريين داخل الوطن وخارجه. أنا فخور بكل كلمة قالها هؤلاء الأعزاء، على أن وسام الشرف الحقيقى قد حصلت عليه من والد الشهيد محمد رمضان، أصغر شهداء الإسكندرية، الذى قتله ضابط شرطة برصاصة مباشرة فى رأسه، وهو لم يبلغ السادسة عشرة من العمر... كتب لى والد الشهيد فى رسالته..

«أشكرك. لقد أحسست وأنا أشاهدك بأن دم ابنى المرحوم محمد فى يد شريفة»